بين الوطني والنسوي... نساء فلسطين

بين الوطني والنسوي... نساء فلسطين

نيفين أبو رحمون وآية زيناتي

بذل الاحتلال جهودًا كبيرة منذ نكبتنا على تفتيت شعبنا الفلسطيني إلى جماعات كل منها له حيّزه الجغرافي، في محاولة إلى عزلنا في الداخل عن أبناء شعبنا. إذ رأى الاحتلال بهذه الخطوة إستراتيجية في التعامل معنا كأداة سيطرة على هُويّة جماعيّة وطنيّة، يرى فيها قوة تشكّل خطرًا على كيان قام على أنقاض هذا الشعب، الذي ما زال يحاول (أي الاحتلال) تدمير كل مقوِّماته الوجودية.

وإذا ما نظرنا إلى النساء الفلسطينيات بشكل عام، نرى أن لكلٍّ منهنَّ تفاصيل لمعاناة ضمن هذا الاحتلال الذي يطال التفاصيل اليومية في حياتنا كشعب فلسطيني. وفي الحديث استثنائيًا عن نساء غزة، نشهد معاناة يومية في ظلِّ حصارٍ فُرِض على أبناء شعبنا منذ عقد من الزمان، شهد من خلالها أزمة إنسانيّة حقيقيّة نتيجة حروب وحصار طالوا أبسط الحقوق الإنسانية لأي شخص. 

ويأتي هذا المقال في محاولة لتسليط الضوء على وضع نساء فلسطين عمومًا، ونساء غزة خصوصًا في ظل الاحتلال والحصار، بعد أن جمعنا لقاء بنساء غزة وهن: علا الجعب - باحثة ومحاضرة من غزة، نور سويركي - صحافية وناشطة من غزة، وهبة الدنف - محامية في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في غزة، وذلك في تاريخ 29-3-2017 من خلال مؤسسة 'تحالف نساء للسلام'، تحت عنوان 'نساء عبر الحصار' في مسرح السرايا في مدينة يافا، التي تحمل مكانة خاصة لكافة أبناء شعبنا، في محاولة إلى لم شمل نساء فلسطين رغم هذا الاحتلال والحصار كأبناء شعب واحد.

ويأتي حديث نساء غزة في سياق عام حول معاناة النساء في غزة بشكل مضاعف في ظل أسر واستشهاد أفراد من عائلاتهنَّ، في حين تصبح المسؤولية والإعالة ضمن مسؤولية النساء وحدهنَّ. 

إن أهمية لقاء التواصل مع نساء غزة يأتي لتعزيز الهم الوطني العام كقضية جامعة لنساء فلسطين عمومًا وكأبناء شعب واحد، إذ يعتبر هذا اللقاء رافعة إلى تعزيز البعد القومي والوطني في محاولة لتحدّي الاحتلال والحصار، وخلق حالة مناهضة لهذا الواقع المركب. وفي نظرة أخرى إلى مساهمات نساء غزة في اللقاء قد تمثّل البعد النسوي في نظرة شاملة حول العمل بين الوطني والنسوي في محاولة لتسليط الضوء على تميّز عمل النساء في غزة وربط النسوي بالهم الوطني العام كخيار صعب. بمعنى أن مساهمات النساء لم تطرح قضايا اجتماعية ونسوية بمعزل عن الهم الوطني والسياسي العام في محاولة إلى الإشارة إلى مسؤولية الاحتلال عن معاناة قائمة في المجتمع الفلسطيني في غزة بالعموم ولنساء غزة حصة كبيرة في ذلك.

ومن جهة أخرى، تمكن الإشارة إلى البعد الإنساني للقاء كهذا يحمل رسالة إنسانية قد يكون هذا اللقاء بمثابة لقاء تفاعلي بين نساء يتشاركن مشاعر متشابهة في ظل الاحتلال وعبر حدود حاولت أن تفصل بين نساء فلسطينيات في الداخل ونساء من غرة، ولكن اللقاء ثبت مدى التفاعل بين النساء بمعزل عن البعد الجغرافي والحدود.

من اللقاء الأخير

كان واضحًا من مداخلات النساء في غزة حول النهوض في المجتمع، أنَّ العمل اليومي مرتبط ارتباطًا قويًا بوضعية الاحتلال والحصار كأداة تدمير للمجتمع في غزة وللنساء تحديدًا. ومن جهة أخرى، هناك الهم الاجتماعي في ظل مجتمع محافظ ذكوري قد يكون للنساء العبء الأكبر في حمل هذا كمحاولة إلى تجاوز الدائرة الضيقة في معركتهنَّ الوجودية في الحيّز العام الغزّي كنساء.

وحول أهمية العمل مع نسويات غير صهيونيات يحملن توجهًا إنسانيًا مناهضًا للاحتلال، أيضًا، يرفعن رسالة واضحة ضد الحصار في محاولة لخلق حالة شعبية نسوية تترتب عليها خطوات في مواجهة ذلك كمشروع مع رؤية واضحة واستمرارية، وبالتالي، يصبح المطلب الآن تعزيز لقاءات التواصل وتبادل التجارب في مشروع يحمل في طياته بعدًا إنسانيًا ووطنيًا ونسويًا، بالإضافة إلى، الاستمرار في رفع الوعي لذلك وكنسويات مطالبات في تشكيل مجموعة ضاغطة على الحكومة الإسرائيلية لرفع الحصار وإعطاء غزة فرصة للعيش الكريم.

تشي التجربة في هذا التواصل أن هناك حاجة لخلق حالة وحراك شعبي يتطور ويهدف لحثّ المجتمع الفلسطيني في الداخل بأفراده وكمؤسسات مجتمع مدني وإعلام بأن نساء غزة وما يطرحن من فكر ومساهمات هو جزء من عملنا الوطني السياسي والنسوي ولا يمكن استثناؤه.

عقد لقاءات ومحادثات مشتركة بين نساء من غزة ونساء من الداخل هو خطوة ضرورية ضمن مشروع تحرّر وطني فلسطيني، فيها تحدٍّ لمن أراد الفصل بيننا، ونجتمع لنحدّث بعضنا البعض عن معاناتنا المشتركة والخاصة بكل منا، الناتجة بشكل أساسي ومركزي من الاحتلال الإسرائيلي، والناتجة، أيضًا، من مجتمعنا السلطوي الذكوري الذي يفرض علينا صعوبات إضافية، والحديث في العمل المشترك لمواجهتها وتحليلها لتعزيز نضالنا المشترك في التحرّر من الاحتلال والحصار الإسرائيلي، والمجتمع ذكوري معًا. كما أنه خلال القيام بمشروع كهذا نرى أهمية في حثّ مجتمعنا الفلسطيني على عدم تذويت فصل شعبنا الذي نتج عن سياسة الاحتلال الإسرائيلي وخاصة من خلال خطاب وحوار نسوي، فيه تعرض النساء واقعًا مفصّلًا وإسقاطات الحصار على غزة التي تؤثر على مجتمعنا كله، ولكن مع نظرة خاصة على حياة ومعاناة النساء. كما ندرك أن المجتمع الذكوري تزداد حدّته عندما يمرّ بأزمات إنسانية يتسبب بها الاحتلال، ولذلك نعي أهمية عرض هذا الواقع من نظرة نسوية. ومن هنا، اخترنا، أيضًا، أن نكمل مسيرة نسائنا الفلسطينيات في أخذ زمام الأمور لبناء منابر تتحدث فيها نساء شعبنا عن نكبتنا واحتلالنا، لنبقى جزء فعال نحو التحرّر الوطني، ولنعبّر عن رفضنا لانتظار مشاريع ومبادرات خارجية تسعى لذلك بشروط لا تمثلنا ولا تناسبنا كنساء فلسطينيات.

وأخيرًا، نود الإشارة إلى أن هذا المشروع في مراحله الأولى، وجاء ليستمر، وليهيمن خطاب فلسطيني موّحد ومتساوٍ بين التجمعات الفلسطينية كلها، وبين نساء ورجال الشعب الفلسطيني كله، من غزة إلى الضِفة الغربية والداخل الفلسطيني والشتات.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018