طنجرة الضغط...

طنجرة الضغط...

سهيل كيوان

كأننا في طنجرة ضغط كبيرة، في قرانا ومدننا، معظمنا لا يشعر كيف يتسلل إلى أرواحنا وأجسادنا، فقد أصبح من نسيج حياتنا، نعم يجب أن نعترف، نحن في طنجرة ضغط عملاقة تصهرنا في داخلها، وفجأة يحدث انفجار هنا أو هناك على شكل جريمة إطلاق رصاص أو حادثة طرق مؤلمة أو شجار فجائي وعرقلة لحركة السير وشتائم ونظرات غاضبة.     

خرجنا من طنجرة الضغط، كلمات نسمعها من أولئك الذين يسعفهم الحظ ويسافرون إلى خارج البلاد لأسبوع أو لأسبوعين للنقاهة والراحة، الجميع يرددون الكلمات نفسها 'عندما أصل المطار وأدخل السوق الحرة أتنفس الصعداء، أشعر بأنني أصبحت خارج البلاد، وعندما تقلع الطائرة أشعر بالراحة كلما ابتعدت فوق الغيوم'. صحيح أن البعض يتوتر أثناء ركوب الطائرة ولكنه موعود بالهبوط بعد سويعات ونسيان هذا التوتر ثم الراحة والاسترخاء.

في بلاد الغرباء، ينخفض التوتر فورًا بعد استلام غرفة الفندق، تمر ساعات ثم يوم وليلة ويوم آخر ويتلاشى التوتر، وتقول لنفسك يجب أن أسافر كل بضعة أشهر، خصوصًا في الفترة التي تكون الأسعار فيها مخفّضة،هذه مبالغ تصرفها وأنت جالس في البيت. وسرعان ما تقترب العطلة من نهايتها، وتبدأ بالانقباض من جديد، الجميع يردد الكلمات نفسها: 'ما أن أهبط في مطار اللد حتى يعود التوتر، نعود للمجاقرات والمناكدات، تعود تلك النظرات الجافة المتحدية إلى العيون، يعود ذلك الإحساس بالغربة في الوطن، يعود ذلك الشعور بأنك غير مرغوب فيك في وطنك. ذلك الإحساس المريع الذي يشعرك أن بلادًا بعيدة عنك ساعات سفر في الطائرة لا تفهم لغة أهلها وتخاطبهم بالإشارة أو بلغة أجنبية مكسّرة، أو ببضع كلمات عربية يعرفها أحدهم، تحتضنك بابتسامة ومحبة بينما يستقبلك وطنك بكشرة جافة قاسية كأنه يقول لك لماذا عُدت! أنت في المكان الخطأ، ولكنك تتحدى وتقول هنا باقون على صدروكم باقون.

الوطن جميل بأهله، فحيث الناس طيبون تجد وطنك، ولكن فلنكن صريحين، فمشكلتنا ليست فقط مع السلطات التي تعاملنا كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، مشكلتنا أننا نتعامل مع أنفسنا ومع بعضنا كمواطنين درجة سادسة وسابعة.

تجلس لتحتسي القهوة أمام بيتك وما زلت في أجواء العطلة التي امتصت كثيرًا من توتر روحك، وفجأة يأتي هدير تراكتورون كأنه هدير طائرة نفاثة، يقشعر بدنك وتبدأ  بالتوتر ولكنك تقول لنفسك 'يلا كلها ثواني ويمضي'، يبتعد وتسمع هديره يتلاشى حتى يغيب، ولا تمر سوى دقيقتين حتى يعود التراكتورون نفسه وهذه المرّة بهدير أقوى وأكبر، ويبدو أن سائقه يجد متعة كلما كان أكثر إزعاجًا، تنظر إليه من بعيد وهو يرفع مقدمة التراكتورون ثم يضرب به الإسفلت ثم يصدر هديرًا مثيرًا للغثيان، وإذا كان في البيت طفل نائم قد يستيقظ  مذعورًا، تقول لنفسك إنهم شبابنا وأولادنا الذين يفعلون هذا، تتساءل ما الذي يجده سائق التراكتورون بهذا الضجيج! قيادة التراكتورون أو الجرار الصغير أو 'الجُرَيْجر' هواية لدى البعض ولا اعتراض على ذلك، ولكن لماذا يكون هذا الهدير داخل قرانا وشوارعنا وأمام بيوتنا وفي ساعات ما بعد العمل التي يفترض أنها ساعات راحة للناس بعد يوم عمل شاق وكذلك وخصوصًا في أيام الجمعة والسبت والعُطل!

للتراكتورونات أمكنة خاصة بها في ممرات جبلية أو في السهول أو على شاطئ بحر غير مأهول، شرط عدم الذهاب والإياب  وإثارة الضجيج والغبار بجانب أناس أتوا ليستريحوا في أحضان الطبيعة.

لا شك أن هذا التذمر موجود لدى الكثيرين، حتى لدى ذوي هؤلاء الشبان أنفسهم الذين لا يستطيعون فعل شيء مع أبنائهم سوى النصح، بعدما فقدوا سيطرتهم عليهم بل وهم في كثير من الأحيان من اقتنوا هذه الجرارات لأبنائهم.

على الشاب الذي يقود الجرار أن يجد المعادلة الصحيحة بين متعته الشخصية وراحة الآخرين، ليس من العدل ولا من الذوق أن تمر عشرات المرات أمام بيوت الناس بصخب وتحول جلساتهم العائلية إلى حالة من التوتر وتحرمهم من الهدوء النسبي، يكفي الناس ضجيج السيارات العادية وأدوات العمل والمناداة بمكبرات الصوت فلماذا نضيف لهذا ضجيج الجرارات.

ألا يفكر هؤلاء الشبان بغيرهم، ألا يعلم هؤلاء مدى قلق ذويهم عليهم خشية أن يسقطوا ضحايا لهذه الآلات الخطيرة، وقد وقع منهم بالفعل وفقدوا حياتهم.

لا نستطيع حرمان الشبان من هواياتهم ولكن يجب ممارستها بعقلانية وعدم استفزاز أحد، هناك مسارات في  خاصة لهذه الهواية، فهي لم تصنع أصلا للعب عليها  داخل التجمعات السكنية، وأنا أسأل كل شاب عربي: هل تستطيع قيادة هذا الجرار بهذا الضجيج في مدينة يهودية أو مختلطة مثل حيفا أو كرمئيل! طبعا لا فهناك ستكون في قبضة الشرطة خلال دقائق وتسجّل لك مخالفة! فلماذا هذه المراجل على أبناء بلدك! من جهة نقول أننا لا نريد دخول الشرطة إلى قرانا لأنها تنتقم وتسجل المخالفات على الطالع والنازل، ومن جهة أخرى لا نحترم بيئتنا ونزعج الآخرين ولا نحترم مشاعرهم.

التوتر الذي تسببه هذه الآلات كبير جدًا، أكتب هذا والجرار يمر الآن ثم يعود بعد دقائق، عددت له حتى الآن أكثر من عشر غارات، وبصراحة صرت أحدث نفسي بالخروج إلى الشارع وانتظار السائق الذي لا أعرفه  للحديث معه لعله يرعوي.

أيها السائقون لهذه الآليات ارحموا الناس من ضجيجها وغبارها واذهبوا إلى السهول وحاذروا فهي خطيرة فلا تفجعوا ذويكم بتصرفاتكم الخرقاء، استمتعوا بأعماركم ولكن بعقلانية، لا تكونوا جزءا من طنجرة الضغط التي يعيش فيها أهلكم، بل كونوا معهم ومصدر راحة لهم وليس عبئا ومصدر إزعاج لهم.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018