عندما جبنا أقدم غطاس!

عندما جبنا أقدم غطاس!

منيب طربيه

عندما جبُنَت بعض القيادات في تبني قضية باسل غطاس التي هي قضية أسرى شعب كامل يقبعون في غياهب السجون بسبب نضالهم لصالح قضايا شعبهم، تجرأ العديد من قطاعات شعبنا على اختلاف انتماءاتهم، الحزبية والحركية، مع قضية باسل والأسرى وجهروا دون هوادة بتضامنهم مع قضية باسل وبات ذلك ملموسا في ميادين عديدة وقطاعات مختلفة.

تمحور النقاش لدى بعض القيادات في قضية غطاس حول ماهية التضامن وحول كيفية التعامل معها في ظل مرادهم بألا يخسروا من نجوميتهم وألا يتضرر تكيفهم وازدواجيتهم بترنحهم على البرزخ الفاصل ما بين سقف الخطاب الذي تسمح به المؤسسة الإسرائيلية وبين الشعارات الرنانة التي تجذب الجماهير الفلسطينية خاصة في أراضي الـ48.

إن قضية الأسرى كانت مغيبة قصدا، كما ولم تكن رأس حربة في أجندة العديد من القيادات إلا لبعض الوقت في المناسبات الوطنية كجزء من الخطاب وسرعان ما تزول، كما ولم يجرؤ العديد من القيادات بالمساهمة الفعلية لوضعها على الطاولة لما بها حساسية لدى المؤسسة الإسرائيلية ورغم أهميتها ومكانتها لدى شعبنا.

إن تحمل غطاس وتبنيه ما قام به بشكل شخصي، فيه الكثير من التميز والنزاهة وجلد الذات لصالح شعبنا ونضاله، على الرغم من كل التحديات متجاهلا نجومية بعض المتسلقين والانتهازيين الذين اختبأوا في جحورهم وقت المواجهة الحقيقية، فنضال شعبنا لم يتوقف هنا فحتى للانتهازيين وأزلام الشعارات لهم دور مركزي خاصة للموازنة ومنع دخول انتهازيين أشد وطأة منهم.

إن ما قام به غطاس يزيدنا شرفا وكبرياء، حيث أحيا قضية الأسرى ووضعها على الطاولة من جديد، كما ولم يفرق غطاس بين أسرى الداخل وأسرى الضفة والقطاع، كما فعل الكثيرون، بل أسهم غطاس بإلقاء الضوء على الأسرى وعوائلهم بعد أن كانوا أرقاما في سجون الاحتلال وكأنهم سراب، وبذلك ازداد التضامن مع الأسرى السياسيين وعائلاتهم، حيث ركز غطاس في كتاباته على أن الأسير ليس فقط من يقبع وراء القضبان إنما عائلته أيضا تعد أسيرة في ظل ما تعانيه من جفاء ومعاناة في الزيارات المحدودة والمراقبة.

لم يختر الأسرى السجن ولا غطاس أيضا، إلا أن الترسانة المؤسساتية الإسرائيلية وقمعها، أتت بغطاس إلى السجن فالتهمة أصلا باطلة، وبطش السلطة وظلمها يضعك في دوامة الضمير وصراع العقل والقلب، هذه الدوامة وهذا الصراع لا يفهمهما الكثيرون إلا أصحاب الضمائر الحية الرافضين للظلم كغطاس.

الكثيرون يسألون السؤال الذي يساعدهم على التهرب من خنوعهم ورقصهم في عرسين 'ماذا استفاد غطاس؟' أو 'بماذا أسهم عمله هذا؟' والجواب أبسط ما يكون، إن غطاس لم يقم بما قام به طمعا بالاستفادة الشخصية أصلا ومجرد سؤال كهذا يضع السائل على ميزان الربح والخسارة التي لا مكان لها بأجندة القادة الحقيقيين كغطاس، أما الإجابة عن السؤال بماذا أسهم؟ فنقول أسهم الكثير، وأقل ما في ذلك وضع الضوء على قضية الأسرى المهمشة قصدا منذ عشرات السنين ولن ننتظر حتى يقضي الأسرى في سجون الاحتلال إنما هي أضعف الإيمان على أمل أن تحسن المؤسسة ظروف الاعتقال.

غطاس الذي دخل السجن اليوم، لن ينقص السجن من مكانته وقيمته، لا بل ستتعزز مكانته كقائد ميداني يحب شعبه ويضحي بنفسه من أجله، لا ولن يغيب عن وعي شعبه، الذي أثبت مرارا أنه يكرم من يكرمه ويكبر بقادته الحقيقيين الذين يضعون أنفسهم قربانا أمام مذبح الوطن.

غطاس، بنضاله وتفانيه وتضحيته بنفسه، كشف لنا الكثير الكثير مما كنّا قد ننساه مثل ظلم المؤسسة الإسرائيلية وبطشها، الأمر الذي كدنا ننساه بسبب النضال محدود السقف الذي تبناه بعض قيادات عرب الداخل، حيث وضع غطاس المؤسسة الإسرائيلية عارية أمام الرأي العام وأحيا مجددا النضال وأنقذه من حالة التمييع التي مر بها في الفترة الأخيرة بسبب حالة النجومية والشعبوية الزائفة التي تبناها بعض المتسلقين والمارقين من بيننا.

غطاس ضحى بنفسه وأثبت مجددا أن القادة ليسوا فقط من يحملون الشعارات ولا من يبحثون عن نجومية نزقة هنا أو هناك، لا بل جسّد غطاس شخصية القيادي الحقيقي الذي يدفع ثمنا لمواقفه الإنسانية، كما ساهم مساهمة نوعية بإعادة الثقة بين الجماهير والقيادة، خاصة بعد أن ملت الجماهير من بعض القادة الرومانسيين الذين باتوا يجترون الخطاب ولا يحسنون حتى تعميمه لاهترائه ورداءته.

لرفيقي وقائدي بامتياز باسل، أقول لا أخفي عليك أننا سنفتقدك، فقد أغدقت علينا وكرمت كثيرا بحضورك، كما لا بد أن تعرف أنه شرف عظيم أن نكون من جندك، وزادتنا شرفا تضحياتك، وبتنا نحلم بلقياك قريبا فمفخرة كل عروبي فلسطيني أصيل أنت يا باسل، ولَك لا نقول وداعا بل إلى اللقاء مجددا في ميادين النضال، بيتك الأصلي.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018