بعض من معاني معارك الحرية

بعض من معاني معارك الحرية

عوض عبد الفتاح

عمومًا لا ينتبه الناس العاديون إلى أثر معارك أسرى الحرية في إعادة إيقاظ مشاعر الانتماء للمجموع، وفي إعادة شحذ الهمة وروح التمرد على واقع يسعى المستعمر، بصوره مستمرة ومنهجية، إلى ترسيخه وجعله واقعا عاديا، وإلى تجريد الناس من صفات إنسانيتهم، وأولها صفة التضامن والتكافل.

وفي الحديث العادي مع الكثير من الناس، يتذرع بعضهم بأنه دائما مشغول، مما يحول دون قيامه بأدنى الواجب تجاه الآخرين من أبناء شعبهم. وبطبيعة الحال، لكل معركة ضد نظام الاضطهاد أثر تراكمي في بلورة صفات إنسانية للفرد الواقع تحت الاستعمار، وفي إيقاظه من غفوة التكيف السلبي مع الواقع. ومن الصفات الإنسانية، عدم سكوت الإنسان على الظلم واستعداده للتضحية والعطاء والتضامن.

وأكثر ما يقلق المستعمر عند نجاح أسرى الحرية في التوافق على إطلاق إضراب جماعي عن الطعام، هو التفاعل الذي يمكن أن يحدثه هذا الإضراب، خارج أسوار السجن، في الشارع الفلسطيني. وعلى الرغم من أن تجارب الإضراب السابقة التي جرت في العشر سنوات الماضية، لم تحظ بتضامن شعبي واسع، إلا أن هذا الخوف الذي يثيره الإضراب في المستعمر يحضر عند كل معركة إضراب جديدة. وقد تمكن مؤخرًا عدد قليل من الأسرى في ظل غياب التوافق على إضراب جماعي، من تحقيق تحررهم بعد خوض نضالات فردية قاسية وصعبة. ويعود هذا الإنجاز إلى تضحياتهم وحدهم. ونذكر من نشط في التضامن كم كان الشعور بالخيبة من عدم تفاعل الناس عامة، ناهيك عن موقف ودور السلطة الفلسطينية. وجاء هذا الإضراب العام للأسرى عن الطعام كانتقال ضروري من النضالات الفردية إلى النضالات الجماعية لما تتيحه من إمكانية تفاعل جماهيري أوسع. طبعا لا يمكن التقليل من أهمية النشاطات التضامنية مع أسرى الإضرابات الفردية، التي نظمتها مجموعات قليلة من نشطاء فصائل وبعض الناس ونشطاء أحزاب فلسطينية داخل الخط الأخضر، وكذلك الحراك الشبابي الذي خاض مواجهات جريئة مع قوات القمع الإسرائيلية في حيفا وعسقلان ويافا وغيرها. هذه المواجهات، فضلا عن دورها ودور كل النشاطات الأخرى في تعزيز صمود الأسرى المضربين، ساهمت في تعزيز روح الانتماء لدى هؤلاء الشباب، أبناء وبنات الجيل الذي يجدد التحدي، وفي تعميق روح العطاء والتحدي والتهيئة لمواجهة ما يمكن أن يأتي من نظام الأبرتهايد الكولونيالي في قادم الأيام.

'لكل معركة ضد نظام الاضطهاد أثر تراكمي في بلورة صفات إنسانية للفرد الواقع تحت الاستعمار، وفي إيقاظه من غفوة التكيف السلبي مع الواقع'

طبعا، لا يمكن لوم الناس وحدهم على عدم تفاعلهم الواسع مع المعارك السابقة، فالمسؤولية يتحملها من يدعي قيادة الشعب الفلسطيني، المسؤولية عن الامتناع عن اعتماد خطة مواجهة شعبية مع الاحتلال، وعن تحييد الناس عن المساهمة في دعم أسراهم، وفي إشراكهم في صياغة القرارات والسياسة التي تخص حياتهم ومشروعهم الوطني. جميعنا ينتظر من هذه القيادات أن تراجع التجربة السابقة، وأن تحدث نقلة شاملة في الذهنية الراهنة وفي النهج المعتمد حتى الآن من دون تحقيقه أي نتائج، سوى نتائج إطالة الاحتلال ومنحه الراحة والاطمئنان على مستقبله.

إن من شأن هذا الإضراب الجماعي الذي أطلق شرارته أسرى الحرية من أبناء وبنات شعبنا، أن يشكل لحظة فارقة في مسيرة نضالنا التحرري، وبالتحديد في العقد الأخير. هذا في حالة تضافر الجهود وتوفر الإرادة لجعل هذه المعركة معركة كل الناس. وهذا يحتاج أولا إلى لغة وطنية كفاحية حقيقية ونفس مختلف، أي نفس تحدي واستعداد للتحلل من الذهنية القديمة. لغة تصف المستعمر وتحدده كما هو، نظريا وواقعيا. لغة تعيد ترميم المصطلحات السياسية التي تم نزع السياسة عنها، ونزع مضمونها التحرري، وباتت لغة مفاوضات عبثية لا تقوم على شرط تغيير ميزان القوى، أو لغة نزاع على حدود دولة افتراضية، مع مستعمر كاد أن يذوت في نفوسنا نفس الاستجداء، وكأننا نشحذ منه قطعة أرض من ملكه الخاص.

إني أفهم إضراب أسرى الحرية، وأفهم مضمون رسالة الأسير المناضل مروان البرغوثي، على هذا النحو. رسالة فيها تمرد ورفض للواقع القائم والعقلية السائدة في الدوائر الرسمية، وفيها دعوة للتجديد وإعادة البناء، بناء المفاهيم والقيم، قيم التحرر وبناء الإنسان. وهي الرسالة المكملة لمقال سابق دعا فيها إلى استيلاد قيادة جديدة.

صحيح أن مطالب الأسرى المباشرة هي مطالب حياتية وإنسانية أساسية، ومن المفترض أن تكون متوفرة من دون اللجوء إلى سلاح الأمعاء، وما ينطوي عليها من معاناة كبيرة وأوجاع شديدة، ولكن أسرانا وبوعي كامل يخوضون معركة وطنيه كبيرة، إذ يعرفون أن إضرابهم يذكر العالم بخذلانه وبالتواطؤ مع المستعمر، ويعرفون أن هذه المعركة تجدد ذاكرة شعبنا، بأننا ما زلنا شعبا من دون حرية وتحرر، ومن دون وطن مستقل... وبأن هناك أبناء وبنات لنا داخل أسوار السجن يذوقون كل ألوان العذاب الجسدي والنفسي على مدار الساعة، وأنهم موجودون هناك، في الأسر، فقط من أجل حرية الجميع، من أجل حريتنا ومن أجل مستقبلنا في وطننا، فلسطين.

'أسرانا وبوعي كامل يخوضون معركة وطنيه كبيرة، إذ يعرفون أن إضرابهم يذكر العالم بخذلانه وبالتواطؤ مع المستعمر'

  ليست هذه المقالة عن إستراتيجيات النضال وكيفية تطويره، فهذه مسألة يجري متابعتها وبحثها والتداول فيها بين العديد من أبناء وبنات شعبنا، من خارج أسوار بنية أوسلو، ولا بد لها في نهاية المطاف أن تثمر عن رؤية جديده ومنهج جديد وأصيل، ولكنها ترمي في الأساس إلى تسليط الضوء على بعض الجوانب الأخلاقية لدورنا، ودور كل الناس في التفاعل مع هذه المعركة القاسية والهامة. وهذا الكلام موجه لنا جميعًا في كافة أماكن تجمعات شعبنا، في قرى ومدن الجليل والمثلث والنقب والساحل، وفي مدن وقرى ومخيمات الضفة والقطاع، وفي مخيمات اللجوء، وفي الشتات عموما. وأريد أن أخص أبناء شعبنا داخل مناطق ٤٨: إنها معركة وطنية وأخلاقية، وانخراطنا فيها لا يساعد الأسرى فحسب، بل يساعدنا نحن، يساعدنا في تقوية مشاع الانتماء، يساعدنا في لملمة نسيجنا الاجتماعي وفي الإدراك أن هناك قضايا كبرى فضلا عن الهموم الخاصة والعائلية، وهي هامة بالقدر نفسه، والتي تستنزف كل حياتنا دون أن ننتبه، ولا نترك وقتا للاهتمام بهموم غيرنا (الأسرى وغيرهم).

واجب علينا أن نكسر ولو قليلا حالة الروتين التي نعيشها، وحالة الغرق الكلي في همومنا الخاصة، والتي تقضم تمسكنا بقيم التضامن والتكافل مع بَعضُنَا، كمجتمع وكشعب يتعرض لمخططات تهدف إلى تفكيكها، ليس فقط إلى طوائف، والى أحزاب معتدلة ومتطرفة، بل إلى فرديتنا، أي جعل كل فرد مشغول بحاله. وهذا هو أخطر أشكال الأنانية لما لها من دور سلبي في إضعاف المجموع.

كل ما هو مطلوب، هو المشاركة في النشاطات الجماهيرية، مثل التظاهرات والمظاهرات والاعتصامات والاجتماعات الشعبية، وتمرير الرسائل الوطنية والاجتماعية والأخلاقية بصوره منهجيه داخل الأسرة، وداخل المدرسة، وفِي كل منبر ومؤسسة.

'إنها معركة وطنية وأخلاقية، وانخراطنا فيها لا يساعد الأسرى فحسب، بل يساعدنا نحن، يساعدنا في تقوية مشاع الانتماء، يساعدنا في لملمة نسيجنا الاجتماعي'

هكذا نطور معركة الأسرى من معركة مطالب إنسانية شرعيه ضرورية، إلى معركة وعي متجدد، معركة شعب يدرك أن الأفق يحمل مخاطر جمة... مخاطر تأجيل الحلول العادلة إلى سنين طويلة، قد يصبح فيها المشروع الاستعماري الاستيطاني أكثر تجذرا وعدوانية، وقد تنشأ خلالها مظاهر وعي أكثر تشوها، ومظاهر تشظ أكثر اتساعا.

وفي هذه الحالة العربية الكارثية، والحالة الفلسطينية المنقسمة والمشوهة، وانتشار الترهل السياسي والوطني والأخلاقي داخل دوائر صنع القرار الفلسطيني، تصبح استعادة الوعي التحرري الوطني ولملمة اللوحة الفلسطينية المتشظية وتهيئة الأجيال الفلسطينية وطلائعها الواعية، مهمة وجودية بكل معنى الكلمة. وفي رأيي، فإن للمواطن الفرد، في غياب الوحدة الرسمية، وترهل الفصائل، دور هام ومطلوب الآن بالذات أكثر من أي وقت مضى. وبات للنخب الوطنية والأكاديمية والشبابية، وللجان المقاومة الشعبية في الأرض المحتلة عام ١٩٦٧، وللجان الشعبية، ولجان أولياء الأمور، والمعلمون الوطنيون، والأسر الوطنية، ومديرو المدارس الوطنيون، ورجال الدين المسلمين والمسيحيين، داخل مناطق ٤٨، دور خاص في تحويل موضوع إضراب الأسرى إلى موضوع متداول، وأن يكون هذا الإضراب الوطني نافذة لرواية قصة هذا الشعب بكل مآسيه وكل بطولاته، وسعيه إلى الحرية، وشغفه بالحياة الحرة الكريمة.

هكذا نضاعف دور هذه المؤسسات الاجتماعية والتربوية في بناء الفلسطيني الفرد بناء سليما، يقوم على التوازن بين كونه فردا وكونه جزءا من مجموع، جزءا من شعب يريد التحرر.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018