"المسرح الإيراني" و"المسرح الداعشي" والتفجيرات الطائفية

"المسرح الإيراني" و"المسرح الداعشي" والتفجيرات الطائفية

عبد الحكيم مفيد

انشغل العالم في العقدين والنصف الأخيرين بالسؤال الأكثر حضورا في الإعلام، سيتم توجيه ضربة عسكرية لإيران؟ وظل هذا السؤال 'ملتهبا' من على الشاشات، وفي كل مرة وبدون استثناء كان المحللون يرجحون أن هذه المرة جدية للغاية، وأن الضربة مسألة وقت، هكذا كان يعود أصحاب الاختصاص 'من واشنطن' على ذات الكلام الذي يؤكدون خلاله كيف أن إيران لن تفلت هذه المرة من الضربة، وكم باتت تشكل 'خطرا على السلام العالمي'.

ومن الأمور المضحكة التي كانت ترفع 'الجدية' إلى حالة تتخيل أن القصف سيبدأ في الحال، هي تلك التوصيفات 'الدقيقة' عن وحول توقيت الضربة وتفاصيلها العسكرية.

المهم في القصة أن 'المسرح الإيراني'، عاد مؤخرا  لتقديم العروض، لكن الأهم هي تلك السذاجة التي تميز 'الجدية' التي يبديها البعض في انتظار 'الضربة العسكرية' من جديد، والمصيبة تكمن في 'هندسة الوعي' من جديد، على ذات 'موجات البث'، دون الأخذ بعين الاعتبار كم الأكاذيب والتضليل الذي تم ترويجه على امتداد العقدين الأخيرين، وبالذات منذ احتلال العراق عام 2003، أكاذيب الشأن الإيراني.

'حتى ينتهي العدوان'

ولم تكن العراق الوطن، بأحسن حال في لوائح التضليل، ولكن هذه المرة عكس 'المسرح الإيراني'، كان التضليل مدهشا إلى حد أن طالب العرب الرئيس العراقي، المرحوم صدام حسين، في حينه بالاستقالة من منصبه، حتى ينتهي العدوان.

كانت قناعات الناس وصلت مدى من التصديق لدعاية مليئة بالأكاذيب والتضليل والفبركة، بحيث لم يعد من الممكن إقناع أحد، أو إثارة شبهة، مجرد شبهة، حول الرواية العالمية الرسمية ومفادها أن العراق يملك سلاحا غير تقليدي، كيماوي بالأساس، ينوي من خلاله إبادة العالم، كل ما بقي بحوزتنا للتاريخ.

أبيدت العراق شبرا شبرا، وما زالت حتى هذه اللحظة بذات الدواعي من العام 2003 وما قبله، أعدم الرئيس العراقي صدام حسين صبيحة عيد الأضحى، قسّمت العراق، وتبين أن العراق لم تملك ولا حتى كيماويات للزراعة، وفوق كل هذا جاء الرئيس الأميركي، جورج بوش الابن، ليلقنا درسا قبل أن يتلقى حذاء من منتصر الزيدي في بغداد، قال ببساطة متناهية: 'لقد اعتمدنا معلومات استخبارية كاذبة، لكن الحرب كانت عادلة'.

أليس من المدهش أن نقف أمام ذات الرواية والجريمة اليوم؟ فقط الأدوات تتغير، ولماذا علينا الآن بالذات أن نصدق ما قيل ويقال عن 'رواية داعش'؟ وكيف تحولت داعش إلى الشيء الوحيد على وجه الأرض الذي تتفق عليه الدول والكيانات؟ فأصبح تباعا المرادف الوحيد لـ'الإرهاب'، ولماذا يظهر تنظيم القاعدة ويختفي مع أن المفروض أن يكون قد تحول إلى 'أثر بعد عين'، انطلاقا من ذات الرواية الإعلامية؟

هذه الأسئلة لا تريد أكثر من التفكير بعمق أكبر بشأن ما يدور حول داعش والداعشية بالعموم.

لماذا يتم الكذب علينا في كل مرة، ولكننا نعود لنقبل من ذات الرواة الكذب من جديد؟

من الصعب، واعذرونا، أن نتجاوز داعش كـ'رواية إعلامية' بدون العودة إلى احتلال العراق والضربة 'العسكرية لإيران'، تفجير الأبراج واحتلال أفغانستان، هذه أحداث عرفناها من الإعلام، تعرفنا على تفاصيلها ومفرداتها من الشاشة، وفي كل مرة قبلنا الرواية كما رويت لنا، لنكتشف التلفيق والفبركة والتضليل والكذب بعد حين، فلماذا الآن بالذات نردد رواية داعش بالضبط كما يروجها الإعلام؟

هذا السؤال مهم لأنه يؤسس لما كنت أسميته بـ'القطيع الألكتروني'، الذي وصلت ذروة التحكم به إلى مدى غير مسبوق في عصر الداعشية، كم هائل من الجمل والكلمات، والمقاطع 'المؤثرة' والفبركات الإعلامية المنتجة بإتقان، تعيد هندسة 'وعي المعرفة'، بشكل لا يتيح لـ'الوعي' قبول أي شكل من إثارة التساؤلات والشك.

فقط للتذكير

أبيدت العراق برواية روجها أولا الإعلام بشأن الأسلحة غير التقليدية، صدقناها لنكتشف متأخرا الحقيقة.

تم احتلال أفغانستان في رقم قياسي بعد تفجير الأبراج في 11 أيلول، وتم توليف ملف لـ'تنظيم القاعدة'، وللتذكير فقط، حتى الآن لم يصدر تقرير أميركي رسمي حول الأحداث، فيما صارت الرواية الأخرى، حول قيام جهات أميركية رسمية بالتفجيرات لتوفير مبررات لاحتلال أفغانستان والعراق فيما بعد، صارت هذه الرواية الأقوى، مدججة بمئات الكتب والأفلام والشهادات وآلاف المقالات، بإمكان كل واحد أن يراجع ما ورد حول 'مؤامرة 11 أيلول'، كل هذه المواد تقريبا كتبت بلغات غير العربية، الإنجليزية تحديدا.

صدقنا رواية تفجير الأبراج، احتلت أفغانستان التي ما زالت تدفع ثمنا باهظا، المدهش للغاية، أن الحرب أعلنت في حينه على تنظيم القاعدة الذي وقف على رأسه الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، وكان هدف الحرب المعلن محاربة تنظيم القاعدة الذي 'تواجد' في حينه في أفغانستان، ثم تبين أن 'لا مكان محدد له'، ولا 'زمان محدد لإنهاء وجوده' كما قال في حينه الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، 'اختفت القاعدة' وظهرت داعش، لكن الحرب على أفغانستان ما زالت مستمرة حتى اليوم، منذ 17 عاما، مثل الحرب على العراق.

روج الإعلام أكاذيبه مرة أخرى وصدقناه، بشأن إيران والحرب على إيران والسلاح النووي، بهدوء تم إغلاق الملف عبر اتفاقية مع الغرب، وليس هذا فحسب، ليس أن إيران لم تكن عدوة للغرب، بل كانت شريكة وما زالت معه ومع أنظمة السنة في تفكيك وتدمير العالمين العربي والإسلامي، فهل يريد منا البعض أن نصدق 'المسرح الإيراني' الجديد؟

هذه الأسئلة مهمة لفهم الحالة الداعشية، فهي أولا 'رواية إعلامية'، يستعمل معها ذات الأدوات، فلماذا نقبل الرواية الإعلامية اليوم بشأن داعش، ما هي احتمالات الكذب والتلفيق والتضخيم؟ خاصة وأننا نملك تجربة كبيرة في الموضوع، لماذا لا نسأل ولا نفحص ولو من باب حب الاستطلاع؟ لماذا لا نثير ولو تساؤلا واحدا؟

وهذا كله لا يمنعنا من الوقوف مع ما تحدثه الداعشية على أرض الواقع، تفجير الكنائس مثلا.

 في تفجير الطائفية

الداعشية كما تظهر، دون الخوض في تفصيلاتها المختفية، هي حالة 'نفي مطلق'، لا تعترف أساسا بغيرها، من يبرر تفجيرات الكنائس في مصر على أساس 'قتال الكفار'، سيجد نفسه 'كافرا' في النسق الداعشي، من المهم طبعا أن لا نتجاوز تفجيرات الكنائس كأداة تستعملها الداعشية لاستقطاب جمهور 'المؤمنين'، أي المسلمين، لكننا سنكتشف أنها تبيح دماء المسلمين وقتلهم، بأبشع الصور، لأنهم لا يعملون بما 'أنزل الله'، ولأنهم 'يوالون الكفر والكفار'، وبالنسبة لهم لا فرق بين قتل معاذ الكساسبة المسلم من الأردن، وتفجير الكنائس في مصر، لأن 'فقه التكفير' لا يميز في الواقع بين رواد الكنيسة ورواد المسجد، بكون كلاهما لا يدينان للداعشية بحقها المطلق  في التصرف بحياة الآخرين.

في رفض تفجير الكنائس هناك مسألة يجب الالتفات إليها جيدا تغيب عادة من المشهد. تعمل الداعشية بكل ما أوتيت من قوة لوضع نفسها حاملة لواء 'الجهاد'، وتخلق الانطباعات الكافية لدى الجمهور أنها في حرب ضروس مع 'الكفر'، الذي غزا بلاد المسلمين، لكن ما تلبث أن تكشر عن أنيباها لنكتشف أنها تحارب المسلمين بضراوة لا تقل عن حربها لغيرهم، وتفجرهم ببشاعة تماثل تلك التي تمارسها ضد غيرهم، ويتبين أن كل من غيرها هو 'كافر'، يمارس الكفر بالشكل الذي 'يحب'.

تفجير الكنائس يجب أن يكون مرفوضا انطلاقا من فهم إسلامي لا يتأتئ، ولا يجامل، ولا يتردد للحظة في رفض كل أشكال 'التحايل' و'فبركات النصوص' والإرهاب بكل أشكاله، ليس هذا فحسب، بل إن هناك ما هو  متجاوز لمسألة الرفض المبدئي، الداعشية تطرح التحدي الأهم على المسلمين، وهي إن كانت 'سهلة' في تصنيفات الكفر لدى غير المسلمين، فإنها في الحقيقة لا تبقي مسلما (إذا استثنينا أنصارها؟؟)، خارج دائرة الشك، التي تدخله في العادة إلى دائرة 'الكفر' لمجرد أنه يخوض في نقاش مسألة مثل الديموقراطية، مثلا.

الداعشية تحب المناطق التي لا تحتاج إلى تفكير، المناطق التي تبدو بها الصورة واضحة، المقسمة بحسب نظم 'عرقية' أو 'طائفية' و'مذهبية' كذلك، هذه هي الأرضية الخصبة التي تنمو وتترعرع بها، بالضبط من هذه الزاوية تبدو خطورتها قاتلة، فهي لا تقبل ولا تحتمل  الخوض في التفاصيل، لكنها تملأ النصوص بالمتفجرات العقلية قبل المواد المتفجرة، بحيث يصبح من الصعب معها النقاش، فهي ذاهبة للموت سلفا، ونصوصها ذاهبة للـ'انتحار' و'الموت الاستعراضي' الذي لا يبقي للحياة أي فرصة، وهي لا تعترف سلفا، بأي معنى لـ'حياة الغير'، لأنها لا تعترف بالحياة لنفسها، خليط من الجنون والهوس الذي أنتج بعناية فائقة في مختبرات حولت كل معنى إنساني إلى 'نص متفجر'.

بدون الخوض في الاختراقات

هذا الكلام نقوله متجاوزين الاحتمالات الأخرى الواردة بشأن داعش، تنظيم مخترق تحركه جهات أجنبية، تنظيم مخابراتي، تنظيم مرتزقة، هذه الاحتمالات الواردة، لا تعفينا بتاتا من الوقوف مع الظاهرة، لأنها شئنا أم أبينا، لا محالة، ستحسب على المسلمين آخر اليوم، وهي شئنا أم أبينا، ستصل صدى تفجيراتها النصية إلى المسلمين، ولهذا السبب يصبح تحديها ضرورة.

لا نريد أن نتنكر لحقيقة أن 'الداعشية' صارت تشكل عبئا على المسلمين، والإسلاميين بشكل أخص، هؤلاء دائما مطالبون بتفسير ما يحدث، تحت طائلة الضغط، والإلحاح الإعلامي، تجد هناك من ينزلق إلى أمكنة أخرى، الدفاع عن النفس، بل ويقع في ذات الخطأ الداعشي، تكييف النصوص لإثبات أنه ليس 'كما يعتقدون'، ولن ننكر في واقع الحال أن الحقول المليئة بالألغام تتطلب عدم السير فوق أي لغم، والمسألة الطائفية، شئنا أم أبينا حاضرة بقوة،  كما في تفجير الكنائس والاعتداء على المسيحيين بكونهم مسيحيين، ولا يمكن الإفلات من كماشة تكاد تفكك بعض مفاصلنا، لأنها حاضرة، ولأن موادها من النوع الذي ينفجر بسرعة، وليس أسهل من تجنيد أطرافها، فكيف إذا كانت الشبكة تتيح لكل واحد قول ما يريد؟

إحدى الوظائف الهامة الملقاة على عاتق الداعشية هي إعادة ترتيب الصراع من جديد، بلبلة الناس، وتحويل الأنظار عن الحقيقة، 'استحداث' أساليب 'جهادية' لا تخطر على بال الشيطان، زرع الكراهية، تدمير الأفكار الجميلة في وعي الناس، زرع الأحباط والتيئيس، نزع الثقة، كل هذا لتحقيق هدف إستراتيجي واحد، تحويل الإسلام إلى 'مشروع إرهابي'، لن يفيد معه بعد ذلك أي تفسير من أي نوع، لا الاستنكار ولا الرفض، لأن صوت الداعشية أعلى من كل الأصوات، لأنه الحاضر على الشاشة، الأقوى، الأكثر تكرارا، ولأنه من غير الممكن، بل من شبه المستحيل، ذكر داعش دون أن يحضر الإسلام، ولأنه لن يكون من الممكن الفصل بين الاثنين على المدى البعيد.

الصعوبة المترتبة

نحن نفهم للغاية الصعوبة المترتبة على مواجهة الداعشية (وليس داعش فقط)، لأن هذا سيكون على حساب مواجهات أخرى، ولأن من شأن الانشغال بها التقليل من شأن الإرهاب الآخر، بل وتحويله إلى ضحية.

مع كل ما يترتب على مثل هذه الحالة، فإننا لن نتنازل عن موقفنا الأخلاقي  والمبدئي، من الداعشية، فهذا موقف نسجله لأنفسنا أولا، فنكون صرنا نفهم بفطرة 'الإبادة' ما لا يفهمه كثيرون، حقيقة أن أميركا وكل أصناف 'المبيدين' من أنظمة ودول تعلن أنها تحارب 'داعش' لا يجب أن تدفع إلى أي شك بشأن الداعشية، ولا يجب أن يغير موقفنا من أميركا وحلفائها ومن يظن البعض أنها في 'حرب' معهم، فـ'المسرح الإيراني' يكفينا من الأكاذيب والتضليل لنعرف أن الأكاذيب ما عادت تنطلي علينا، ومثله 'المسرح الداعشي'، أكبر خاسر من الداعشية هم المسلمون، أكثر طرف يدفع ثمنا هم العرب والمسلمون.

حقيقة أن هناك عدوانا على المسلمين لا يبرر ولا بأية حالة أي عدوان على غير المسلمين، لا علاقة لهم بالعدوان، حقيقة أنه ما عادت أطراف العدوان تنكر أنها تحارب الإسلام والمسلمين (عبر بوابة داعش) لا تمنح أي واحد الحق في الاعتداء على أبناء شعبه وجيرانه من غير المسلمين، هذه مسألة أخلاقية تقع في جوهر المعتقد وليس على هوامشه، ولا يفيد كلام 'الولاء والبراء' الذي يساق لتبرير عمليات إجرامية لا علاقة لها بالدين، ومهما بلغت حالة العدوان، ومهما بلغ حجم الجريمة، ومهما بلغت الإبادة، فإنه يجب تسمية الأشياء باسمها، أن المواجهة مع الأنظمة وجيوشها في مصر وسورية والعراق، وما تقوم به من جرائم يندى لها الجبين يجب أن تبقي الصراع في ذات الدائرة، تفجير الكنائس هو جريمة يتم استعمالها لأهداف تفوق الجريمة ذاتها.

في سورية وفي مصر وفي العراق يقوم مسلمون سنة ومسيحيون ودروز وشيعة وعلويون وأكراد ويزيديون وآشوريون، بالشراكة بقتل أبناء شعبهم، مع النظام، ويقتلون من ذات الصنف، هذه مسألة لا يجب أن تغيب عن بال أحد.

أميركا أبادت ودمرت العراق وأفغانستان، وما زالت إلى هذه اللحظة ومعها روسيا ودول أوروبية تشارك بدرجات متفاوتة في تدمير المنطقة، هذه الحروب لم تخل من إشارات ورموز دينية، استعملتها أميركا لتجييش وكسب الرأي العام، بالنسبة لنا الذي قاد الحرب هو مشروع، تفاصيله واضحة، الأمبريالية والعولمة، وكل ما تحمل في طياتها من دمار وإبادة، هذا الوضوح مهم لأنه سيمكنا فهم الصراع بشكل أفضل وأعمق، تحديد معالم الهجمة والحرب، مرتكزاتها.

هكذا، وهكذا فقط نفهم الصراع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018