شرطة الأفكار: ملابسات التحقيق مع الناشطة سهير بدارنة

شرطة الأفكار: ملابسات التحقيق مع الناشطة سهير بدارنة

يوآب حيفاوي

يرجع مصطلح 'شرطة الأفكار' أو 'شرطة الفكر' لرواية جورج أورويل الشهيرة '1984'، التي صدرت في العام 1949. لقد تنبّأ أورويل في روايته كيف ستتحكم الشرطة بأفكار الناس وتقمع أي فكر لا يعبر عن الحب غير المشروط للنظام. ولكن تقدم البشرية تأخر ولم تتوفر أدوات المراقبة الشمولية على الفكر حتى السنوات الأخيرة، عندما تطورت شبكات التواصل الاجتماعي وصار الجميع ينشر أفكاره من على صفحاتها.

سهير بدارنة

فوجِئَت الناشطة الحيفاوية سهير بدارنة صباح يوم الأحد الموافق 26\2\2017، حين تلقت محادثة هاتفية من رقم غير معروف، وقد عرّف المتحدث نفسه كضابط تحقيقات بالشرطة في الناصرة، وأمرها أن تحضر حالًا للتحقيق في مكتبه. ولم يقبل الضابط أن يفصح عن سبب هذه الدعوة العاجلة أو ما هو موضوع التحقيق. ليست التحقيقات ولا تنكيل الشرطة غريبان على بدارنة، وهي ناشطة في حراك حيفا وأم لشابين ناشطين، منهم الصحافي والكاتب مجد كيال، الذي 'أخفته' المخابرات الإسرائيلية شهر نيسان/ أبريل 2014 إثر عودته من زيارة مهنية في بيروت. ولكنّ حتّى هذه السهير لم تكن حتى قادرة على تخيّل السبب الذي ظهر لاحقا ليفسّر سبب طلبها للتحقيق لدى الشرطة!

رفضت بدارنة الحضور للتحقيق من دون دعوة مكتوبة، وقد أصرت على تنسيق موعد ملائم أكثر. أما الشرطي فقد شدد على أهمية الموضوع قائلا إنه لا يحتمل التأجيل. وقد اتفقا في نهاية المطاف على أن يجري التحقيق في صباح اليوم التالي، فقد قام الشرطي بإرسال دعوة مكتوبة إلى رقم فاكس أعطته إياه بدارنة.

الدعوة للتحقيق

أخبرت بدارنة مكان عملها أنها مضطرة إلى الغياب يوم الإثنين. في ذلك اليوم، استيقظت في ساعة مبكّرة من يوم العطلة الذي فرض عليها فرضا، لكي تتمكن من اللحاق بالحافلة الذاهبة من حيفا إلى الناصرة. وحين وصلت، أضاعت بدارنة طريقها وهي تبحث عن محطة 'القشلة' المخفية بين الأزقة في منطقة 'العين'. وأخيرًا وصلت إلى المحطة وعرضت على الشرطيين الدعوة، ليتم توجيهها إلى ضابط التحقيق.

موضوع خطير

'هل تريدين استشارة المحامي؟'، سألها الضابط لدى حضورها. 'لا أعلم ما هو موضوع التحقيق ولذلك لا أستطيع أن أقيِّم هل احتاج للإستشارة' أجابته.

وأخيرًا، أخبرها المحقق أنها متهمة بالتحريض ضد شرطية، في منشور (ستاتوس) نشرته في 'فيسبوك'. في تلك اللحظة فقط أدركت بدارنة سبب التحقيق، فتنفّست الصعداء، ثم أخبرت المحقق أنها لا تظن أنها بحاجة لاستشارة قانونية.

 'ستاتوس' بدارنة

أخرج الضابط من مكتبه ملف كبير مليء بأوراق مصورة، وأخرج منه صورة من صفحة 'فيسبوك' الشخصية لبدارنة تظهر فيها صورة شرطية عربية ترتدي زي الشرطة الإسرائيلية وحجاب أسود. لقد نُشرت هذه الصورة سابقًا من قبل دائرة العلاقات العامة في الشرطة نفسها، أما بدارنة فقد أعادت نشر الصورة تحت العنوان 'الأسود يليق بك'.

شرحت بدارنة للمحقق أن 'الأسود يليق بك' اسم كتاب مشهور للكاتبة الجزائرية احلام مستغانمي، وأن تعبيرها بهذا الشكل لا يمكن أن يُعتبر تحريضًا أو مخالفة لأي قانون كان.

المحقق، من جهته، صرّح أنه يعرف الشرطية شخصيًا، وقد قال إنها شعرت بالضيق الشديد بسبب نشر صورتها، وخصوصا لأن الكثير من تعليقات المعلّقين على منشور بدارنة قد احتوت على الشتائم الموجهة للشرطيّة. لكنّ المحقق قد أكّد أن الشرطية نفسها وعائلتها لم يتقدموا بشكوى رسمية ضد المنشور.

تحقيق سياسي

لم يقتصر التحقيق على نشر الصورة موضوع 'الاتهام'، فقد تطرق المحقق لمواقف بدارنة ولنشاطها السياسي ولـ'تأثيرها' من على شبكات التواصل الاجتماعي.

سأل الشرطي بدارنة إن كانت تعترض على التجنيد للشرطة الإسرائيلية. وقد أكدت سهير على ذلك.  وحين استفسر منها عن سبب معارضتها، أهو بسبب تجنيد البنات؟  أو أن السبب هو معارضة انضمام المسلمين إلى الشرطة؟ فأجابت أنها لا تعترض بشكل خاص على تجنيد البنات أو المسلمين، ولكنها تعارض، من حيث المبدأ، خدمة أي عربي في الشرطة الإسرائيلية.

سألها المحقق إن كانت ناشطة سياسية، وقد رفضت سهير الإجابة على هذا السؤال، ما دفعه إلى القول إنه يعلم عن نشاطها، وقد نصحها بأن تخفف من هذا النشاط.

في لحظة ما خلال التحقيق، قال لها المحقق، صراحةً، إنه يبدو أن مواقفه السياسية تختلف كثيرًا عن مواقفها...

وتفاخر المحقق بعمله في جهاز الشرطة الذي يراقب من خلاله كتابات الشباب في 'فيسبوك'، مضيفا أنه يدعو إلى التحقيق أربعة أو خمسة شباب في كل يوم في هذا الإطار.

ومن جانبها، سألت بدارنة المحقق إن كان قد سمع عن العنف المتفشي في المجتمع العربي، وعن انتشار السرقات وحالات الاغتصاب وهل كل هذه القضايا المؤلمة لا تهتم بها الشرطة، لكي يجد المحقق نفسه متفرّغا تماما لمهمة قراءة 'الستاتوسات' واستدعاء الشباب بسبب تعبيرهم عن آرائهم.

التحقيق كطريقة للمضايقة والتحرّش

بعد حديث مطول ومن دون تسجيل بروتوكول، أعلن المحقق أن الأوان قد آن للتحقيق الرسمي، وأخبر بدارنة رسميًا أنها 'متهمة في التسبب بضرر نفسي للشرطية'، وقد أخذ يوجه إليها للمرة الثانية الأسئلة التافهة ذاتها، ويسجل الحديث على الحاسوب.

استمر التحقيق ثلاث ساعات تقريبا. وفي نهايته قال المحقق لبدارنة إنه سيأخذ الهاتف منها لأن عليه أن يفككه ويفحص محتوياته. هنا استفزت بدارنة وأمسكت الهاتف بيدها ورفضت أن تعطيه للمحقق، وقالت إنها غير متهمة في أية مخالفة ولا يوجد أي سبب لمصادرة هاتفها، فإذا ما أصرّ المحقق على ذلك فهي تطلب حقها باستشارة المحامي. خرج المحقق  ليستشير هو من يستشيره، ولدى عودته إلى المكتب، أعلن لها أنه يتنازل عن مسألة التفتيش في الهاتف، ثم سمح لها بالمغادرة.

يشكل التحقيق، في الكثير من الحالات، نوعا من العقاب ليس ضد المتهم بمخالفة القانون ولكن ضد من يعبر عن رأي مخالف للنظام، أو ضدّ من لا تعجب تصرفاته الشرطة. لقد أثبتت هذه التجربة البسيطة، التي تتكرر يوميًا، أن الوعي وإدراك الإنسان لحقوقه يمكن له أن يخفف الضرر الذي قد يترتب على هذه التحقيقات في العديد من الحالات. لقد تمكّنت بدارنة من تأجيل موعد التحقيق ومن الحصول على دعوة مكتوبة ومن منع مصادرة هاتفها.

كان من الممكن أن يكون الوضع أبسط ومدة التحقيق أقصر، إنْ لم تحضر بدارنة هاتفها معها. ومن حق أي شخص منّا أن يطلب توثيق التحقيق في بروتوكول من اللحظة الأولى، إذ لا يوجد أي إلزام للحديث مع الشرطة 'بشكل غير رسمي' لمن لا يريد ذلك. كما أنه من حقنا أن نرفض الحديث حول أي موضوع لا علاقة له بالتحقيق نفسه.

هل تعرضتم للتحقيق بسبب نشر الرأي؟

بعد نشر تفاصيل التحقيق مع بدارنة اتصلت مؤسسة 'عدالة' وجمعية حقوق المواطن بها، وتم تسجيل إفاداتها. وقد علمنا بأن الجمعيّتين تجمعان التفاصيل حول قضايا التحقيقات بسبب نشر الرأي. وهما تفحصان إمكانية معالجة هذه القضايا على المستويين المبدئي والشخصي.

إن تعرضت لتحقيق من هذا النوع، أو كنت تعرف شخصًا آخر تعرض أو تعرضت له ومستعدة لتقديم الشكوى، يمكنك الاتصال مع أي من الجمعيتين، كما يمكنك التوجه إليّ عن طريق هاتف رقم 0544790989 أو البريد الإلكتروني yoav.haifawi@gmail.com.


* يوآب حيفاوي هو ناشط سياسي ومحرر مدونة حيفا الحرة

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018