معرفة وإدراك سياسات حكومات إسرائيل أمور أساسية

معرفة وإدراك سياسات حكومات إسرائيل أمور أساسية

د. مسعود إغبارية

سببان حتّما كتابة هذه السطور: أولا، حضرت جلسة مجموعة "قضايا التربية والتعليم " خلال مؤتمر "الطاقات البشرية العربية تنظيم وتفعيل قدرات مجتمعنا" الذي بادرت إليه لجنة المبادرة العليا للجماهير العربية في البلاد، بالتعاون مع بلدية الطيبة في أيار/ مايو 2017 في مدينة الطيبة، وشهدت تشخيصات لما نعاني منه في مجال التربية والتعليم تتكرر منذ عقود.

بعد أن قدمت مداخلة قصيرة تأكد لي أن هناك هوة في معلومات المستمعين حول حقيقة سياسات إسرائيل تجاه المواطنين العرب وربما طريقة تفكير البعض في مواجهة التحديات الضخمة التي تواجه فلسطينيي الداخل، والتي ازدادت تفاقما في السنوات الأخيرة، وفي هذا المجال علينا أن نتقدم، وبخطوات ثابتة.

 السبب الثاني كان تصريحات عنصرية أدلى بها نائب رئيس الكنيست من حزب البيت اليهودي، بتسلئيل سموطريتش، طالب فيها بتنفيذ سياسات تطهير عرقية ضد الفلسطينيين وصفها عالم سياسي في إسرائيل بأنها تصريحات نازية تُذّكر بما حدث في ألمانيا في سنوات العشرين وسنوات الثلاثين حين سيطر هتلر على ألمانيا ونفذ سياسات تطهير عرقي ضد فئات اجتماعية وكثير من الشعوب وبلغ حجم مجمل ضحايا سياساته حوالي 53 مليون شخص.

في مداخلتي أمام المؤتمر المذكور أعلاه حددت ما يلي: أولًا، من أجل أن نفهم ما يدور بيننا وحولنا، ربما كنت متأثرا جدا ممن تحدثوا قبلي في نفس الجلسة، علينا أن نعي جيدا سياسات حكومات إسرائيل منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 حتى اليوم. ثانيًا، علينا الاعتماد على أنفسنا أكثر في مواجهة التحديات على مختلف المستويات. وثالثًا، من أجل اجتياز المشاكل الكبيرة التي نعاني منها في مجال التربية والتعليم، وتحديدا في التعليم العالي، كما حدده د. قصي حاج يحيى في مداخلته، علينا العمل بشكل جدي على إقامة جامعة عربية في الناصرة لتكون مركزا لمعالجة مختلف التحديات التي نعاني منها وتحديدا ستكون حلا لتعليم آلاف الطلبة الذين يسافرون بعيدا من أجل الحصول على دراسة أكاديمية وحل لمشاكل أكثر من 2500 من حملة شهادات الدكتوراة من فلسطينيي الداخل الذين لا يجدون عملا ملائما لتخصصاتهم المهنية، أو يجبرون على الهجرة إلى خارج الوطن.

والجامعة الصحيحة المرتكزة على أسس علمية وبعيدة عن الأهواء والمنافع الشخصية أو الفئوية أو الحزبية لن تكون إلا مجمع نور وشعل من خلالها نتطور ونسير في سبل علمية ببث حي في حياة مجتمعنا.

إقامة جامعة عربية في الناصرة هو مشروع الجماهير العربية الأول والأخير، لم يعد قرارا مهنيا كما يدعي البعض، وإقامة جامعة مستوطنة "أريئيل" ربما يكون أكبر مثال على صحة ما نقول، فقد أقيمت رغم توصيات رافضة من قبل مجلس التعليم العالي.

نعم، هو قرار سياسي بالأساس ويجب على لجنة المتابعة العربية التحلي بالجرأة واتخاذه والعمل الجاد من أجل تنفيذه وحالا. كثير من الأكاديميين مستعدون لبذل الغالي من أجل إنجاز هذا المشروع.

ومن بين ما طالبه سموطريتش كان أن على اسرائيل أن تقوم في البداية بطرد الفلسطينيين من وطنهم وديارهم، ومن ثم وضع من تبقى منهم في مكان متدني ومهمش ليشعروا أنهم مواطنون محتقرون، وفي حال اعترضوا، وأمر طبيعي أن يقاوم الإنسان الظلم والتغطرس والإجرام، ترسل الأوامر للجيش الإسرائيلي أن يقوم بواجبه.

ومن بين الواجبات التي عليه تنفيذها، أعمال قتل وإجرام ولو تم قتل عائلات فلسطينية كاملة، أي تنفيذ تطهير عرقي، مقتبسا مقولات من توراتهم وتلمودهم وما قاله الرمبام وربما غيرهم من العنصرين مثل مؤلفي كتاب "توراة الملك"، الراب يتسحاق شابيرا والراب يوسف أليتسور، وبدعم من أحبار كثيرين من بينهم يتسحاق غينزبورغ، الذين يسمحون بقتل غير اليهود.

سياسات وممارسات متشابهة ومستمرة

مطالب سموطريتش خطيرة ليس فقط لأنها قيلت في بيئة إسرائيلية مساندة وداعمة ولكن لأنها جاءت من قبل عضو كنيست يمثل حزبا يعتبر على لسان رئيسه، نفتالي بينيت، "حزب المركز" في إسرائيل، ولأنها بمثابة مطالب تيارات متزايدة في المجتمع الإسرائيلي يسيطر مندوبوها على حكومة بنيامين نتنياهو الرابعة وسلطات أخرى مثل الجهاز القضائي بنفسه.

 على سبيل المثال، في كانون الأول/ ديسمبر 2015، رفضت المحكمة العليا" الإسرائيلية دعوى تطالب بإدانة مؤلفي كتاب "توراة الملك" الذي يحرض على قتل العرب وغير اليهود، وقالت إن الموضوع يدخل في إطار حرية الرأي ويرى به أمرا غير ممنوع.  

في حقيقة الأمر، سياسات إسرائيل تجاه المواطنين العرب لا تختلف جوهريا منذ قيام إسرائيل عام 1948 حتى اليوم، وإن اختلف الطرح والأسلوب والوسائل. ولم أجد فيما قاله سموطريتش أمرا غريبا أو شاذا.

ومن جملة السياسات المتشابهة، صرح بن غوريون الذي كان زعيم تنظيم الهاغانا ورئيس حزب  مباي الذي حكم بأشكال مختلفة إسرائيل حتى عام 1977، وأبرز مؤسسي دولة إسرائيل،  في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، قبل عدة أسابيع من إصدار قرار التقسيم (181)، الذي قامت به الجمعية العامة للأمم المتحدة تحقيقا لمصالح دول استعمارية كبرى في العالم وبالرشوة، أن إقامة دولة يهودية في فلسطين يتطلب اتباع سياسة تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، وحين نترجم هذه الأقوال بلغة متداولة هذا يعنى إما ترحيلهم أو قتلهم، ومن سيبقى منهم، أضاف بن غوريون، سوف يشكل طابورا خامسا، أي عدوا، بالنسبة لليهود.

وفي خمسينات القرن الماضي، بحب ما كشف الباحث الإسرائيلي يائير بويمل، حاول حكام إسرائيل التخلص من المواطنين العرب عن طريق تشريدهم. وتم تشكيل لجنة برئاسة يتسحاق نافون الذي شغل منصب المدير العام لمكتب رئيس الوزراء بن غوريون في حينه ووصل بعد سنوات ليكون رئيس دولة إسرائيل، لترتيب طرد المواطنين العرب.

بعد فشل التهجير الجماعي، الذي وصل قمة حين قامت قوات إسرائيلية بتنفيذ مجزرة كفر قاسم في تشرين الأول/ أكتوبر 1956 والعالم مشغول بحرب السويس التي بدأت في نفس اليوم، من أجل تهجير أهلها، بدأ التركيز في الأوساط الرسمية الإسرائيلية ومن خلال مؤسساتها المختلفة على "هندسة" الإنسان الفلسطيني في الداخل، وتم تحديد أن الأمر سيتم في مجال التربية والتعليم من خلال التحكم والسيطرة على ثلاث مواضيع هامة في بناء الإنسان: الدين، اللغة العربية والتاريخ. وما نراه اليوم، كراهية للدين بين صفوف طلابنا، وضعف كبير في اللغة العربية، واغتراب من كتب التاريخ ربما نتاج مباشر لهذه السياسة.

مثال آخر على هذه السياسات، في منتصف سنوات السبعين تم نشر وثيقة أشارت إلى ضرورة التمييز العنصري ضد المواطنين العرب والعمل على تطهيرهم العرقي من البلاد عرفت بـ"وثيقة كيننغ"، التي كتبها يسرائيل كيننغ، متصرف لواء الشمال في وزارة الداخلية الإسرائيلية، حيث يسكن أغلب الفلسطينيين في الداخل، ونائبه تسفي ألدروتي، من حزب العمل الذي كان الحزب الحاكم في إسرائيل في تلك الأيام.

حين كُشفت الوثيقة رفض رئيس حكومة إسرائيل في حينه، إسحاق رابين، انتقادها، وفي المقابل رفع من مكانة ألدروتي داخل صفوف حزب العمل، ما يشير إلى أن رابين كان داعما لهذه الوثيقة بدعمه هذا الشخص.

 فيما يلي عدة نقاط احتوتها هذه الوثيقة التي شملت على خطة شاملة مبيته للسيطرة على الأرض العربية ومضايقة السكان العرب من أجل تفريغ البلاد منهم والتحكم المطبق بمن سيبقى، وتم اعتبارها أول وثيقة رسمية تحدد طبيعة العلاقات بين دولة إسرائيل تجاه مواطنيها العرب:    

  • يجب تكثيف الاستيطان اليهودي في المناطق التي يسكنها العرب.
  • يجب رفع التنسيق بين الجهات الحكومية والهستدروت والسلطات المحلية فيما يتعلق بحياة السكان العرب.
  • يجب إيجاد إجماع قومي يهودي داخل الأحزاب الصهيونية تجاه المواطنين العرب.  
  • يجب انتهاج سياسية العصا والجزرة حيال المواطنين العرب.
  • يجب إعادة النظر بالتأمين الوطني كي لا يدفع للعائلات العربية كثيرة الأولاد. (قام نتنياهو بتطبيق هذا البند في النصف الثاني من سنوات التسعين حين كان رئيس حكومة. وعندما انخفض عدد المواليد العرب اعتبره إنجازا هاما له.)
  • يجب التضييق الاقتصادي على العائلة العربية عبر ملاحقتها بالضرائب وإعطاء الأولوية لليهود في فرص العمل. وتحديد نسبة العاملين العرب في المشاريع الإسرائيلية بحيث لا تتجاوز 20% من أجل منع نهوض العمال العرب وتجنب تأثيرهم السلبي على الإنتاج وفروع الاقتصاد.
  • يجب تخفيض نسبة العرب في التحصيل العلمي.
  • يجب تسهيل هجرة الشباب والطلاب العرب إلى خارج البلاد وخلق عوائق كثيرة في طريق عودتهم.
  • يجب زيادة عدد قوات الأمن والشرطة لردع "الأوساط المتطرفة" بين العرب و"الجالسين على الجدار" منهم الذين قد ينجرون إلى أعمال التمرد والمظاهرات.

في الختام، حين نناقش قضايانا على مختلف المستويات، كما حدث خلال مؤتمر "الطاقات البشرية العربية تنظيم وتفعيل قدرات مجتمعنا" ولمنظميه ومن عمل على إنجاحه الشكر والتقدير والمحبة، ندرك جيدا أن ما طالب به عضو الكنيست سموطريتش ليس جديدا على الساحة السياسية الإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بعلاقة الدولة مع المواطنين العرب. من قبله لم يتحدث الكثير من زعماء المشروع الصهيوني وعلى رأسهم بن غوريون فحسب وإنما مارسوه على ساحة الواقع، وما زال يتم تطبيقه من قبل المؤسسة الإسرائيلية بأشكال مختلفة.

هذا يدفعنا إلى أن نزيد من فهم ما يدور حولنا ووضع الخطط العلمية السليمة لمواجهة هذه السياسات. إن وعي وإدراك السياسات والممارسات الإسرائيلية تجاهنا وتجاه أبناء شعبنا الفلسطيني بشكل عام يدفعنا أكثر للتفتيش والالتصاق بهويتنا الجماعية ومصلحتنا المشتركة ويزيد توجهنا نحو العمل الجماعي وفي النهاية يجعلنا أكثر استعدادًا لمواجهة الظلم الذي نتعرض له منذ إقامة دولة إسرائيل عام 1948.

هذه السيرورة تجبرنا على الاعتماد على أنفسنا حيث يملك كل واحد منا ونحن جميعا طاقات هائلة كامنة. هذا لا يعفي السلطات من القيام بمسؤولياتها القانونية تجاه المواطنين العرب فالمواطن العربي في البلاد يدفع ضرائب ربما أكثر من المواطن اليهودي لأننا لا نحصل على الدعم المادي الرسمي الذين يحصل عليه اليهود بسخاء.  

إقامة الجامعة ستكون بمثابة العامل الأول لحل كثير من الصعوبات التي نواجهها في حياتنا اليومية منذ حوالي سبع قرون. بالعلم ننير طريقنا لتحمل مسؤولياتنا الخاصة والعامة وما أكثرها وما اكبرها، بالعلم تسموا الأمم.