يوم قبل سجن باسل غطاس: عن السياسة ذات البعد الواحد

يوم قبل سجن باسل غطاس: عن السياسة ذات البعد الواحد

رامي منصور

وصل الدرك السياسي العربي أسفله، إلى درجة أن صحيفة عربية رائدة لم تنشر خبرًا عن سجن قائد سياسي بسبب نشاط وطني، وهو الدكتور باسل غطاس. وقد تكون هذه كبوة غير مقصودة، لكنها تعكس بؤس حالتنا السياسية. فلو أصيب القائد ذاته لا قدر الله في حادث دراجة هوائية لكان الخبر قد زاحم بجدارة على تصدر الصفحة الأولى.

لكن ليست الصحيفة هي الموضوع، وإنما ما وصلنا إليه سياسيًا، من عقم ورثاثة وانعدام الأفق، وقد اختصرت هذه الحالة بتغريدة قصيرة بأن أزمة السياسة العربية هي من انعدام المشروع والكاريزما. إذ غابت الكاريزما وغاب المشروع فهيمنت سياسة أسميها سياسة ذات البعد الواحد، وهي عكس السياسة متعددة الأبعاد، التي لا ترى السياسة لعبة برلمانية ومنافسة انتخابية بل في مشروع متعدد الأبعاد، وترى السياسة وسيلة وليست غاية، لبناء مجتمع له أعمدة ومؤسسات وليس مجرد ما يسمى بـ'معسكر ديمقراطي'.

السياسة ذات البعد الواحد

ومصطلح السياسة ذات البعد الواحد قد يحيل إلى أذهان البعض ذاك المصطلح 'الإنسان ذو البعد الواحد' الذي حمل عنوان كتاب عالم الاجتماع الألماني الماركسي النقدي، هربرت ماركوزا Herbert Marcuse، الصادر في ستينيات القرن الماضي، ويشرح كيف أن الإنسان في المجتمع التكنولوجي المتطور خسر الكثير من 'أبعاده' وصار محكوما بالتكنولوجيا فكريا وثقافيا ونفسيا، حتى صار أداة مستعبدة. ويمكن اختصار فكرته المركبة بأن العصر التكنولوجي جوف الإنسان. وعندما يكون الإنسان أجوفا فهو لا يرى الأمور على أبعادها المتعددة بل يصير سطحيا ويعمل من 'داخل المنظومة'، أي تقوم التكنولوجيا بتشييء الإنسان.

وليس صدفة أن يجري مترجم الكتاب، جورج طرابشي، مقاربة بين ماركوزا وفرانس فانون، فكلاهما بنظره يصوبان نحو نفس الفكرة، تحرر الإنسان، الأول من التكنولوجيا والثاني من الاستعمار.

وبحسب ماركوزا، فإن التكنولوجيا أفقدت الإنسان قدرته على الرفض سياسيا، والذي كان يعوَّل على الطبقة العاملة أن تقوده، لكن هذه الطبقة بسبب التكنولوجيا دفعت نحو الاندماج في النظام القائم ليصبح هدفها ليس رفض النظام وإنما دفاعا عن حقها في المشاركة في قيادته!

في أعقاب كتاب ماركوزا انتقل التعويل على الطلاب في إحداث التغيير بدلا من الطبقة العاملة، وقد كانت مظاهرات الطلاب في فرنسا نهاية الستينيات محط آمال بأن التغيير آت.

واختار ماركوزا عنوانا لمقدمة كتابه 'مجتمع بلا معارضة'، يقول فيها إن 'المشروع (المجتمع التكنولوجي) كلما تطور كيّف وحدد عالم الكلام والعلم، عالم الثقافة على الصعيد المادي وعلى الصعيد الفكري. وعن طريق التكنولوجيا تلتغم الثقافة والسياسة والاقتصاد في نظام كلي الحضور يفترس أو ينبذ كل الاختيارات والحلول البديلة...'.

ويلفت طرابشي أيضًا في تصدير الكتاب إلى أمر هام في مجتمع الإنسان ذو البعد الواحد، هو أن 'الهدف الأول لعقلانية المجتمع التكنولوجي اللاعقلانية هو تقليص مجال الفرد الداخلي، فلا غرو إن وجدنا عملية التقليص هذه تمتد إلى عالم اللغة، عالم التعبير والاتصال الإنساني. فعلى هذا المستوى أيضا تبرز إلى حيز الوجود لغة أحادية الجانب، لغة إيجابية تستبعد من تستبعد من تراكيبها ومفرداتها كل الأفكار والمفاهيم النقدية المتعالية. وهذه اللغة هي بوجه خاص لغة محترفي السياسة وصناع الرأي العام. لغة عارية من التوتر والتناقض والتطور والصيرورة، لغة عاملية، لغة سلوكية، لغة بلا تاريخ، بلا أبعاد، وبكلمة واحدة، لغة مقفلة، منغلقة على ذاتها'.

في هذا المجتمع التكنولوجي الأجوف، ذو البعد الواحد، المقفل والمنغلق على ذاته، يخرج الإنسان صاحب السياسة ذات البعد الواحد، وكم بالحري عندما يكون واقعا تحت الاستعمار. هنا سنحتاج ليس فقط إلى التحليل الاجتماعي لماركوزا بل أيضا للتحليل النفسي لفانون.

تدعي السياسة ذات البعد الواحد أن الانفتاح على الآخرين لكنها تستخدم لغة مقفلة ابنة النظام، ومن يرفض هذا الواقع المهيمن لغويا وفكريا وسياسيا، يصبح بنظر صاحب السياسة ذات البعد الواحد شخصا متقوقعا ومنغلقا. السياسة ذات البعد الواحد تعمل من داخل النظام نفسه وليس من خارجه، وهدفها أن تكون مقبولة و'تناضل' من اجل المشاركة في قيادة المنظومة ذاتها التي تقمعها.

لكن في المقابل، فإن قمة الانفتاح هو الرفض، رفض المنظومة، ورفض استخدام اللغة الواحدة، رفض اللغة بلا تاريخ، رفض اللغة المقفلة والانفتاح على لغة 'نقدية متعالية' حسب قول طرابشي. والمتعالية القصد بها أنها تتجاوز الممارسة والنظرية في الظرف التاريخي الراهن.

وإذا ما اعتبرنا الالتزام بلغة النظام والانفتاح على الآخر داخل النظام ذاته انفتاحا وديمقراطية وبراغماتية، فإن ذلك مثله تماما مثلما يعتبر العبد أن منحه اختيار سيده هو الحرية.

وقضية باسل غطاس والأسرى هي رفض اللغة بلا تاريخ وبلا أبعاد، ورفض اللغة المقفلة. فاللغة ليست فقط مصطلحات وتعابير وكلمات، وإنما اتصال إنساني، أي أنها حق طبيعي لكل البشر. وما قام به باسل غطاس ليس مجرد مساعدة إنسانية لأسير أو لأسرى للتواصل مع أهله. بل هو دفاع عن الحق في التواصل الإنساني، ولكن أيضا رفضا وتمردا على اللغة المقفلة. هذا الرفض هو الذي يعيد للإنسان أبعاده المسلوبة.

في المقابل، السياسة ذات البعد الواحد أسيرة اللغة المقفلة، وتعتبر الرفض – رفض المنظومة عملا غير سياسي وإنما تمردا، وترى بالأخلاق في العمل السياسي طوباوية ورومانسية وانغلاق، وترى التضحية عملا تكتيكيا يجب أن يتبعه المقابل الفوري، وترى في السياسة معسكرات تستوجب فن الممكن في التحالفات. هذه السياسة لا ترى مجتمعا ولا بشرا، فمثلا تنظيم المجتمع قوميا بالنسبة لها تقوقعا لأنها أسيرة اللغة المقفلة، وترى ببناء المؤسسات القومية تمردا لأنها أسيرة الهياكل المقفلة، وتقبل بالرفض فقط في حالة واحدة، عندما يعقبه مقابل سريع.

السياسة ذات البعد الواحد هي مشكلتنا، بلا مشاريع، بلا كاريزما، أسيرة اللغة بلا تاريخ، واللغة أحادية البعد، إنها أسيرة اللغة المقفلة.

يلتحق باسل بأسرى رفضوا أن يكونوا أسرى تلك اللغة المقفلة المغلقة، ورفضوا تجويف الإنسان من أبعاده، وأصروا على أن يكونوا ذا صلة بالواقع من خلال رفضه والتواصل مع الآخرين بلغتهم الحرة. هي مناسبة لنتحرر من اللغة المقفلة. مناسبة لأن نعيد للسياسة أبعادها.

اقرأ/ ي أيضا: عن صعود الطبقة الوسطى

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018