القدس والأقصى... الملكيّة والسّيادة

القدس والأقصى... الملكيّة والسّيادة

نيفين أبو رحمون

يندرج الصراع القائم حاليًا في القدس المحتلة تحت إطار سياسة الاحتلال في التنكَّر لملكيّة أصحاب الوطن على هذه الأرض وفيها. إذ شكّلت الأرض المركّب الأهم في هُوية أصحاب الوطن، وتعمّد الاحتلال سلب الأرض والهوية، بالإضافة إلى نكرانه لملكيتها القانونية والتاريخية لأصحابها.

كانت للقدس والأقصى محطات سياسية مفصليّة على مدار التاريخ، وبدأ المشهد يزداد تعقيدًا منذ بناء الجدار الفصل العنصري، الذي أضاف مشهدًا مختلفًا للصراع حول الأرض بملكيتها وسيادتها انعكست، أيضًا، في محاصرة المقدسي وسوقه، الذي يحمل المعنى الحضاري والتراثي، مرورًا التضييق على البلدة القديمة ووصولًا إلى الأمور الخدماتية التي تحاول البلدية ابتزاز المقدسي بها عن طريق ما يسمى بالسلوك الأمني للمواطن المقدسي.

تعامل الاحتلال مع المقدسيين بخاصية، كون مدينة القدس لها خصوصية في الحالة اليومية، السياسيّة، الاجتماعية والاقتصادية، فهي المدينة الفلسطينية المشحونة باستمرار، والتي تبدو فيها مظاهر الاحتكاك بين الفلسطيني والجندي المحتل واضحة بشكل يومي، وهي التي تتنوع فيها هموم الفلسطيني بشكل واسع. وما شهدته مدينة القدس من انتفاضة لها بعد عميق في الحالة الوطنية، وبالرغم من الظروف الصعبة، إلا أن الشباب المقدسي أثبت أن كل محاولات التضييق عليه لن تثنيه عن دوره في النضال الشعبي وحتى في تجاوزه الفصائل الفلسطينية في مقاومته الفردانية، إيمانًا منه بأن السيادة على القدس تكون للمقدسيين والفلسطينيين عمومًا.

وإذا ما تحدثنا عن محطات مفصليّة، نتحدث، كذلك، عن أهمية انتفاضة القدس والأقصى عام 2000، والتي شكّلت علامة فارقة في النضال الفلسطيني وفي معنى الهُويّة الوطنيّة مقابل المدنيّة وما تحمل المواطنة من دلالة سياسيّة لأصحاب الوطن.

ما ميّز هذه المرحلة كانت الهبّة الشعبيّة والشبابية التي سطّرت بطولة تاريخية، إذ أسّست الانتفاضة الثانية لمرحلة جديدة من الوعي الفلسطيني في الداخل. هي مرحلة عبّرت بالدرجة الأولى عن تضامن قومي أصيل وعن غربة كبيرة عن مؤسسات الدولة الصهيونيّة. أما الغضب الجماهيري فكان حقيقيا ناتجا عن احتجاج على نمط حياة متكامل وعن رفض سيادة إسرائيلية انعكست حينها في الاستيطان والتهويد واقتحام الأقصى، لذلك كان مشهد المقدسيين وفلسطينيي الداخل وهم يتشبّثون بأن السيادة لن تكون إلّا للفلسطينيين واعيًا وواعدًا. الخروج الجماعي، حينها، كان تعبيرًا قويًا عن مطالب واضحة وفرض تحديّات أمام الاحتلال، واليوم نحن أمام مشهد سياسي آخر يؤكّد، مرة أخرى، أن للقدس وللأقصى سيادته الفلسطينية ولا يمكن المهادنة في ذلك، وينعكس هذا الإصرار والتشبّث في الحراك المقدسي الذي يعي جيدًا أن الصراع الدائم هو صراع ملكيّة تاريخية وسيادة، لذلك،

فإن ما يجري الآن في الأقصى من حالة شعبية هو تعبير عن الإدراك. وكذلك الموقف من الهيئات الاسلامية حول الحراك ضد الإجراءات في الأقصى يعبر عن موقف لقيادة صلبة وحازمة ومع بوصلة واضحة في تحدي الاحتلال بوعي كامل ان السيادة لن تكون الا للفلسطينيين. إن الرباط أمام الأقصى، لما يحمل من مفهوم السيادة عليه وتعميم حالة صمود أمام محاولة الاحتلال في استعادة سيادة واستعراض عضلات على القدس والأقصى هو الدّافع لأن لا يأبه المقدسيون بالأدوات "الأمنية" التي يستخدمها نتانياهو داخل الأقصى بحجم ما حسم معركة ملكيّة وسيادة.

منذ التصويت في القراءة التمهيدية في الكنيست على قانون القدس عاصمة لإسرائيل والبت من على منبر الكنيست في قانون القومية ويهودية الدولة نلحظ تصعيدًا سياسيًا واضحًا بشأن القدس والأقصى على وجه الخصوص وتعبيراً عن أزمة سيادة.

المسألة والتحدي اليوم يتعدّيان الاجراءات "الأمنية" إنّما لمن السيادة والسيطرة على الأقصى؛ وما قام به الاحتلال في محاولة لمحو الملكيّة وفرض السيادة وهذا من نصب بوابات الكترونية او كاميرات والخ هي شكل إجرائي بفعل سياسي. خصوصا أنها أوامر جاءت بقرار سياسي، لذلك لا يمكن قراءة ذلك بمعزل عن الدلالة السياسية.

ويبقى السؤال كيف يمكن أن تكون صورة النضال إذا أصرّرنا على أن أحد جوانب الصراع ليس فقط في مصادرة الأرض، وإنما الاعتراف بالملكيّة التاريخية لنا كأصحاب لهذا الوطن وأن السيادة بطبيعة الحال لأصحابها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018