حوار عاجل قبل فوات الأوان

حوار عاجل قبل فوات الأوان

عوض عبد الفتاح

حتى هذه اللحظة، خاصة منذ عامين ونصف، أي منذ النجاح في تشكيل القائمة المشتركة، نظر أبناء شعبنا في كل مكان إلينا، نحن فلسطيني الـ48، نظرة إعجاب وتقدير. بل راح الكثيرون يتمنون نسْخ التجربة بين فتح وحماس وإنهاء الانقسام الكارثي. وقبلها، عام 2013، شكلت تجربة مقاومة مخطط برافر الاقتلاعي الاستيطاني مصدر إعجاب وفخر، وهي تجربة جاءت استمرارا لنضالٍ شعبي طويل كانت ذروته الأولى يوم الأرض الخالد عام 1976.

وبالغ الكثيرون من المعجبين في إعجابهم الذي وصل حتى الغزل، الأمر الذي عكس ضعفا في فهم جوهر وتناقضات التجربة الفلسطينية تحت المواطنة الإسرائيلية، وأيضا في فهم منطلقات كل مركّبٍ من مركباتها. كما يجب القول أنه ليست كل أسرلة هي حلقة جديده في البقاء والصمود، يمكن أن يكون البقاء إسرائيليا او على هامش الإسرائيلية.

مع ذلك، كانت خطوة القائمة المشتركة مطلوبة، في ظل حالة التشظي السياسي وفِي سياق مطلب توحيد فلسطينيي الـ48 على أساس قومي وفِي سياق صيرورة التشكل القومي وتعمق الارتباط ببقية شعب فلسطين وقضيته الوطنية التحررية.

ويخشى أن يُصدم أبناء شعبنا من احتمال سقوط هذه التجربة مبكرا بسبب عدم إدراك خطورة ما يقوم به البعض، والمتمثل بمحاولات التحايل على تنفيذ اتفاق التناوب، إنك لا تكاد تصدق حين يخرج أحدهم إلى الإعلام ويسترسل في اختراع التبريرات والتأويلات المخادعة وكأنه في خضم الدفاع عن قضية في محكمة إسرائيلية ضد خصم إسرائيلي وليس في خضم نقاش لتنفيذ اتفاق أخلاقي مع شريك أساسي له في إطار تحالف انتخابي رأى فيه الناس ضالتهم في لحظة ما. وأخال أنه يخرج من الاستديو منتشيا من هذه المقابلات الإعلامية، لأنه يعتقد أنه تمكن من تضليل المشاهد، ولا يدرك كم ألحق ضررا في مصداقيته وفِي مصداقية العمل السياسي.

والحقيقة أن هناك اختلافات سياسية قائمة أكثر أهمية تتصل بالخطاب الساسي وبتعريف أنفسنا، وهي قضايا يجب إجراء حوار مسؤول بخصوصها في مناخ هادئ.

والمدهش أنه في الوقت الذي يسجل أبناء شعبنا في مدينة القدس درسا عظيما في الوحدة والصمود، ويحولّون الحوار الوطني الذي عجزت عن تحقيقه حركتي حماس وفتح إلى ممارسة ميدانية خلاّقة وأخلاقية مثيرة للاعتزاز والفخر في مواجهة المستعمر دفاعا عن الأقصى والقدس وفلسطين، يخطو البعض (من أقطاب المشتركة) خطوات خطيره تهدد فعليا مصير هذه التجربة. ويستشف بعض المراقبين أن هناك من يرى في هذه اللحظة فرصة للفرز، بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية الرسمية والشعبية بخصوص حزب التجمع الوطني الديمقراطي.

ليس خافيا أن أبواق المؤسسة الصهيونية الرسمية وإعلامها وإعلام المعارضة لا تكف عن التحريض الجنوني، والإشارة إلى حزب التجمع أنه الأكثر "تطرفا" والأكثر وضوحا في مناهضة الصهيونية والطابع الكولونيالي لإسرائيل، والأوضح في تجسيده للعلاقة الاستراتيجية مع قضية فلسطين التحررية، وذلك في إطار محاولات إسرائيلية متمثلة في التحريض والملاحقات البوليسية والمخابراتية لإشعار بقية الشركاء في المشتركة أن التجمع عبئا عليهم.

والحقيقة هي أأن التجمع هو الأكثر وضوحا في توجهه الديمقراطي الإنساني في مواجهة العنصرية الصهيونية والكولونيالية، ومن أجل مساواة كامله.

من المفروض أن تشكل وحدة المقدسيين، الرائعة، والتي جسّدت قدرا كبيرا من الجدية والمسئولية والعمق والجرأة ونكران الذات مصدر إلهام لسلوكنا، ووازعا أخلاقيا أمام أي انحدار نحو أخطر أشكال الخراب: الفئوية العمياء والذاتية القاتلة (ذاتية القيادات).

نحن مدعوون إلى التعلم من هذه التجربة المقدسية الشعبية الناجحة، مضافا اليها تجربة مقاومة برافر، أي كيف نصنع حراكا شعبيا متواصلا دون توقف ولأيام متتالية، في إطار نضالنا من أجل وقف هدم البيوت ومصادرة الأرض والتحريض علينا، ووقف جرائم الشرطة ضد المواطنين العرب.

في ظل ذلك، نحتاج كهيئات تمثيلية وكأحزاب ومنظمات مجتمع مدني وطلائع الأجيال الشابة الواعية إلى حوارٍ شاملٍ وبأسرع ما يمكن. نحتاج إلى حوار وطني حقيقي لمراجعة ما نمر به على المستوى الداخلي، ونُقيم ما يتصاعد من أخطار كبيرة صادرة عن المؤسسة الصهيونية ضدنا وضد شعبنا ككل، لأن الأخطار القادمة حقيقية ووشيكة.

إن هذا الحوار يجب أن يعيد تحديد المنظومة الأخلاقية التي تحكم سلوكنا تجاه بعض، وتحدد القاسم المشترك السياسي والوطني، والأهم استراتيجية العمل وأهدافه. صحيح أن الأحزاب نفسها، دون استثناء، تحتاج إلى حوارات داخليه عميقه تمس الرؤية الاستراتيجية، لا القضايا الحزبية واليومية الحارقة فحسب، لأن حوارات من هذا النوع تفيد الجهد الوطني العام خاصة عندما تتكلل في توطيد الحزب وتقوية دوره الوطني.

ولكّن الحوار بين الأحزاب وبمشاركة كل فئات شعبنا، الاجتماعية والشبابية والمثقفين والمختصين، بات حاجة ملحة. وهي في الحقيقة يجب أن تصدر عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، وأن يدعو إليها السيد محمد بركة، رئيس اللجنة، وإذا تعذر، فلتأت هذه المبادرات من الميدان.

أما لجنة الوفاق، فإن الجميع ينتظر منها موقفا واضحا وحازما لا لبْس فيه، وستتحمل هي أيضا جزءًا من المسئولية الأخلاقية.

فهل يتحقق ذلك قبل أن نشهد انتكاسات خطيره قد تنتهي بشرخ عميق ونفور شعبي من السياسة؟ لا زلنا نعول على العُقّال في المشتركة وفِي لجنة المتابعة، وممن يدركون حجم المسئولية الملقاة على عاتقهم تجاه حاضرنا ومستقبلنا.

حوار وطني شامل... ملح وعاجل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018