وحيفا من هنا بدأت...

وحيفا من هنا بدأت...

سليمان أبو ارشيد

"صباح الأربعاء ، ٢١ نيسان، عام ١٩٤٨ كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئاً، رغم أنها كانت محكومة بتوتر غامض وفجأة جاء القصف من الشرق، ومضت قذائف المورتر تطير من تلال الكرمل العالية عبر وسط المدينة، حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا لتصب في الأحياء العربية، وانقلبت شوارع حيفا إلى فوضى، واكتسح الرعب المدينة التي أغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها".

هكذا وصف غسان كنفاني، في روايته "عائد إلى حيفا"، حال المدينة عشية سقوطها، وكيف صارت جميع الطرق تؤدي إلى البحر، و باتت "الأزقة المغلقة بالمتاريس أو بالرصاص أو بالجنود إنما تدفعه دون أن يحس، نحو اتجاه وحيد، وفي كل مرة كان يحاول العودة إلى وجهته الرئيسية، منتقياً أحد الأزقة، وكان يجد نفسه كأنما بقوة غير مرئية يرتد إلى طريق واحد، ذلك هو المتجه نحو الساحل"..

 بطل "عائد إلى حيفا" لم يكن يعرف أن الإنجليز قد قرروا تبكير انسحابهم من حيفا، بشكل مفاجئ وربما لغرض في نفس يعقوب، وأن قائد القوات البريطانية في المدينة قد أعلم يوم 21 نيسان الطرفين الفلسطيني والصهيوني بالإخلاء الفوري لقواتهم، من المدينة باستثناء الميناء وبعض الطرق المركزية الضرورية للجيش خلال الإخلاء المنظم في 15 أيار، الموعد المفترض للانسحاب، ولا عرف سر تزامن الهجوم الصهيوني مع الانسحاب البريطاني المفاجئ ، لكنه وسط الدوامة التي كانت تدفعه نحو البحر استطاع أن يميز "جنودا بريطانيين يسدون بعض المنافذ، ويفتحون منافذ أخرى قبل أن يجد نفسه في البلدة القديمة... وبدأ يشم رائحة البحر".

"لم يدر كم من الساعات أمضى وهو يركض في شوارعها، مرتدا عن شارع إلى شارع"، لكن كان "واضحا أنهم يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الأزقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماما، وكان إذ يحاول الاندفاع في إثرها ليتدبر أمر عودته إلى بيته، يزجرونه بعنف، وأحيانا بفوهات البنادق وأحيانا بحرابها".

 وفي ذروة الدراما، يصور كنفاني كيف "كانت السماء نارا تتدفق بأصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب، وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهم نحو الميناء". ويصف "كيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة، والناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه إلى الميناء، رجالا ونساء وأطفالا، يحملون أشياء صغيره أو لا يحملون، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح"، كما يقول.

الحلقة الأخيرة، والتي بدت مفقودة لدى كنفاني، في مسلسل تهجير أهل حيفا، يكملها المؤرخ الإسرائيلي تسادوك إيشل الذي كان عضوا في "الهاجاناه" حيث يورد في كتابه "معارك الهاجاناه في حيفا" الذي صدر عام 1978 عن وزارة الأمن الإسرائيلية، أنه في ساعات الصباح المبكرة من يوم 22 نيسان أعلم ماكس كوهين "قيادة الوحدة" أن العرب ينادون الناس إلى التجمع في ساحة السوق، بعد أن احتل اليهود شارع سنجتون ومواصلتهم النزول إلى البلدة التحتى، ومع تلقي الخبر، صدر امر لقائد كتيبة السلاح المساعد إيهود ألموج بتشغيل مدافع الهاون 3 انش، التي كانت منصوبة بجانب مستشفى روتشيلد، وقصف ساحة السوق التي غصت بالناس.

يقول إيشل، إنه عندما بدأ القصف وسقطت القذائف دب هلع كبير بين الناس، واندفعوا إلى داخل الميناء، واخترقوا رجال الشرطة، وبدأوا يصعدون إلى المراكب، والهرب من المدينة، مشيرا إلى  مواصلة مدافع الهاون قصفها للمدينة على التوالي، فيما تحول الهلع الذي دب في صفوف " العدو" إلى انهيار.

بعد أيام سيكتب في يومياته دافيد بن غوريون، الذي قام بجولة في أحياء حيفا العربية المتروكة، "المشهد كئيب ورائع، حيفا مدينة ميتة جثة بدون روح، خلا القطط والكلاب الضالة"، عشرات الجثث لمواطنين عرب بقيت أيضا في الشوارع المهجورة. أفراد الهلال الأحمر الذين قاموا بجمعها قدروا عددها بـ 150 جثة، وبعد ثلاثة أيام قللوا العدد، وقالوا إن 80 عربيا سقطوا في المعارك، وجرح بضع مئات، ستة من القتلى فقط كانوا مقاتلين في حين كانت الغالبية هي جثث نساء وأطفال.

حيفا هي نموذج للتهجير غير المباشر الذي نفذ تحت وابل القنابل والمدافع، كما يعترف مؤرخوهم وقادتهم، إلى جانب العديد من حالات التهجير المباشر كما حدث في اللد والرملة. هكذا قامت إسرائيل على أنقاض ودماء ودموع شعب هو شعبنا العربي الفلسطيني ولا يمكن أن يكون يوم استقلالهم إلا يوم نكبتنا.

النكبة اكتملت باحتلال  ما تبقى من فلسطين عام 1967، الذي يخصص احتفال إيقاد الشعلة هذه السنة لمرور 50 عاما على وقوعه، و"توحيد القدس" تحت الهيمنة الإسرائيلية، ولهذا السبب جرى اختيار موقديها ممن يعيشون فيها و"يساهمون في تطويرها".

و"إيقاد الشعلة هو الطقس الرسمي الذي يقفل أحداث يوم ذكرى قتلى "حروب إسرائيل" و"العمليات العدائية" ويفتتح احتفالات يوم الاستقلال، وهو يقام في ساحة هرتسل المقبور فيها صاحب نبوءة الدولة اليهودية والمسماة على اسمه، ويشارك به وزراء وأعضاء كنيست وقائد أركان الجيش وعائلات قتلى الجيش الإسرائيلي ومعاقيه، ويجري خلاله إيقاد 12 شعلة بعدد أسباط إسرائيل".

يبدأ الطقس بـضرب "زامور" حداد وقراءة نص "يتذكر شعب إسرائيل قتلى معارك إسرائيل" ونص من التوراة، ثم يرفع علم إسرائيل الذي كان منكسا بسبب "يوم الذكرى"، ثم يلقي رئيس الكنيست وهو الخطيب الوحيد كلمته، ليبدأ إيقاد الشعل واحدة تلو الأخرى من قبل من تم اختيارهم لهذا الغرض، حيث يقول كل منهم أنا فلان من البلدة الفلانية ابن فلان وفلانة أتشرف بإيقاد شعلة استقلال إسرائيل الـ... وينهي بـمقولة، لـ"رفعة دولة إسرائيل".

ومن السذاجة أن يدعي مواطن عربي، حتى لو كان راعيا وليس بروفيسور، أن هذا الاحتفال ليس له علاقة بالسياسة، وأن إيقاد الشعلة هو بمثابة تكريم له من قبل دولة إسرائيل على خدماته الإنسانية، فتكريم الأطباء لا يتم في طقس شبه عسكري يكرم فيه قتلى حروب إسرائيل ومعاقي جيشها، ويقام في ساحة قبر المبشر بقيامها ثيودورهرتسل، ويخصص هذه السنة لاستكمال احتلالها وتوحيد القدس تحت هيمنتها.

نقول ذلك لأن جيلنا لم يقرأ هذا التاريخ في الكتب فقط، بل شاهدناه بمسحة الحزن التي لم يمحها الزمن من جبين آبائنا، كما سمعناه حكايات ممزوجة بألم ودموع أمهاتنا ولمسناه في عذاباتهم ومعاناتهم اليومية تحت الحكم العسكري، وكذلك تذوقناه مرارة وحسرة شربها جيل كامل، وزرعها ثورة وغضبا في نفوس الجيل القادم.

لا نستطيع أن نلتمس لك الأعذار، على المشاركة في إيقاد الشعلة، أيها الجراح الكبير بعد أن جرحتنا جميعا، فكيف نصمك بالجهل وأنت العالم؟ أو نصفك بالغباء وأنت البروفيسور؟ لن نقول لك سوى يا حيف يا دكتور!