اغتيال فقهاء: استنزاف للتهدئة وانفتاح على التصعيد

اغتيال فقهاء: استنزاف للتهدئة وانفتاح على التصعيد

إسماعيل مهرة - أطلس للدراسات

بلا صوت فجّر كاتم الصوت غضبًا فلسطينيًا بلا صوت، غضب يمور في الصدور والعقول، تمتصه جدران احتواء الصدى وحكمة شجاعة ضبط النفس وعدم الانحراف عن الهدف، رغم إغراء تفجير الغضب والرغبة العالية في الرد السريع والانتقام لاغتيال الشهيد مازن فقهاء؛ إلا أن من يضع يده على الزناد آثر - على ما يبدو - التمسك بالهدف بحرص ومسؤولية.

اغتيال الشهيد فقهاء بعملية تتسم بـ"الجرأة والنوعية" وعلى أرض غزة وليس من الجو، تحمل الكثير من الرسائل، وتكشف ربما ملامح الوجهة الإسرائيلية تجاه القطاع في الفترة القريبة المقبلة.

برغم حديث الكثير من القادة الأمنيين والسياسيين عن تقديراتهم بأن لا إسرائيل ولا حركة حماس يسعيان للحرب، وأن لكلا الطرفين مصلحة في استمرار المحافظة على الهدوء، وكان آخر الذين يتبنون هذا التقدير رئيس "الشاباك" نداف أرغمان في استعراضه للوضع الأمني أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست الأسبوع المنصرم؛ إلا أننا لاحظنا - في الأسابيع الأخيرة على الأقل - ميلًا إسرائيليًا للتصعيد ومحاولات ليبرمانية لفرض نوع من معادلة ردع جديدة، وفي الإعلام ركزوا على الأجواء التصعيدية على الجبهة الجنوبية، ويصر الوزير غالانت - وهو جنرال وقائد المنطقة الجنوبية سابقًا - أن الحرب على الأبواب، وسبق أن حدد الربيع موعدًا محتملًا للانفجار، ثم عدله للصيف. أما من الناحية الإحصائية فكان شهر آذار/ مارس الجاري الشهر الأكثر تصعيدًا منذ حرب 2014، والرسم البياني للتصعيد (إطلاق الصواريخ المتفرقة والقصف الإسرائيلي وسعة رقعته) يشير إلى ازدياد التصعيد في الأشهر الأخيرة.

هذه المعطيات تكشف بشكل أو بآخر أن فترة التهدئة دخلت حالة من الاستنزاف، وربما شارفت على استنفاد طاقتها، وينعكس ذلك في حالة التوتر والاحتقان لدى كلّ من المقاومة وجيش الاحتلال، وزيادة وتائر الاستعدادات والتدريبات والتجهيز، وكأننا نقترب من لحظة الصفر، في ظل حالة من الشكوك الكبيرة من قبل كل طرف في نوايا الطرف الآخر، وبات من السهل الوقوف على حالة التصعيد على الأقل في الخطاب الإعلامي.

وعندما تكون لدى دولة الاحتلال قناعات بأن الحرب أصبحت أمرًا لا يمكن منعه، وأن اندلاعها مسألة وقت، وأن أقصى ما يمكنها فعله هو تأجيلها فقط؛ فإن ميلها للمغامرة والتجرؤ يصبح أكبر، ويقل وزن المحاذير، ويغدو لعامل الجبهة الداخلية والإصغاء لصوتها وزن وتأثير أكبر على القرار.

إن اغتيال الشهيد فقهاء يعكس تقديرًا وموقفًا لدى دولة الاحتلال، يتراوح ما بين التقدير بأن حركة حماس غير جاهزة للحرب وتخشاها، وستحتوي أي استفزازات أو محاولات لاستدراجها، لظروف تتعلق بجاهزيتها وبالوضع المعيشي للسكان وبالحالة الإقليمية، وبين أن تكون دولة الاحتلال قد حسمت أمرها برفع مستوى ردعها، حتى بثمن الحرب التي تقدر أن جيشها بات جاهزًا لها.

وفضلًا عن الحسابات الأمنية والسياسية المؤثرة في القرارات الأمنية والعسكرية، فإن ثمة، دومًا، حسابات حزبية وشخصية لصانعي القرار تلعب دورًا متفاوتًا في كل مرحلة، ونقدّر بأن دورها في هذه المرحلة له وزن أكبر من السابق لدى كل من نتنياهو وليبرمان وبينيت.

عملية اغتيال فقهاء بالطريقة التي تمت بها تعتبر مكلفة ميدانيًا وعملياتيًا، وتنطوي على الكثير من الجرأة والمغامرة، وكان من الأسهل اغتياله بصاروخ من طائرة مسيرة عن بعد، والسؤال: هل كان التخلص من الشهيد فقها هدفًا مهمًا وحيويًا للأمن الإسرائيلي يستحق هذا القدر الكبير من الجهد والمخاطرة أم أن الرسائل كانت أيضًا لا تقل قيمة عن قيمة اغتياله؟

ويبدو أن من قرّر المصادقة على العملية وعلى طريقة الاغتيال أراد من خلالها: عدم تحمل مسؤولية مباشرة عن العملية وعن أي تصعيد يرتبط بتداعياتها، إرباك المقاومة وزعزعة ثقة الجبهة الداخلية، وإيصال رسالة صادمة وخطيرة لكوادر المقاومة مفادها أن يد الاحتلال قادرة على الوصول إليكم في كل مكان، وأنه لا التهدئة ولا القطاع يمنحانكم حصانة من الاغتيال.

ليس الهدف الأول للعملية هو الردع، فالاحتلال يعرف ان أمثال هؤلاء لا يمكن ردعهم عن أهدافهم وعن مواصلة نهجهم وجهادهم، فالتشويش والانتقام وتدفيع الثمن للحركة ولكوادرها له المعيار الأكبر، والانتقام وتدفيع الثمن يعتبر ثابت سياسات إسرائيل الأمنية تجاه من تصفهم بأن على "أيديهم دماء يهودية".

من الواضح أن لوزير الحرب ليبرمان بصمة واضحة في الدفع باتجاه هذا النوع من العمليات، فهو دائم التحريض للجيش على التجرؤ والإقدام أكثر في ما يسميه بمطاردة "الأعداء"، ومن المهم التذكير بأن الأذرع الأمنية الإسرائيلية كانت بحاجة لهذا النجاح بعد أن باتت غزة عصية على عملياتها الخاصة، فقد حاولت هذه الأذرع في السابق وأكثر من مرة القيام بعمليات اختراق وإنزال على سواحل غزة، لكنها فشلت بحكم انكشافها وتصدي المقاومة لها، فهذا النجاح يمنحهم نوعًا من استعادة الثقة بقدراتهم، وهذا طبعًا على فرض أن العملية تمت بواسطة قوات خاصة اخترقت الساحل الفلسطيني في غزة.

هذا النوع من العمليات يستلزم مصادقة رئيس الحكومة، بعد توصية الأذرع الأمنية، ونتنياهو شخصيًا كان يعاني من فوبيا الفشل في مثل هذه العمليات، وأشهر العمليات الفاشلة التي ارتبطت به محاولة اغتيال السيد خالد مشعل، وعملية اغتيال الشهيد محمود المبحوح وانكشاف أمر ضباط "الموساد" في سويسرا، لكن اغتيال الزواري في تونس واغتيالات سابقة في طهران يبدو أنها جعلته أكثر تجرؤاً، ولا بدّ أنه عندما صادق على العملية كان لديه تقدير بأن حماس ستحتوي الأمر أو أنه فعلًا قرّر استدراجها للتصعيد.

سواء كان لدولة الاحتلال نية مبيتة للتصعيد أو رغبة في الاستفادة قدر الإمكان من تمسك حماس بالتهدئة؛ فإن التصعيد الإسرائيلي لن يتوقف، وقدرة حماس على الضبط الداخلي لردود الفعل سوف تتآكل تدريجيًا، ممّا يجعل الاحتمالات مفتوحة على التصعيد.