مجزرة الكنائس امتداد لطائفية الوطن العربي

مجزرة الكنائس امتداد لطائفية الوطن العربي

أحمد دراوشة

سارع بعض المعارضين المصريين فور ورود أنباء عن تفجير كنيستي طنطا والإسكندريّة، الأحد، إلى اتهام النظام المصري، أو قل جهات سياديّة معيّنة فيه، بالتسبب بالانفجار على غرار الدور الذي قام به وزير الداخلية المصري الذي أطاحت به ثورة يناير، حبيب العادلي، في تفجير كنيسة 'القدّيسين' بالإسكندريّة في الفاتح من كانون الثاني/ يناير 2011، واتهام حماس بالمسؤولية عن التفجيرين، وهو ما تبيّن زيفه لاحقًا، ومسؤولية العادلي عنها لصراعات داخل النظام المصري نفسه.

الاتهامات التي أطلقها المعارضون المصريّون، والتي لا يُعرف إن استقاها مطلقوها من مصادر أمنيّة داخل النظام المصري، وهو أمر مستبعد بطبيعة الوقائع والأحوال، أم أنها تحليلات أساسها الخبث والغباء في آن اللذان يتسم بهما النظام المصري، المجرّبان في مواطن عدّة من تاريخ مصر الحديث، الذي يكتشف من يمخر عبابه ويسبر غوره، حتى في أكثر صفحاته نصاعةً وبياضًا، أن الكثير من التفجيرات التي حدثت وقف وراءها النظام المصري أو جهات معيّنة فيه.

قد تكون هذه 'الأحاسيس' أو الإرهاصات صحيحة، أو على الأقل في جوانب منها، خصوصًا أن النزاع بين الأجهزة السيادية المصريّة على أشدّه الآن، مع إعلان المرشح الرئاسي الخاسر، الفل أحمد شفيق، نيتّه العودة إلى مصر والترشّح للرئاسة مقابل 'استقبال الفاتحين' الذي حظي به الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في واشنطن، والدعم غير المشروط الذي قدّمه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، له، مشيدًّا بـ'الاستقرار الذي تشهده مصر، إذا أن 'ترامب لا يساوره قلق بسبب سحق أي معارضة في مصر، بل إنه مثل السيسي تماما يرى أن الاستقرار والانتعاش الاقتصادي أهم من حقوق الإنسان' وفقًا لتوصيف صحيفة 'ذي تايمز' البريطانية، وهو ما قد تسعى جهات معينة في النظام المصري إلى تقويضه والإيحاء بأن الأمن، وبالتالي الاقتصاد، لم يستتب للسيسي بعد.

لا يسعى كاتب هذا المقال إلى عرض وجهات النظر تلك، فهذا ما ستسعى الأقلام والقنوات المصرية، التي تعاني جفافًا وركودًا معتادًا يستبق 'الموسم الرمضاني'، إلى عرضه، كل حسب مموله وحزبه السياسي وفريقه، لن تشذّ جميعها عن نظريات المؤامرة والمكارثيّة. بيد أن ما يسعى كاتب المقال إليه هو التحذير من أن فتنة طائفيّة تضرب وطننا العربي بدأت وجوهها تتكشّف تباعًا وتنتقل من بلاد الشام والعراق إلى شمالي أفريقيا، وليس ما نراه في مناطق سيطرة الطائفيين في المشرق العربي إلا غيض من فيض لمذابح كبرى ممكن أن تحدث في المدن المليونيّة الكبرى، لا قدّر الله.

ظل المثقّفون العرب منذ العام 2011 حتى اليوم يتجاهلون مصطلح 'الفتنة الطائفيّة' ظنًا منهم أن تجاهلها لا التركيز على حلها وخلق البديل لها قد يلغي وجودها، وإن استمروا على ما هو عليه، فلن يمضي الوقت إلا وصابحتهم الطائفية في عقر دورهم وبيوتهم ومدنهم ومؤسسات عملهم، فالفتنة الطائفيّة في بلادنا، ليست وليدة الساعة أو يتيمة، فلها وسائل إعلام تتحدث باسمها ومؤسسات تنطق عن هواها ودول تقدّم لها الدّعم والأموال والعتاد لتأجيجها، فهي ليست بمعزل عن السياق الدولي وقمم ترامب مع القادة العرب الأخيرة، وما رشح عنها بـ'ناتو سنّي' يجري العمل على إنشائه، وهو أحد المشاريع الطائفية في المنطقة: مشروع 'سني' تقوده السعودية، بمقابل مشروع 'سنّي صوفي' مضاد تقوده الإمارات ومصر، وآخر 'شيعي' تقوده إيران وأذرعها في سورية والعراق، وآخر 'درزي' تسعى إسرائيل إلى دعمه، نبّه إليه الكاتب السوري الجولاني ثائر أبو صالح في يوم دراسي عقد مؤخرًا بالناصرة، ناهيكم عن المشاريع الأقلياتية لروسيا وفرنسا في بلادنا.

لا حل ولا نقيض لهذه المشاريع الطائفية في بلادنا العربيّة إلا بالتشبّث بالحراك السياسي الذي بلغ أشدّه مع انتصارات الثورات المصريّة ربيع 2011، بل وتأثيف هذه الحراكات حتى تصل مبتغاها وتنتصر، وتبني  الدولة الديمقراطية التي لا تميّز بين مواطنيها على أساس الدين والعرق والقوميّة، وتجمع الناس على صعيد المواطنة التي لا تمن بها الدولة على مواطنيها، أو تمنحهم إياها منحةً من ملك أو رئيس أو حاكم، وهو ما فشلت أقطارنا العربية، ومصر بالتحديد، التي تعاني من ويلات تفجيرات اليوم، في تحقيقه، منذ لحظة الانقلاب العسكري المهين حين جلس رجال الدين إلى جوار السيسي وهو يعلن انقلابه إلى ما تلاه من فتاوى على الهواء مباشرة لقتل المعارضين في الميادين والأزقة والشوارع.

صحيح أن مصر بعيدة عن سورية والعراق وتفصل إسرائيل برّيًا بين الأقطار العربية، إلا أن الحدود المصرية الليبية مفتوحة على مصراعيها في دولة لا ينقصها المال أو الخلافات، تخوض حرب قبائل يعمل نظام القذافي على تأجيجها، ذهب ضحيّتها، للأسف، بالإضافة إلى آلاف المدنيين في ليبيا، مواطنون مصريون لا لذنب إلا لكونهم أقباطًا.

حرب عسكرية يخوضها النظام المصري على جبهتين على الأقل، شرقًا في شبه جزيرة سيناء، التي ظل ينهك أهلها ويقصفهم في ديارهم، وكأنه يقول لهم تسلّحوا وتمرّدوا واستدعوا داعش، وغربًا في ليبيا يخوض حرب القبائل التي لن ينتصر فيها أحد، وعلى الجبهتين، يفشل النظام المصري فشلًا ذريعًا في تحقيق أي تقدّم أو حتى وقف خسائره، ولن يستطيع طالما أنه يظن أن الحل العسكري وحده (على غرار النظام السوري) سيحسم الحرب دون إصلاح جدّي وحقيقي لمدن الفقر التي يعيشها المصريّون كلهم، بكافة طوائفهم ومنابتهم ومشاربهم، وطالما أن لا منهاج تعليم حديثًا ولا حوار مجتمعيًا حقيقيًا يخوضه المجتمع المصري حول هويته التي يريد والدولة التي يرغب ببنائها، وطالما أن شعار 'الإصلاح الديني' الذي يرفعه النظام المصري يريد أن يأتي فرضًا من الدولة لا أن يكون من داخل مؤسسات الأزهر نفسه.

في النهاية، لا يسعني القول إلا أن كل من يؤيد المشاريع الطائفية في وطننا العربي ويغذي سموم حقدها هو شريك في الجرائم الطائفية التي تحدث فيه، وفي المدن التي تقصف لا لشيء سوى للأغلبية الدينية التي فيها، مثل صعدة والموصل وإدلب وحتى القرى الصغيرة في ربوع الشام، لا يستفيد منها سوى إسرائيل التي تسعى لتكريس صورتها دولة دينية وسط دول دينية أخرى، بدلًا من كشف شذوذها الوجودي دولة دينية في محيط من الدول الديمقراطية.