البرغوثي بين مانديلا وبوبي ساندز

البرغوثي بين مانديلا وبوبي ساندز

سليمان أبو إرشيد

بعد أيام، في الخامس من أيار القادم، تحل الذكرى الـ26 لاستشهاد المناضل بوبي ساندز، أحد قادة الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي قضى خلال إضراب عن الطعام خاضه أسرى إيرلنديين للمطالبة بالمعاملة كأسرى حرب وسجناء سياسيين.

ساندز (27 عاما) الذي استشهد في اليوم الـ66 لإضرابه عن الطعام، كان الأول من بين عشرة أسرى من الجيش الجمهوري الإيرلندي استشهدوا تباعا خلال الإضراب التاريخي الذي خاضه أسرى الجيش الجمهوري عام 1981، واستمر سبعة أشهر.

الإضراب الذي هز العالم لم يهز ضمير وموقف رئيسة الوزراء البريطانية حينها، مارغريت تاتشر، التي رفضت الاعتراف بحق ساندز ورفاقه في "التمتع" بصفة أسرى الحرب والسجناء السياسيين، وذلك على الرغم من ترشحه للبرلمان وهو في السجن وفوزه بعضويته عن دائرة فيرمانا وجنوب تيرون قبل استشهاده.

هي ملحمة أخرى من ملاحم التضحية والبطولة التي يسطرها عشاق الحرية في كل بقاع الظلم في العالم والتي تحتل فلسطين أبرزها، حيث كتب شعبنا الفلسطيني وحركته الأسيرة أسطورة الصمود والكرامة بدماء أبنائه الأسرى الشهداء أمثال راسم حلاوة وعلي الجعفري ومحمود فريتح وحسين عبيدات وغيرهم.

 ومن جنوب أفريقيا إلى إيرلندا الشمالية إلى فلسطين، ومن نلسون مانديلا إلى بوبي ساندز إلى مروان البرغوثي، خاض الأسرى وقادتهم معارك الشرف، بأمعائهم الخاوية، فمنهم من انتصر ومنهم من استشهد ومنهم من ينتظر النصر أو الشهادة، ومن يعتقد أن التحول إلى مانديلا فلسطين ممكن دون المجازفة بالقضاء على طريقة بوبي ساندز هو مخطئ، فالخيار واضح إما النصر وإما الشهادة كما في كل المعارك الفاصلة.

لا بد أن يكون ذلك ردا على العزف الإسرائيلي على وتر إعلان البرغوثي وقيادته للإضراب خدمة لمصالحه الشخصية في توطيد مكانته كوريث لعباس، والذي يستهدف ضرب مصداقية الإضراب ومصداقية قائده عبر الاصطياد بالمياه الفلسطينية العكرة وانقساماتها المقيتة.

 فالبرغوثي يعتبر قيادة قوية وحكيمة ستقود هذا الإضراب إلى النجاح ليس بسبب التقاء مصلحة الأسرى مع مصلحته، بل لالتقائهما أيضًا مع مصلحة الشعب والحركة الوطنية الفلسطينية التي عانت طويلا من غياب قائد حقيقي يسير بها إلى بر الأمان.

ويظهر من نص إعلان الإضراب الذي أصدره البرغوثي إدراكه لطبيعة المعركة، ومداها الزمني الطويل، ويبدو ذلك في إشارته إلى بدء أخذ المقويات بعد اليوم الخامس عشر، ما يعني تواصل الإضراب خلال شهر رمضان، وينفي فرضية وقفه عشية زيارة عباس لواشنطن بكل ما يعنيه ذلك من تأجيج للشارع الفلسطيني، ودفع الأوضاع في الضفة الغربية باتجاه مواجهة شاملة مع الاحتلال.

إضراب طويل بما قد يُولّده من ردود فعل شعبية ورأي عام عربي وإسلامي – عالمي، سيربك، كما يقول المفكر الفلسطيني منير شفيق، توجهات إدارة ترامب الداعية إلى عقد مؤتمر عربي – فلسطيني – صهيوني – أميركي، باتجاه تحقيق "الصفقة التاريخية"، كما أنه سيساهم في اعتراض المخطط الذي يعمل له محمود عباس في تجويع قطاع غزة وحسم المعركة ضد أنفاق المقاومة وأسلحتها، على حد تعبير شفيق.

ويرى شفيق أن الإضراب من شأنه أن يكون امتلاكا لزمام المبادرة في مواجهة مخططات وإستراتيجيات ترامب، في الموضوع الفلسطيني والعربي – الإسلامي عموما، وإرباكا واعتراضا لتوجهات ترامب – نتنياهو  في مرحلة الصراع الراهنة التي يريد ترامب أن يكون المبادر فيها والواضع لتوجهاتها العامة، وهو يدعو، في هذا السياق، إلى التعامل مع إضراب الأسرى، باعتباره معركة كبرى في طريق الانتفاضة الشاملة في القدس والضفة الغربية، وتركيز كل الجهود من أجل تأمين أوسع دعم شعبي فلسطيني وعربي وإسلامي وعالمي له.

من جهتنا، وإن كنا نرى أن هذا التوجه ينطوي على الكثير من التفاؤل، فإنه إذا ما سلمنا بوجود طموحات شخصية تتقاطع مع المطالب العامة للأسرى وتعززها، فإن الاقتراب من تحقيق تلك الطموحات يتطلب تغيير قواعد اللعبة التي كانت سائدة حتى الآن مع إسرائيل، الأمر الذي يستدعي تحريك الشارع الفلسطيني والخروج من حالة المفاوضات العبثية وعقم المسيرة السلمية.