أمي في ذكرى النكبة

أمي في ذكرى النكبة

سهيل كيوان

كانت والدتي الفتاة ثم المرأة الفلسطينية العفوية التي طردت من بيتها وتجرعت مرارة النكبة حتى الثمالة، عاشتها بحذافيرها على جلدها وعلى جلود أبناء أسرتها الأولى التي تمزقت في كل جهات الأرض، فمنهم من صار لاجئا في وطنه في الجليل وغزة ومنهم من لجأ في مخيمات لبنان وسورية، ثم في صحارى الخليج والسعودية، ثم أميركا والغرب.

فتاة فقدت بيتها وكل ما يحويه البيت من معنى معنوي ومادي، عادت لتبني كل شيء من جديد في بلد لجوئها في الوطن، حيث لجأت هي ووالداها وشقيقة وشقيق في مجد الكروم حيث تزوجت ولكنها لم تنس بلدها ولا للحظة.

في يوم النكبة أتذكرها، رحمها الله، وقصصها الكثيرة التي كانت أهم مصدر لكتابتي، سواء كانت من معاناتها الشخصية وتجربة أسرتها أو مما نقلته من أحداث عرفَتها، أمي طردت من بيتها في شعب وهي في السادسة عشرة، حملت من بيتها مرآتها ووضعتها على رأسها ومضت في رحلة اللجوء، هذا ما فكرت أن تأخذه معها الفتاة المراهقة يوم طردها، ولكن ما سمي حارس أملاك الغائبين استكثر المرآة عليها، استكثر أن تأخذ معها شيئًا يذكرها ببيتها، فهذه أيضًا صارت من حقوق الدولة الوليدة.

خرجت الأسرة في طريق جبلي باتجاه مجد الكروم، وفي منطقة اسمها الديسة، شمال شرق شعب، لمعت المرآة على رأسها، فلحق بها أحد الخيالة من العرب الذين خدموا سلطات الاحتلال على حصانه كي يسطو على مرآتها ويأخذها عن رأسها ويعيدها إلى جانب الأثاث المنهوب من بيوت أهالي القرية والمعروض على البيادر.

كانت كلما رأت رجلا أو امرأة من أهالي قرية شعب من اللاجئين في مجد الكروم تقول لي هذا خالك فلان، أو هذه خالتك فلانة، حتى ظننت أن لي عشرات الأخوال والخالات، والمهم أن كل هؤلاء كانوا يبادلونها الاحترام والتسميات نفسها فيقولون هذا ابن بنتنا أو هذا ابن بنت عمي رشيد أو ابن بنت سيدي رشيد.

كانت تذرف دموعها وهي تخيط اللحف أو الفراش، وكذلك عندما تنقي العدس أو غيره، فأسألها ما الذي يبكيها فترد بأنها تذكرت شقيقها في غزة أو شقيقتيها في لبنان، أو أنها تفكر بما حدث لها ولأسرتها، فأسألها بسذاجة وهل هذا سبب للبكاء! فتقول: كيف يشعر من كان يملك بيتا وله مواسم زيتون وبطيخ، ثم يُحرم من هذا كله!

 ولكن أحيانا كان يتحول حزنها إلى فرح، فتوزع الملبس أو(الطوفي) وذلك لأنها سمعت سلامًا من أحد أبناء أسرتها في المذياع، كانوا يتناقلون بشرى السلام الذي وصل عبر الأثير فيهنئون بعضهم البعض في الحارات ويطلبون الحلاوة.

أذكر في طفولتي كان عرس لأحد أقربائها في قرية شعب، كانت هي وخالتي وأنا وأخوتي وأولاد خالتي برفقتهما، وصلنا أمام بيت في وسط قرية شعب أمامه شجرة تين، توقفت هناك وقالت: يا أولاد هذه دار سيدكم، فهجمنا على تينة دار سيدي وتسلقنا فروعها كي نأكل عنها، وحينئذ خرج إلينا أولاد من ساكني البيت غاضبين وطردونا عن التينة، رحنا نرميهم بالحجارة وهم يفعلون مثلنا حتى تدخل الكبار وفضوا النزاع.

بعد سنين كثيرة عرفت قصة الذين سكنوا في بيت جدي رشيد حسن حسين، إنهم عرب مثلنا هُجروا أيضًا من بيوتهم من قريتي أكراد البقارة والغنامة من سهل الحولة. هجرتهم السلطات في ليلة ليلاء ونقلتهم في ثلاث عشرة حافلة وأسكنت معظمهم في قرية شعب مكان السكان الأصليين، مثلهم مثل أهالي ميعار والدامون الذين أسكنتهم الحكومة كذلك في بيوت أهالي شعب.

عاد خالي، رحمه الله، من مجد الكروم إلى شعب في مطلع السبعينيات بعدما اشترى قسيمة بناء من السلطات في القرية مثله مثل كثيرين من أهالي شعب الذين كانوا يملكون مئات الدونمات من السهل والجبل والتي أقيم على جزء منها مستوطنة "ياعاد" وضم بعضها كيبوتس "يسعور" وغيره من المستوطنات القريبة.

لم تصادر البيوت فقط، بل صودر الزيتون والصبر والتين كذلك، كل زيتون شعب صودر، ومن خبث السلطات أنها منذ سنين تضمن هذا الزيتون لسكان شعب الحاليين، لاجئين وأصليين، الذين عادوا إليها بعد شراء قسائم بناء، ولكن لا تضمن الزيتون نفسه لأصحابه، بل تضمن لكل واحد أشجار غيره، كي تقطع كل صلة بين أهل البلدة وزيتون آبائهم وأجدادهم، في واحدة من المهازل التي لا شبيه لها في التاريخ، وممكن أن نشتم أن هذا الضمان مؤقت، فهي أموال غائبين وحاضرين غائبين في وطنهم وحتى في بيوتهم وبين أشجارهم، ولهذا من غير المستبعد أن يأتي يوم تقرر فيه هذه السلطات فعل أي شيء يحلو لها بزيتون شعب، كما فعلت بزيتون البروة مثلا، فتحرم أهل شعب حتى من رائحته ومشاهدته.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018