من سيعوض شباب غزة؟

من سيعوض شباب غزة؟

نور السويركي

قطاع غزة هذه المساحة الصغيرة التي تبلغ ٣٦٥ كم²، تحتوي أضعافها من السكان الذين تجاوز عددهم 2 مليون نسمة، تتناصف فيه الإناث مع الذكور، وهي لا تكتظ بهم وحدهم، بل باحتياجاتهم ومآسيهم وأحلامهم بحياة كريمة، في ظل الحصار المستمر منذ أكثر من عشر سنوات، دفع الشباب ثمنه ولا زالوا، وعلى وجه الخصوص الشابات.

عندما فُرض الحصار على قطاع غزة في العام 2007، كنت في التاسعة عشر من عمري، في عامي الجامعي الأول، لم أدرك معنى فرض الحصار، ما أدركته حينها هو انقطاع لأصناف من المُسليات والمشروبات الغازية التي أحبها، وانقطاع وصول أحدث موديلات الأحذية التي كنت أحب شراءها، لم يشكل الأمر لديّ هاجسًا كان كل ما شعرت به هو الاستياء لعدم وجود تلك الشوكولات السويسرية في السوبرماركت.

الآن وبعد عشر سنوات، أعرف تمامًا ما هو الحصار. هو أن تكون طائرًا بُترت أجنحتك، وتعتليك تلك الرغبة الجامحة في الطيران، وهذا ما نحن عليه كشباب غزيين، نمتلك تلك الطاقة للعمل والمشاركة، لكن أدواتنا للإنجاز قد سُلبت منا في ظل هذا الإغلاق، وعدم الاستقرار الأمني، فقد عايشنا ثلاث حروب، فقدنا فيها الكثير من شغفنا لهذه الحياة، والكثير من الأصدقاء والأهل، وأصبح قطاع غزة مسكونًا بأشباحهم وأشباح أحلامنا وطموحنا، ولا أستطيع تحديد إن أصبحت الهجرة هدفًا أو وسيلة للخلاص في هذه المرحلة.

في إحدى الجلسات أخبرتني صديقتي عن ساجد ومحمد، هذان الرفيقان الذين أسسا لمشروعهما الإعلامي قبل بدء الحرب الثالثة على  قطاع غزة في العام 2014. قصفت طائرات الاحتلال برج 'الباشا' الذي يحتوي على المقر والمعدات. خسرا كل شيء فقررا الهجرة للبحث عن فرصٍ أفضل. خرجا عبر إحدى الفتحات القليلة لمعبر رفح، ثم توجها نحو أوروبا في محاولة للهجرة غير الشرعية في قارب متهالك في يوم 6 من أيلول/ سبتمبر 2014، وحتى الآن هما مفقودان في البحر، غالبًا قد أصبحا طُعمًا لأسماكه، نجيا من حربٍ عسكرية، ليموتا غرقًا في حرب أشد ضراوة يواجهها شباب قطاع غزة وهي البحث عن الفرص.

الهجرة ليست هاجس الذكور فقط، فالفتيات هنا أيضًا يبحثن عن حياة أفضل، يسافرن رغم القيود الاجتماعية بهدف الدراسة في الخارج، ويأملن أن لا يعُدن إلى هنا. كلا الجنسين يسعيان لبدايات جديدة، فرص عمل أو زواج من جنسيات أخرى أو حلول أكثر ابتكارًا. مسح الشباب  الفلسطيني للعام 2015  يشير إلى أن حوالي 24% من الشباب (15 - 29 عامًا) في فلسطين لديهم الرغبة بالهجرة للخارج، وشباب قطاع غزة يمتلكون هذه الرغبة بنسبة أعلى تبلغ 37%، مقابل 15% في الضفة الغربية، كنتيجة لسوء أحوالهم المعيشية، فالبطالة التي بلغت نسبتها 42% تطارد الشباب، وبدلًا من كونهم القوة الأكبر في مجتمع فتيّ كالمجتمع الفلسطيني هم الآن فئة بحاجة للتمكين وفتح أبواب مشاريع التشغيل أمامها، وربما هم بحاجة للتأهيل النفسي.

إن معدلات البطالة في ازدياد وكذلك أعداد الخريجين، ومعها تزداد الصعوبات في الحصول على عمل في ظل التنافس الشديد على ذات المنصب الوظيفي لآلاف الشباب، وتواجه الشابات صعوبات مضاعفة في ذلك، حيث تشير البيانات أن نسبة الاناث (15-29) سنة اللواتي انتقلن من التعليم إلى سوق العمل قد بلغت 6.6% مقابل 44.8% ذكور، فيما حلت الإناث اللواتي أنهين 13 سنة دراسية فأكثر أعلى معدلات للبطالة حيث بل غت50.9%.

في غزة، يضطر الشباب للعمل في غير تخصصاتهم الجامعية، صالح مثلًا تخرج من تخصص الكيمياء الحيوية، بينما تقرأون الآن هو يقف على قدميه في محل لبيع ملابس الرجال، ربما يوظب رفًا من البناطيل، أو يساعد زبونًا في اختيار المقاس أو اللون المناسب، بينما تشاركه ذات القصة هبة، انهت درجة الماجستير في الجغرافيا وبينما تقرأون الآن ربما تساعد طفلًا لم يتجاوز السادسة من عمره لحفظ حروف الأبجدية، أو تقص ورقًا ملونًا على شكل حيوانٍ ما، فهي تعمل مدرسةً في إحدى رياض الأطفال في مدينة غزة.

بعض الشباب توجه لفتح مشروعه الخاص، بعد أن فشل في الحصول على عمل، بعضها بسيطٌ جدًا، وبعضها بلغت تكلفته آلاف الدولارات التي حصلوا عليها بالاستدانة أو القروض، من أشهر المشاريع الفردية الرائجة في قطاع غزة 'قرموشتي'، صاحبا المشروع هما محمود ومعاذ، خريجان جامعيان، عملا في مؤسسات محلية ودولية سابقًا، والآن يبيعان الدجاج المقلي على عربة متحركة في شوارع وأسواق مدينة غزة، يبدوان سعيدين أنهما لم يخسرا مشروعهما حتى الآن، وعند النظر إليهما وهما صامتين أعلم جيدًا أن هذا الوضع غير مرضٍ لطموحهما.

ولأنه من غير المقبول في مجتمع متحفظ مثل قطاع غزة أن تقف الشابات للبيع في عربات متجولة، فأنهن يتجهن إلى مشاريع مرتبطة بالأشغال اليدوية والأعمال الفنية، أو المنتجات المنزلية أو المستوردة للبيع عبر الإنترنت، ولاء أوجدت لها مصدرًا للدخل لا يمت لتخصصها الجامعي بصلة، فبعد أن درست اللغة الإنجليزية، ها هي تبدع في كتابة أبيات الشعر والنثريات باللغة العربية، على قطع الخشب وحجارة البحر، والأوراق الملونة، لتكون هدايا للأصدقاء والعشاق، حولت هوايتها لمصدر دخل، لكنها لا زالت تبحث عن عملٍ حقيقي.

الكثير من المشاريع الخاصة الأخرى قد خسرت، ورغم عدم تخصصي الاقتصادي إلا أنني أجزم بأن السبب هو تكرار ذات البضائع، لذات الجمهور، نظرًا لقلة الخبرات التجارية لأصحابها الشباب، نظرًا لعدم قدرتهم على ممارسة حقهم في التنقل بحرية، مما يجعلهم يختارون بضائعهم عبر الانترنت، وهو ما يجعل الخيارات المعروضة متاحة للجميع دون تميز، رغبات الشباب في العمل ليست وحدها حبيسة قطاع غزة، فالعديدون فقدوا المنح الدراسية الخاصة بهم، أو فرصًا للمشاركات الخارجية أو التمثيل الدولي، بعض الشباب انتهت صلاحية جوازات سفرهم دون أن يستخدموها، لقد حُرموا من فرص حقيقية تصقل مواهبهم وقدراتهم، وتطورهم الفكريّ والمهنيّ، وتدعم استقرارهم واستقلالهم المالي.

اقرأ/ي أيضًا | 'نساء تحت الحصار' في موعده رغم تهديدات اليمين

أما أنا أمٌ شابة لطفلين تخشى عليهما مستقبلًا كحاضرها، أفكر يوميًا كآلاف الشباب هنا، لم أجد بعد استقرارًا وظيفيًا استحقه، وليس باستطاعتي أو استطاعة جيلي كله وضع خطة مستقبلية آمنة، فنحن نعيش على صفيح النار، وفي سجن هو الأكبر في العالم، رغم أني أُعتبر من الناجين، فقد حظيت ببعض الفرص للعمل والمشاركة المجتمعية، بينما غيري لا يزال تائهًا يبحث عن أي فرصة حتى وإن لم تناسب آماله، والسؤال يطرح نفسه، من سيعمل على التعويض علينا كجيل شاب في قطاع غزة، بعد كل هذه المعاناة، والفقد، والفرص المهدورة؟


* الكاتبة ناشطة نسوية وصحافية من غزة. كتبت هذا المقال بمناسبة مؤتمر 'نساء عبر الحصار' الذي سيعقده "تحالف النساء للسلام"، اليوم الأربعاء، الساعة 18:00 في مسرح السرايا في يافا.