أرس بويتيكا في أروقة العدل

أرس بويتيكا في أروقة العدل

بروفيسور يهودا شنهاف - شهرباني

شاعرة شابة، رقيقة وخجولة، تعيش منذ سنة ونصف في إقامة جبرية في البيت، وكل ذلك لأنها كتبت قصيدة. ليس فقط أنها معزولة عن العالم وبدون إنترنت، فقد مُنعت كذلك من المشاركة في حفل زفاف شقيقها، إنها بانتظار قرار المحكمة. التهمة: تحريض. دولة اليهود ضد دارين طاطور.

من أجل الشفافية نذكر هنا: طاطور ليست يهودية، هي فلسطينية مواطنة دولة اسرائيل، تعيش في قرية محاذية للناصرة، ومنذ أن تفتحت عيناها على الدنيا حلمت أن تكون شاعرة. مُدّعية الشرطة، المجتهدة والحازمة، تقضي على هذا الحلم: طاطور ليست بشاعرة حقيقية. هذا ما تم الكشف عنه أمام الملأ من خلال نقاش أرس-بويتيك غير مسبوق في أروقة العدل حول فن الشعر. المدّعية بعباءة وسيف، تصر، على مدى سبع ساعات كاملة أي حوالي ثلث دورة أكاديمية في الجامعة، على حل الأحجية المبهمة في نظرية الشعر: من هو الشاعر؟ وكما أنها بمثابة الموازية الشعرية لنظرية فوما في الرياضيات.

المدّعية وهي محامية ذات تجربة مهنية، تحاول أن تكون موضوعية كما تتطلب مهنتها، ولكنّها من حين لآخر تُبدي أفكارها من خلال رموز أو اشارات. عندما يتحرر الفم قليلا وتنطلق بأفكارها، فإننا ننكشف على خطاب الدولة الذي يسعى للتستر على واقع صعب من خلال الرقابة على الشعر. عليك أن تقرأ لكي تصدق. بدل أن يتم النقاش في الدلالات والمعاني السياسية المتجسدة في القصيدة، التي كتبت باللغة العربية لقراء عرب، جرى نقاش حول "مصداقية" الترجمة للعبرية. وفيما يلي مقتطفات من أقوال وجدت طريقها إلى الشبكة العنكبوتية، والتي بالإضافة إلى ذلك تم إخراجها من سياقها. مشهد من اللامعقول في جولتين.

الجولة الأولى: من هو الشاعر؟

الشاهد: البروفيسور نسيم كلدرون، محاضر للشعر العبري ومحرر مجلة للشعر. (استجواب مضاد: ساعتان)

المدّعية: لقد انطلقتَ من الافتراض بأن المتهمة هي شاعرة.. هل بموجب توجّهك هذا فإن كل من كتب قصيدة هو شاعر؟

الشاهد: من يكتب قصيدة هو شاعر.

المدّعية: لو أنني قلت إن هنالك من يصف هذا النص بالكتابة الفجّة؟

الشاهد: كل قصيدة، حتى لو كانت فجّة، هي في موقع الكتابة الشعرية.

المدعية: ومن يقرر أن هذا هو شعر؟

الشاهد: لا توجد جهة مخولة بتعريف القصيدة بأنها قصيدة. ما يعرّفه الشاعر بأنه شعر هو شعر.

المدعية: وكيف لك أن تعرف ان المتهمة تعرّف ذلك بأنه شعر.

الشاهد: لقد تمت كتابة النص بأسطر قصيرة.. ويحمل عنصرًا من الإيقاع..

المدعية: أي عنصر إيقاع؟

الشاهد: أيضًا الادعاء كتب النص في لائحة الاتهام في أسطر قصيرة، وليس بشكل متتالِ. أنتِ أيضًا فهمت ذلك على أنه شعر.

المدعية: إذا كتبتُ نصًا من ثمانية أسطر قصيرة، وبعد كل سطرين هنالك سطران متكرران، هل هذا يُعتبر شعرٌ بالنسبة لك؟

الشاهد: نعم

المدعية: هل تعلم ان القصيدة لم تظهر كقصيدة، إلا سوية مع فيلم قصير؟

......

ها هي المدّعية تضع الأسس لنظرية الشعر، وتطرح آراءً غير اعتيادية بالنسبة للفروقات بين النثر، الشعر، البنية الكلامية، شعر أصلي وشعر تقليد. لا تتفق المدعية مع سقراط، وترفض مواقف عظماء الشعراء على مر الأجيال. بالنسبة لها هذا الأمر هو بمثابة أن تكون أو لا تكون.

دارين طاطور ليست بشاعرة، حتى وإن لم تكن هذه هي قصيدتها الأولى بالعربية، التي كتبت بإيقاعية وبأسطر قصيرة متكررة.

إذا كانت طاطور شاعرة فالمحاكمة هي مهزلة، لأنه في دولة دمقراطية لا يُحضرون شاعرة للقضاء، ولا يعزلون شاعرة سنة ونصف عن العالم، لأن كتابة الشعر في دولة دمقراطية تستحق حرية الإبداع ورأي الأقلية يجب أن يُسمع، وما إلى ذلك من قيم ذات نكهة يسارية.

المدعية لن تُتيح لطاطور أن تُدعى شاعرة، لأنه إذا كانت طاطور شاعرة فإن السلطة في دولة إسرائيل ستصبح شبيهة بكوريا الشمالية أو الصين الشعبية، ورويدًا رويدًا بدأت (المدعية) تدرك أن أمامها يَمثُل بروفيسور يساري.

تتحفّز المدعية عندما يشرح لها الخبير بالشعر أن القصيدة كُتبت بالصيغة المتداولة في الشعر الوطني الفلسطيني، وأن هنالك آلاف مثلها موجودة على رفوف الكتب العربية، وأن هنالك ما يوازيها من أشعار في كل شعر وطني، بما في ذلك الصهيونية. بانت النوايا إذا! يقول الشاهد: "لا توجد جهة مخوّلة لتحدد ما هو الشعر؟" المدعية ستثبت أن أمام المحكمة يمثُل شاهد يساريّ متنكرٌ بزيّ من الموضوعية.

المدّعية: أنت اعتدتَ على المشاركة في أمسيات أدبية، وحتى أنك شاركت في "بيت الكاتب" في أمسية تحت عنوان: "الشعر في ظل الإرهاب".

....

المدّعية: هذا يعني أنك لا تحاول أن تقدّم نفسك كشاهد موضوعي.

....

في النهاية يمكن القول إن آسّا كشير قد أصاب. ها هي الأكاديميا تخلط المجالات ببعضها البعض، وعندما ستعود للمكتب فستطلب المدّعية كتابة أنظمة و"كود" أخلاقي، وهنالك من يجلس فوق سيتفهم حالة الطوارئ، وسيقدّم مسودة "قانون الشعر".

وزارة العدل ستعمل على التشريع؛ وزارة العمل ستُقيم وحدة لتأهيل شعراء، كما هو الحال في طب الأسنان، حيث سيتم الحرص على القواعد الأخلاقية والجمالية؛ وزارة الثقافة ستحدّد المقاييس للإهمال الشعري؛ وزارة المعارف ستعمل على تذويت الفكرة في رياض الأطفال؛ وزارة الشرطة ستراقب للتأكد من عدم وجود منتحلين، وستفرض الاعتقالات الإدارية حينما يتطلب الأمر؛ وزارة الصحة ستسحب رخصة الشاعرة التي أصيبت بمسِ أو بإلهام إلهي (الأولى من بين الحالتين).

الآن ما تبقى للمدعية، التي لم يبد عليها أي مظهر من مظاهر التعب، هو الإثبات أن كلمة "شهيد" بالعبرية هي "إرهابي". ورويدا رويدًا يتضح أمام ذهول الجميع، أن المدّعية لا تفهم العربية، حين تطلب من المترجم أن يصعد إلى منصة الشهود لأنها لم تتمكن من قراءة النص.

الشاهد، وهو رجل مسن عمل ثلاثين عامًا في شرطة الناصرة في حالة من الارتباك، فلأول مرة في حياته يُطلب منه ترجمة نص إلى اللغة العبرية، لغة لا يعرف مكامنها. يعتذر ويقول إن الترجمة ليست مهنته.

عندما تم تقديم ترجمته إلى المحكمة شَهِد وقال إن ترجمته تعاني من الخلل. وإن أخطاء قد وردت بها، وإن سطرًا قد سقط، وإن حرفُا قد استُبدل بآخر، ومعنى تداخل في معنى. لأسفه لم يفهم أن "ماركباه" هي اسم لدبابة، وأنه ليس يهوديا، وأن هنالك مثل هذه الأمور والكلمات التي ضاعت في الترجمة؟ وماذا بالنسبة لكلمة "شهيد"؟

مترجم النيابة "وحّل" في منتصف الطريق. تردّد ثم تردّد ولم يكن بإمكانه الحسم. وفي النهاية، ولكي لا يحسم الأمر كتب أربعة حروف بالعبرية: "ش-هـ-ي-د". المدعية تستشيط غضبًا.

بالتأكيد أنه من الممكن إيجاد مترجم يقول إن "شهيد" هو "إرهابي". ولكن الشاهد التالي، وهو خبير في الترجمة من قبل الدفاع عدّدَ التفسيرات المختلفة للاصطلاح: "חלל", "נופל", "מרטיר", "קורבן" وإلى آخره.

تدرك المدعية هذه المرة أيضًا أن من يقف في مواجهتها شاهد غير موضوعيّ وذو آراء يسارية. من الضرورة بمكان أن يكون لكل كلمة في العربية معنى واحد في العبرية، حتى وإن تم إخراجها عن سياقها الدلالي. وما لا يمكن ترجمته هو اختراع ما بعد- صهيوني.

الجولة الثاينة: من هو المترجم؟

الشاهد: د. يونتان مندل، مترجم وباحث في الترجمة بين اللغة العربية واللغة العبرية. (استجواب مضاد: خمس ساعات)

في الاستجواب المضاد، الذي ادّعى الدفاع خلاله وبحق، أن المدّعية تجعل من الشاهد متهمًا، عُرضت أربعة أفلام قصيرة التي تظهر فيها أعمال إخلال بالنظام في أرجاء الضفة الغربية، وأَسمع الشريط الصوتي كلمة شهيد، إرهاب، دماء، قدسية الأرض، حق العودة، مرة تلو الأخرى، حتى بالنسبة لأذن اليهودي ظهر وكأن هذه الاقتباسات مصدرها أشعار أوري تسفي غرينبرغ التي درسناها في دروس الأدب.

الدم من هو الحاكم هنا"؛ "الارض تُحتَل بالدم. وفقط تلك المحتَلَّة بالدم مقدّسة للشعب بقداسة الدم"؛ "العودة إلى القرية تكتنفها العجيبة، "؛ "أنا أكره سلام المستسلمين".)

المدّعية: هل تعتبر نفسك شاهدًا موضوعيًا؟

...

المدعية: هل تدرك أنك يجب أن تكون موضوعيًا؟

....

المدعية: ما مدى إلمامك بالعربية؟

...

المدعية: لماذا تتصعب الترجمة عندما تصغي للأشعار؟

الشاهد: هنالك فرق ما بين الترجمة الفورية وما بين ترجمة وثيقة مكتوبة.

......

المدعية: بالنسبة لك الشعب الفلسطيني هو شعب يعيش تحت الاحتلال؟

.....

المدعية: هل تعتقد أن هنالك حقًا في مقاومة الاحتلال؟

.....

المدعية: كتبت في صحيفة "هآرتس" مقالا بعنوان: "حماس- هل حقًا لا يوجد من يمكن الحديث معه؟"

......

المدعية: أنت تدّعي أن الإسرائيليين يفسّرون بصورة تلقائية كلمة "شهيد" على أنها مرتبطة بالإرهاب؟

...

المدعية: أنت تقول إن التفسير الإسرائيلي اليهودي للكلمة مشوه تمامًا... وكلّ فلسطيني يفهم الكلمة كـ"ضحايا"، لا "مخربين"؟

الشاهد: .. كنت أقول إن هذا الفرق كبير، وهو كبير مثل الفرق بين "ضحايا" وبين "عدوانيّين"

المدعية: سابقًا كتبت "ضحايا" مقابل "شهداء"، والآن أنت تقول "ضحايا" مقابل "عدوانيين"

...

الشاهد: بخلاف الخطاب الإسرائيلي حيث الشهيد فيه هو فقط العدواني، في الخطاب الفلسطيني فالشهيد قبل كل شيء هو ضحية وفقط في مواقع معينة هو عدوانيّ. هنالك فروق كبيرة في الترجمة في هذه الحالة بين "الضحايا" وبين "العدائيين".

المدعية: من ترجمة الشرطة تبدو هنالك دعوة للعنف.

...

المدعية: أنت ترجمت "מתקומם" (ينتفض) بينما هو ترجم "מתנגד" (يقاوم)

الشاهد: جذر الكلمة في العربية هو قوم، ق. و. م، وأنا افتش عن جذر مشابه بالعبرية "התקומם". هذا ليس خطأ ولكن لكلمة "התקומם" وقع مدوِ أكثر.

المدعية تنتفض بدورها. هي تقترح أن يتم سن "قانون الترجمة". لا يوجد لديها أية فكرة عن سوسير، بالتأكيد يساري فرنسي أو أحد مؤيدي حركة المقاطعة لإسرائيل، ولكن لا يمكن أن تكون للكلمة معان كثيرة. وهكذا يدور النقاش بالعبرية عن قصيدة بالعربية، من قبل أناس لا توجد لديهم أية معرفة بالعربية، ويعتقدون أن كل كلمة لا يفهمونها تحمل معنى واحدًا بالعبرية. فكم بالحري عندما يجري الحديث عن كلمة معروفة مثل "شهيد".

الساعات الطويلة التي أنفقتها المحكمة في موضوع الترجمة لا صلة لها بالموضوع، الترجمة برزت لأنّ المدّعية مثل الجميع في المحكمة، لا تفهم العربية. لأنه لو تم النقاش باللغة العربية لما كانت المحكمة بحاجة إلى مترجم.

نتوقع من مدعية نزيهة، التي ادعت الموضوعية مرة بعد أخرى، أن تطأطئ الرأس، وأن تتخلى عن الملف وتعترف بأنها ليست مؤهلة أن تقوم بالدور، وأن تقوم النيابة ببذل الجهود لإيجاد مدّعية تفهم اللغة الأصلية. ولا حاجة للتوضيح هنا" حسب الأجواء السائدة، أنه من المفضل أن تكون يهودية، ولكن الأمر صعب، وخاصة إذا كانت المدعية قد قرأت الاستطلاع الذي نُشر مؤخرًا ويظهر فيه أنه باستطاعة 0.4% من اليهود في إسرائيل فقط أن يفهموا نصًا مركّبًا في العربية. ولأسباب تخصها لم تتنازل المدعية عن الملف. بالعكس فقد ازداد إصرارها أن تلعب دور الملقّنة في هذه المسرحية العبثية.

....

المدّعية: لدى ترجمة القصيدة أنت تتطرق إلى كلمة "أولئك" وتربطها بالضرورة بالمستوطنين..

...

المدّعية: المتهمة لم تذكر أبدًا أن الحديث يجري عن المستوطنين..

.....

المدّعية: هذا لا يتطرق فقط للضفة الغربية..

....

المدّعية: يتم التطرق هنا أيَضا إلى داخل الخط الأخضر..

........

ومثل إطلاق رصاصة في قاعة كونسيرت، ظهرت الحقيقة بأسطع ما يكون. الخط الأخضر هو القضية. هذا هو الخط الأخضر نفسه الذي تمت إزالته منذ وقت طويل من خرائط اليهود في إطار عملية كولونيالية لامعة.

لا يوجد هناك من يذكر الآن الخط الأخضر سوى المدّعية، اللاساميون في الأمم المتحدة وحفنة من نشيطي السلام الذين يحضرون من حين للآخر للمنطقة. لليهود لا يوجد خط أخضر الآن.

"ييشاع" (يهودا والسامرة- الضفة الغربية) هنا، وهذه هي أرض الآباء والأجداد، والخط الأخضر يعبره اليهود وفقط اليهود. ولكي لا يعبره الفلسطينيون، والذين يُطلَق عليهم اسم عرب إسرائيل، يجب أن نحفر ذلك في وعيهم.

لو كانت دارين طاطور مواطنة في قرية بجانب رام الله فإن أحدًا لن يسأل فيما إذا كانت شاعرة أم لا. لكانوا قد اعتقلوها اعتقالًا اداريًا بتهمة التحريض. ولكن داخل الخط الأخضر فإن اعتقال شاعرة اعتقالًا إداريًا ليس بالأمر السهل، يجب أولا الاثبات أنها ليست بشاعرة.

وفي الأسفل، من تحت كل ذلك، من وراء حفلة الأقنعة لما يسمّى القانون اللبرالي، تفعل المدّعية ما يتوجب عليها أن تفعل: أن تشيع الخوف، أن تردع، أن تراقب الشّعر لكي تُعرّف ما هو الإرهاب، وأن تجعل الشاعرة من مُحبُة إلى عدوة. هكذا يفعلون مع الشخص الذي يتجرأ على كتابة قصيدة وطنية في تخوم الخط الأخضر.

ما تبقى الآن هو فقط إطلاق لقب "المحرضة" عليها. وإذا كررنا ذلك عددًا كافيًا من المرات فإن الأمر سينجح. وفيما يلي قائمة بأسماء أناس غير مشبوهين بتهمة التحريض بالرغم من أنهم يكررون أقوالهم المرة تلو الأخرى. عضو كنيست مرموق ("من يستلّ سكينًا أو مفكًا يجب إطلاق الرصاص عليه بهدف قتله")، وزيرة الثقافة ("السودانيّون هم سرطان في جسدنا")، وزيرة القضاء (التي تقتبس أقوال أوري اليتسور: "ما المروّع في الادراك بأن الشعب الفلسطيني بأكمله هو العدو.. والحرب ليست حالة عادية، وفي الحرب بشكل عام فالعدو هو الشعب بأسره، بأطفاله ونسائه، مدنه وقراه، الأملاك والبنى التحتية..")، وزير الشرطة (".. مخرب.. التماثل مع أيديولوجية داعش")، القائد العام للشرطة ("لقد قام بتدريس التحريض بدل تدريس برنامج وزارة المعارف..") ورئيس الحكومة (المصوّتون العرب يتحركون بكميات ضخمة نحو صناديق الاقتراع") وهذه هي فقط قائمة جزئية.

لم ينجح أحد في المحكمة أن يقول إن الأمور قد التبست على المحكمة. النقاش هو حول قصيدة نُشرت بالعربية لا بالعبرية، وأن اليهود ليسوا جمهور الهدف للقصيدة. في مسرح العبث الذي أمامنا فإن المدّعية تناقش بالعبرية معاني لكلمات باللغة العربية، والتي تُفهم معانيها فقط من خلال التقاليد الشعرية العربية، والنقاش لا يجري عن القصيدة ومستواها، بل حول مستوى الترجمة للعبرية.. هل كان نقاش شبيه ليتم في المحكمة الفرنسية بالعربية أم بالفرنسية؟ أغلب الظن أن الجواب هو أيضًا وأيضًا، ولكن حتى لو كان الجواب لا، فإن العربية ليست لغة رسمية في فرنسا.

ومع ذلك، ففي خضم هذه الفوضى، فقد تعلمنا من خلال الإسهام الفكري للمدّعية عددًا من الحقائق الأساسية حول وضع الثقافة في إسرائيل.

ما هي القصيدة بالعربية؟ تلك التي يمكن تفسيرها بالعبرية لأنّ في اللغة الأصلية للقصيدة لا يوجد لها وجود.

ما هي الترجمة؟ تلك التي تقتلع النبتة من أرضها ومن بيئتها الثقافية، وتزرعها في أرض غريبة لتشييد برج بابل من الكلمات.

من هو المترجم؟ ذلك الذي تم تأهيله من قبل السلطة لكي يجد تفسيرا واحدًا بالعبرية لكل كلمة بالعربية.

من هي المدّعية؟ تلك التي تعمل بكل ما أوتيت من قوة لحظر شعر وطني فلسطيني في تخوم الخط الأخضر.

من هي الشاعرة؟ تلك التي تكشف عما يختلج في الصدر وتكشف أكاذيب السلطة. ثرثرة المدعية وقومجيتها يكشفان ما تنشد إخفاءه: أن هنالك أناسا يعانون تحت وطأة الاضطهاد وسلب الحقوق ولا يملكون امتيازات، مثلها ومثلي.

لم يكن بإمكاني أن اقدم القصيدة هنا بنسختها العربية لأن الرقابة منعت نشر الشعر، وحذفته من المواقع الإلكترونية. ولكن لماذا لا تُنشر بالعبرية؟ ربما ينجح القراء بحلّ الأحجية.

إذا كان التحريض يقاس بتأثير الشعر على جمهور الهدف، ففي هذه الحالة جمهور الهدف ليس اليهود. والترجمة الزائدة للعبرية لا تضرّ، لأن الدولة اليهودية ديمقراطية، واليهود لا يقومون بالتحريض.

ترجمة من العبرية: عودة بشارات

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018