أسرى بين الواقع والافتراض

أسرى بين الواقع والافتراض

دعاء حوش

يقبع في سجون الاحتلال ما يقارب 7000 من الأسرى الفلسطينيين السياسيّين، في ظلمة لا تنقشع، ضمن 'الزمن الموازي'، كما يصفه الأسير وليد دقّة، ولو أنني أحاول أن أخرج دومًا من دوامة الأرقام وبؤسها التي تسيطر على حياتي، ربما بفعل المهنة، فإن التأمّل بحالة أسرٍ واحدةٍ كفيل بأن يصبح هذا الواقع، واقعها، مؤلمًا حدًا تكون فيه قضية شعبٍ بأكمله.

يعيشون، بفعل القوّة النفسيّة والإرادة، تلك التي بتنا نفتقر لها نحن، خارج الأسوار، بفعل فائض المادّة ومقومّات العيش، فبهتت مساحات الأمل والتأمّل، ولا شيء غير ألوان المساحة ذاتها يصعدون بها نحو إشراقة شمس تطلّ عليهم من شرفة صفقة أو تفاوض أو مجرّد انقضاء الوقت لا أكثر.

وفائض المادّة هذا ينمو حدّ 'تكنلجة' الأحاسيس والرغبات، ويتماشى مع ضمنيّة، بل تسخيف، قيمة الحريّة بمفهومها الفيزيائي، فتتّسع فجوة المفاهيم وفارق اللغة بيننا ويفسّر عدم التجاوب الأزلي مع معارك الأسرى اليوميّة، والتحرّك فقط عند نقطة التقاء المفاهيم، كالجوع والتعذيب والمرض والموت.

بل نرى أن مهمّة جسر هوّة المفاهيم كان يأتي دائمًا من داخل السجن إلى خارجه، فرسائل الأسرى مثلًا كانت دومًا تعتمد لغتنا نحن وتحاول شرح الواقع الأليم ضمن الحياة التي نعيشها أو يتخيّلون أننا نعيشها خارج الأسوار، أما مقالاتنا ورسائلنا فلا تخرج أبدًا من نقطة الالتقاء تلك ولا تترفّع عن رغبة التحرّير التي، رغم عظمتها، تصبح أيضًا حالة ماديّة وعدديّة مرهونة بالوضع القائم وإخراجه من حيّز ضيّق الى حيّز رحب حتى لو استمرت حالة السجن معنويًا.

شيبٌ في الأسر

فهل اختبرنا مثلًا شعور والدة أسير رأت بعض الشيب ينمو على رأس ابنها لأول مرة في زيارتها الأخيرة له؟

إن هذه الإشارة وحدها من إحدى الأمهات أمامي أعادتني إلى تجربة الولادة، فكيف لشخص أن يتأمل كل ما فيك بهذه الدقّة إن لم يكن قد أنجبك للتو؟ إن لم يكن قد حمل بك أو حلم بك تسعة أشهر قبلها؟ فلا عجب إذًا أن يصبح الانفصال بعد هذه الزيارة أقسى ما تعرفه البشرية!

تعيدني هذه الصورة إلى فيزيائية الحريّة التي لا نفهمها: ألا تتمنى الأم أن تُسجن ليوم واحد مع ابنها؟ ألا يحصل أن ترتهن حريتها وحرية عائلة كاملة لحرية فرد واحد من قضبان السجون؟

هكذا إذًا يصبح السجن حالة بمعزل عن جغرافيّة السجن كمكان وهكذا يصبح الزمن مجهول غير معرّف في معادلة الأسر.

أستنتج أن الحريّة لا تتضمن التحرّر حتمًا، إن الأخير يعني اللقاء المستديم وغير المشروط، وهو التقاء الشعب كله عند مستوى واحد من الوعي دون حتميّة الاختبار، وهو معركة يوميّة مفتوحة على التأمّل في حالة الأسر وهو مواجهة قبل جوع الأسرى وعند جوع الأسرى وبعده.