وهم الرهان على اليسار الإسرائيلي

وهم الرهان على اليسار الإسرائيلي

د. إمطانس شحادة*

أخطأت الأحزاب العربيّة في الداخل الفلسطينيّ، بداية تسعينيات القرن المنصرم، حين دعمت مشروع أوسلو والمفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرّير الفلسطينيّة دون أي اشتراط أو دراسة نقدية عميقة لمشروع الاتفاق المقترح.

لقد اقتصر النقد الذي حذّر من مسار أوسلو، على بعض الاجتهادات التي جاءت بمعظمها من خارج الأحزاب الفاعلة في حينه، بل إن دعم ومباركة الأحزاب العربيّة كانت بمثابة قبول فوري لأي اقتراح يأتي به ما يسمى اليسار الإسرائيلي وتقبل به السلطة الفلسطينيّة، حتى وإن انتقص من دور الأخيرة وحقّ شعبها التاريخيّ، ممّا جعل مشروع أوسلو أقرب إلى المساومة منه إلى الاتفاق، وحوّل موقف السلطة إلى موافقة على مضض.

على ما يبدو، فإن الحالة العالميّة آنذاك، انهيار المعسكر الشيوعي وتفكّك الاتحاد السوفييتي، وحالة العالم العربي، احتلال الكويت وحرب الخليج الأولى وتبعاته على منظمّة التحرير الفلسطينيّة بسبب موقفها من هذا الاحتلال الذي أدّى فيما بعد لمعاقبتها من قبل دول الخليج ثم طرد الفلسطينيّين والخسارة الاقتصادية الكبيرة، وتعثّر الانتفاضة الأولى، وفرّت شرعية للموقف الداعي للتصرّف 'العقلاني' و'الواقعي' ودعم قبول منظمة التحرير بمسار أوسلو، مع العلم أن إسرائيل أوضحت حينها أن هذا المسار لن يقود إلى نشوء دولة فلسطينيّة. لقد وضعت إسرائيل حدود واضحة للسيادة الفلسطينيّة المرجوّة من اتفاق أوسلو على لسان رئيس الحكومة يتسحاك رابين، حين نصّ اللّاءات الإسرائيليّة في خطابه الأخير في الكنيست (1995)، بأن: لا عودة لحدود الرابع من حزيران 67؛ لا لتقسيم القدس؛ لا عودة للاجئين؛ استمرار السيطرة الإسرائيليّة على غور الأردن؛ لا دولة فلسطينية ذات سيادة، بل وصرّح ان أقصى ما يمكن أن يحظى به الفلسطينيون هو حكم ذاتي.

للأسف، وبعد مرور قرابة عقدين ونيف على اتفاقية أوسلو، لم تجرِ منظمّة التحرير الفلسطينيّة، ولا الأحزاب العربية في الداخل - التي باركت الاتفاق- مراجعة نقدية لمواقفها ولا دراسة لفهم المآلات التي وصل إليها المشروع الوطني الفلسطيني، ولا لتأثير موقفها على مكانة العرب في الداخل فيما بعد، والأهم من ذلك لم تجرِ مراجعة لقراءتنا لليسار الصهيوني وتعاملنا معه، فمنذ أوسلو وحتى الآن، ثابرت الأحزاب العربية التي دعمت أوسلو، إلى عدم انتقاد، في أقل توصيف، أي مشروع تفاوضي تعرضه إسرائيل وتقبل به منظمة التحرير الفلسطينيّة.

نسأل الآن، بعد مرور قرابة 70 عامًا على إقامة دولة إسرائيل، وما بتنا نعرفه عن المشروع الصهيوني وما تعلمناه من تجربة التفاوض معه، بل وما قدمه أكاديميون فلسطينيون من دراسات نقديّة عن المشروع الصهيوني، خاصة كونه مشروعا استعماريا استيطانيا، هل ما زلنا نراهن على اليسار الصهيوني لتغيير الواقع السياسيّ للفلسطينيين في الداخل ولحل قضيّة الاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67؟ ويطفو السؤال الأهم، هل يمكن ليسار صهيوني، يشكّل جزءًا من مشروع استعماري، أن يطرح حلًا يتجاوب مع الحقوق الفلسطينيّة الطبيعيّة؟ وهل ندعم ونقف إلى جانب اليسار الصهيوني وفقًا للسقف السياسي الذي يطرحه هو؟ خاصة أننا نعي اليوم أن اليسار الصهيوني لا يطرح مشروعًا مغايرًا بجوهره عن مشروع اليمين الصهيوني، إنما قد يختلف إلى حد ما مع مشروع اليمين الاستيطانيّ الديني. فما تبقّى من مشروع سياسي لدى اليسار الصهيوني يتبنى لاءات رابين التي أعاد بلورتها إيهود باراك في مفاوضات كامب ديفيد 2000، وما زال يدعم تعريف إسرائيل كدولة 'يهودية ديموقراطية' بل أنه دعم في السنوات الأخيرة العديد من القوانين العنصرية التي اقترحها اليمين في الكنيست.

في هذا الواقع نرى أن بعض الأحزاب والقيادات العربيّة، تقع مرة أخرى في مطب المراهنة على اليسار الصهيوني والسعي إلى التحالف معه، وتعود بنا إلى مرحلة تسعينيات القرن المنصرم، وكأننا لم نتعلم أو نذوّت أي شيء من تلك التجربة، ودومًا بحجة البرغماتية ومحاولة التأثير على المجتمع الإسرائيلي. صحيح أن حالة العالم العربي والإقليمي والمحلي ليست بأفضل مما كانت عليه في بداية التسعينيات، وصحيح أن هناك حاجة للتأثير على المجتمع الإسرائيلي، لكن بالتأكيد ليس دون توضيح لمسوغات هذا التأثير، وبالتأكيد دون القبول بأن يضعنا تحت سقف السياسة الإسرائيليّة لئلا يعيدنا إلى نفس الأخطاء.

فعلى سبيل المثال، قام النائب أيمن عودة بعقد مؤتمر صحافي، الأسبوع المنصرم، بمشاركة زعيمة حزب ميرتس زهافا غلئون، ووزير الأوقاف الفلسطيني محمود الهباش، بعنوان 'مدينة واحدة عاصمتان' بمناسبة ذكرى مرور خمسين عامًا على احتلال القدس الشرقية، والدعوة من خلاله إلى التوصل إلى 'معاهدة سلام لإنهاء الاحتلال على أساس حدود العام 67'. واستعمال تعبير 'على أساس' هنا، يدل عادة على الاستعداد لإجراء تعديلات على الحدود وفقا لما يتفق عليه الجانبان، 'لتكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية والاعتراف بالقدس الغربية عاصمة لدولة إسرائيل'، وهذا يتناقض والاجماع الدولي، الذي يرفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

هذا المؤتمر، وفقا لنص الدعوة باللغة العبرية، يقبل عمليا، بترسيم حدود المدينة من جديد وليس وفق حدود 67، كما هو موقف المشتركة وكما هو موقف الجبهة نفسها، وهو لم يتطرق إلى الأحياء الاستيطانية في القدس وإلى تهويد القدس الشرقية.

وكان عودة قد شارك أيضًا في مظاهرة لقوى 'اليسار الإسرائيلي'، نهاية الأسبوع المنصرم، في تل أبيب، بعنوان 'دولتان أمل واحد'، في استمرار للترويج لفكرة 'المعسكر الديمقراطي' الخلافية أصلًا، ولمسعى لإقناع اليسار الإسرائيلي بإمكانية الاستفادة من التعاون مع المواطنين العرب في إسرائيل وبناء شراكات لتغيير الواقع السياسي، أي لاستبدال الحكومة الحالية. بينما كان من المتوقع أن يكون العكس، أي أن يعمل اليسار الإسرائيلي على اقناع المجتمع العربي أنه تغير وأنه لا يتعامل معنا كأعداء وأنه تنازل عن مطلب 'يهودية' الدولة وأنه يعتذر عن سياساته وجرائمه التاريخية تجاه سكان البلاد وأنه تراجع عن لاءات براك، وأنه لا يطلب إقامة دولة فلسطينية فقط للحفاظ على أغلبية يهودية في إسرائيل، وأنه يقبل بالقرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية. ناهيك عن أن المشاركة تحت سقف اليسار الصهيوني تعكس اعتقادًا ساذجًا أن إنهاء الاحتلال يخلّص العرب في الداخل من العنصرية والتمييز والاستعلاء الإسرائيلي، ويوفر فرصة للمساواة مع السكان اليهود دون أي حاجة للنضال لتغيير طابع دولة إسرائيل. وفعلا قد يكون إنهاء الاحتلال شرطا ضروريا لتغيير مكانة العرب في الداخل لكنه بالتأكيد شرط غير كاف.

هذه المواقف والتصرفات مستغربة تحديدًا في ظل إقامة القائمة المشتركة. فالمتوقّع أن تعزّز القائمة المشتركة من مكانة وموقف الأحزاب العربية في الداخل في نضالها أمام المؤسسة وأمام المشاريع السياسية المطروحة إسرائيليًا، خاصةً أمام 'اليسار الصهيوني'، وأن تكون فرصة لطرح مشروع سياسي وطني تتفّق عليه الأحزاب والتيارات السياسية العربية ويُعرض على المجتمع الإسرائيلي كمطلب فلسطيني جماعي. بينما يترك المؤتمر الصحفي والمشاركة في التظاهرة انطباعًا غير صحيح، أو على الأقل غير مقبول على كافة مركبات القائمة المشتركة خاصة التجمّع، بأن العرب في الداخل يقبلون بالسقف السياسي التي تفرضه أحزاب اليسار الصهيوني، ويعفيها - أي القائمة المشتركة - من تطوير مشروع سياسي جماعي وتعزيز العمل الموّحد وتجنيد المجتمع العربي حولها.

إن قبول سقف اليسار الإسرائيلي يعيدنا إلى وهم التسعينيات الذي فتّت القضية الفلسطينية ونقلها من قضية احتلال وتحرر وطني إلى قضية مفاوضات على حدود وصلاحيات السلطة وإدارة الحياة اليومية للفلسطينيين بتمويل دولي، ودفع الفلسطينيين في الداخل للاهتمام بالقضايا المدنية المعيشية على هامش المجتمع الإسرائيلي وعزلها عن المطالب القومية الجماعية. التوقعات من القائمة المشتركة هي أن تحمي وتتمسك بالمطالب القومية الجماعية للفلسطينيين في الداخل وتمنع السير مجددا في درب وهم اليسار الصهيوني، لذلك يجب على جميع الأطراف الحفاظ على هذا الانجاز والتشبث به، والالتزام بإطار برنامج عمل القائمة المشتركة وتطويره بما يخدم المصلحة والحقوق الجماعية للفلسطينيين، المدنية والقومية في الداخل وتحصيل الحق الفلسطيني.


* أمين عام حزب التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018