ثورات تُذبح وثروات تُنهب...

ثورات تُذبح وثروات تُنهب...

سهيل كيوان

أمعنت الأنظمة العربية والإسلامية بوصف كل تحرك ضدها مهما كان سلميًا بأنه إرهاب أو داعم له، فإن لم يكن إرهابيًا أرغمته على أن يكون كذلك من خلال دس عناصر التخريب والذبح لإقناع العالم بأنهم يواجهون إرهابًا وليس ثورات.

أول المقتنعين بكلامهم عن الإرهاب هو الرئيس ترامب، ولهذا فهو يريد معاقبة وابتزاز الجميع، الشيعة والسنة، فمن تدعمه إيران في العراق وسورية واليمن ولبنان هو إرهابي، كما قال ترامب، وكذلك من تقاتلهم إيران في العراق وسورية هم إرهابيون، وهذا ينطبق على السعودية وحلفائها العرب فمن تحاربهم إرهابيون ومن تدعمهم إرهابيون. والمحصلة لم يبق خارج تهمة الإرهاب إلا ذلك الذي يسلم بالأصابع العشرين لإملاءات أميركا ومن ورائها إسرائيل بغض النظر عن موقعه الطائفي أو موقعه من الحكم، فإيران خطيرة يجب مواجهتها الفورية والسعودية خطيرة مستقبلا بالنسبة لإسرائيل لأنها تتسلح بأسلحة حديثة، حماس إرهابية لأنها تقول بوجود وحق المقاومة المسلحة وكذلك عباس الذي يطالب بدولتين للشعبين ولا يريد الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، الجميع أعداء، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن يجب التخلص منهم بالدور وحسب تكتيكات تخدم نجاعة العمل.

السعودية تدفع المليارات الآن ثمن مساهمتها في تشكيل داعش الذي وُجد أصلا لذبح الثورة العربية ومنع تمددها، أما إيران فتدفع ثمن ذبحها للثورة السورية وتخريبها في اليمن والعراق لأجل توسيع نفوذها وهذا ما لا تقبله إسرائيل ولا أميركا ولا الدول العربية التي تشعر بالتهديد الإيراني يطرق أبوابها، فهي داعمة للإرهاب في كل الحالات، سواء دعمت الأسد بذبح شعبه أو دعمت الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال أو حزب الله لتثبيت نفوذها في لبنان. الآن هي الواقفة بالدور على المهداف، أضيفت إليها ولحزب الله حركة حماس السُنّية لأنها ما زالت تتحدث عن وجود خيار عسكري في مواجهة الاحتلال وليس الخيار التفاوضي فقط.   

الأمور واضحة، فتركيز خطابات ترامب كلها في جولته هذه هو على محاربة الإرهاب وبإهمال غير مسبوق للقضية الفلسطينية التي تنتظر حلا منذ سبعين عاما والتي جبت وما زالت تجبي الضحايا من الجانبين، وهي المرشحة الدائمة لمواجهات مستقبلية تجبي المزيد من الضحايا.

هذا يعني أن محاربة الإرهاب تجري بصورة انتقائية، لأنها تتجاوز احتلالا توسعيًا استيطانيًا حوّل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

انضمام الأنظمة العربية والإسلامية وممثليها كلها في ترديد نغمة محاربة الإرهاب وتجاهل القضية الفلسطينية، يُعرّي النوايا الحقيقية لهذه الحملة الجديدة، ترامب يسعى إلى تفتيت وضمان استمرار تعلق مصير الأنظمة العربية بأميركا خوفا من التهديد الإيراني من جهة ومن الثورات الداخلية من جهة أخرى، وإسرائيل تسعى لتخليد الاحتلال وإقامة الحلم الصهيوني من البحر إلى النهر، والأنظمة تسعى لتلفيق تهمة الإرهاب لكل من يتحرك ضدها.

الصراع السني- الشيعي مفتعل، لا أساس له، إنه صراع مصالح، صحيح أن لإيران طموحات توسعية في المنطقة العربية بعد سيطرتها في العراق وتغلغلها في حياة السوريين واليمن ولبنان واصطفافها مع النظام السوري ضد ثورة الشعب السوري بحجة حماية المقدسات الشيعية، وتستغل وجود جاليات شيعية في بعض دول الجوار وتحرضها على الأنظمة بينما هي نفسها تحتل المركز الأول عالميًا في شنق المعارضين وخصوصًا من عرب الأهواز الذين تضطهدهم وتحرمهم من حقوقهم كأقلية قومية.

هذا لا يعني أن الصراع سني- شيعي، فحكام السِّنة أول من قمع الثورات في مصر وليبيا وانقلبوا عليها، وكثير من حكام السّنة يساندون الأسد في قمع شعبه، سرًا وعلنًا، وهناك من خرّب على الثورة السورية متعمدًا وحرفها عن مسارها الأول وحوّل بعضها إلى عصابات من خلال دس المجرمين والمخابرات إلى صفوفها لذبحها كي يضمن عدم تمددها إلى بقية دول المنطقة ووصولها إليه.

الجميع صار يصرخ بأنه يحارب الإرهاب بمن في ذلك إيران والأسد وحزب الله والسعودية والأردن ومصر والحوثيين وأنصار هادي وبنيامين، هكذا أسهم الجميع بشيطنة كل معارض وذبحه أو سجنه، والآن عليهم أن يدفعوا الثمن للمعلم الكبير ترامب، لحمايتهم من بعضهم البعض.

داعش والنصرة وحماس حركات سُنّية ومدعومة من أهل السنة، بينما الجهاد الإسلامي سُنية، ولكنها مدعومة من إيران، إذن لماذا يسمون الصراع على أنه شيعي- سني؟!

الحقيقة، أنهم تحت شعار وشماعة محاربة الإرهاب سيحاربون كل معارض للأنظمة، وبهذا يلتقون مع الاحتلال الإسرائيلي مباشرة أو غير مباشرة، هذا هو الحلف المزمع قيامه الآن، يقوم على جناحين، جناح يدمغ مقاومة الاحتلال بالإرهاب وجناح يدمغ كل مقاوم للاستبداد بالإرهاب، وبين هذا وذاك تتضارب المصالح.

لقد قال ترامب خلال خطابه أمام ممثلي الدول العربية "لا للثورات" أي أنه يضمن للأنظمة الحالية بقاءها والوقوف إلى جانبها، سواء في مواجهة تحركات داخلية ضدها أو خارجية كالتدخل الإيراني، كذلك فهو يضمن للاحتلال الوقوف ضد مقاومته ودمغها بالإرهاب.

نذكّر أنصار إيران أن أميركا هي التي أوصلتها وجماعتها للسيطرة على بغداد، وبالتواطؤ أوصلتها للسيطرة مع روسيا على دمشق. الآن تريد واشنطن استعادة بغداد على الأقل والحفاظ على حلفائها وثرواتهم.

الآن، تمت صفقة ترامب العظمى، وأنجز ما وعد به شعب أميركا من أموال وفرص عمل، ولم يعد مهمًا من هو الإرهابي سواء كان شيعيًا أم سنيًا، ولا يهم من الذي يقتل من، فالمهم أن العرب والمسلمين ماضون في تقسيم وتفتيت ومحاربة بعضهم البعض، وثوراتهم تُذبح وثرواتهم تُنهب وإسرائيل واحتلالها وأميركا ومصالحها بألف خير. 

اقرأ/ي أيضًا | طنجرة الضغط...

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018