خمسُ ملاحظات في التوظيفات في المؤسسات العامة: مدير لثانوية كفر قرع مثالًا

خمسُ ملاحظات في التوظيفات في المؤسسات العامة: مدير لثانوية كفر قرع مثالًا

د. تغريد يحيى- يونس

يدور منذ أيام نقاش محتدم في المواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي وفي جلسات واجتماعات الناس العاديّة والأسبوعيّة (تزامن أن يكون يومه الثاني الجمعة)، والموسميّة (زيارات توديع الحجاج) والمبادر إليها، حول تعيين مدير جديد للمدرسة الثانوية كفر قرع والذي نشر الخبر عنه الخميس الماضي 17 آب، 2017. لأول وهلة يمكن الظنّ أنه نقاش محليّ يقتصر على حدث مبتذل.

بفعل النقاش على هذه الخلفيّة طفت على السطح قضايا جوهريّة بعضها في صميم اهتمام الداخل الفلسطيني، وبعضها غائب عن بعض شرائحه وبعضها مسكوت عنه.

خمسُ ملاحظات على التوظيفات في بلداتنا العربية وقضايا جوهريّة تثيرها أوردها هنا في عجالة وعلى نحوٍ منفصل لغرض عرضها، رغم أنها في الواقع تنجدل على نحوٍ متماسك. ترتيب ورودها لا يعبر بالضرورة عن تدريج أوليّتها أو أولويّتها أو أهميّتها.

التوظيف: إسناد وظيفة أو حيّز إجتماعيّ معين في المؤسسات الجماهيرية لشخص معيّن يعتمد على المناقصة أو التعيين وهو مشروط بتوفّر معايير وشروط فيه/ا. في النهج الديمقراطي، بين هلالين مزدوجين أو دونهما، المعايير والشروط تحصيليّة الطابع، وعلى رأسها التعلُّم والاختصاص في أطر رسمية مُجازة، وبدرجة ما تبعًا للوظيفة أو المنصب، والتحصّل على الشهادات وإرفاق المستندات الرسمية التي تبيّنها، والمؤهلات والكفاءات والخبرة العمليّة. يضاف إلى ذلك الحصول على مصادقات وتوصيات من مصادر ذات أهليّة وصلة تشير إلى تجربة الشخص وشخصه. وثمّ تقويم الشخص المتقدم/ة أو المرشح/ة للوظيفة بواسطة مثوله أمام لجنة مختصّة (آلية المقابلة للقبول للدراسة والعمل والمنح وغيرها).

تَوَفّر الشروط والمعايير الأوليّة هو شرط أوليّ للعبور للمرحلة التالية من مراحل التقدّم للوظيفة أو الحيّز المراد إشغاله، ولكنه في الوقت نفسه لا يفترض توفّر الشروط والمعايير المتّصلة بالتجربة العمليّة والحياتيّة ذات الصّلة ومجمل شخصه الجماهيري. في نهاية الأمر يتم توظيف الشخص الأكثر كفاءة، والأجدر بالوظيفة والأقدر على القيام بمتطلباتها لما فيه خدمة الصالح العام، بغض النظر عن عنصره وقوميّته وطائفته وعائلته ولونه وطبقته وجنسه وغيرها من انتماءات.

في سياقات معينة كسياق سياسات التمييز العنصري وبشكل مغاير سياسات "التفضيل المصحّح" ثمة اشتراط إضافي في الانتماء العِرقي (العنصري/القومي/الديني/الطائفي/بلاد الأصل) أو الانتماء الجنسي.

الشفافية: مبدأ أساسي في عملية إسناد الوظائف هو علنيّة ما يتصل بالمنافسة على الوظيفة أو المنصب أو التعيين من شروط ومعايير، ومرشحين، وجهات وأفراد متداخلين، وإجراءات، ومواعيد بدءًا من إعلان المناقصة، مرورًا بسيرورة وسير العملية التنافسية وانتهاءً بنتائجها، حيث يعلن عن النتائج مرفقةَ بالاعتبارات والمسوغات وتفاصيل أخرى تفسر سبب وقوع الخيار على الفائز/ة.

تضمنُ الشفافية وضوحَ الأمور والانضباط للقوانين والقواعد، ولذا بين الشفافية والفساد علاقة عكسيّة، فكلما ارتفعت درجة الأولى قلّت احتمالية الثانية، والعكس صحيح.

السلطة المحليّة، الخدمات، المصالح المشتركة والصالح العام:

يتركز في السلطات المحلية كمّا كبيرًا من الخدمات والموارد الأساسيّة التي تتعهد تقديمها للجمهور الأوسع في مناطق نفوذها، وتعتبر المشغّل الأكبر للمواطنين العرب، وتقع المصالح العامة والصالح المجتمعي ومن ثمّ الجمعي بين يديها. وفي حالة المواطنين العرب في إسرائيل وأمام إشكالية مكانتهم فيها والتمييز ضدهم وصعوبة مناليّة الموارد على مستوى الدولة، تتصاعد أهمية السلطة المحلية وتتعاظم مسؤوليتها.

جهاز التربية والتعليم: كل المرافق والموارد والخدمات التي تديرها السلطات المحلية أساسية ومهمة، لكن أهمّها جهاز التربية والتعليم. ليس فقط لأنه شموليّ ونافذٌ، بمعنى أنّه يكاد لا يفلت من الدخول إليه فرد ومن التأثر به. إنه الجهاز الأهم لهندسة المجتمع.

تتم هندسة المجتمع في البرامج التعليميّة والتوجّهات والأساليب الفكريّة والتربوية والطاقات البشريّة العاملة في جهاز التربية والتعليم، من قاعدته إلى رأسه. هذه مجتمعةً تهندس الناس والمجتمع في كلّ باب قد يخطر بالبال: باب المعرفة العلميّة وهو أوضحها وأبسطها، وأكثرها قابليّة لإيجاد بديل له، والباب القيميّ والخُلُقيّ، وباب التوجّهات المهنيّة المستقبليّة، والتطلعات المجتمعية والمدارك المختلفة الأخرى وغيرها.

ليس عبثَا أن تحاول الدولة السيطرة على جهاز التعليم، فهو آليّة الضبط والرقابة، وجهاز الهندسة الأنجع. وتتفاوت الدول في مقادير ذلك تبعًا لنوعيّة الحكم وسياقات تاريخيّة ومجتمعيّة أخرى. في ذات الوقت، تتصارع القوى المجتمعيّة الداخليّة فيها، بما فيها الأقليّات، على التأثير على جهاز التربية والتعليم، وجعله آليّة للتصدّي والتغيير.

وإذا كان رأس جهاز التربية والتعليم العام والبرامج التعليميّة وحجم الملكات والميزانيات خارج سيطرة السلطات المحلية العربية، فمن الأوْلى أن تتمسك بالمتاح لتصرفها وهو القوى البشريّة العاملة ونوعيّة العمل حسب الأسس المذكورة. أن تتمسكَ به مدفوعةً بالحرص على المصالح المشتركة والصالح العام الجمعيّ.

توظيف مدير في المدرسة الثانوية كفر قرع:

السلطات المحليّة هي المشغل الأكبر للموظفين والعمال، وفيها تتركز وظائف مرموقة نسبيّا. ولها صلاحيّة أكبر في تحديد من يكون مديرًا/ة في المدرسة الثانوية الحكومية مقارنة مع صلاحيّتها في المدارس الأخرى وفي المراحل الأخرى. هذه الصلاحيّة ينبغي ألّا تتضارب مع الصالح والمصالح العامة للبلدة والمجتمع العربي، وألّا تضربها تحت أي مسوّغ كان.

النقاش الراهن موجود عمومًا في الخلفيّة دائمًا، لكنّ تعيين مديرٍ للمدرسة الثانويّة كفر قرع وظروفه العينيّة جعلت النقاش يطفو بشدّة، ويستحضر الملاحظات الواردة أعلاه من سيْرورة وسيْر وإجراءات وكيفيّة ونتيجة، ويضيف عناصر قديمة-جديدة للصورة وللنقاش ولتقويم الأمور وتبِعاتها. بعيدًا عن الشخص الشخصيّ للشخص المعيّن، واحتسابًا لثقل الأمانة الملقاة على رئيس السلطة المحليّة والأهالي والجماهير، ووازع الضمير، وإيمانًا بإمكانيّة وفرصة العودة إلى جادّة الصّواب، ومن منطلق الاستقامة والحُرقة على الصالح العام لبلداتنا ومجتمعنا، لا بدّ من ردم الهوّة بين النموذج السويّ للتوظيفات ومعالم الحالة قيد البحث وسواها.

غابت الشفافية: السلطة المحليّة لم تعلن ولم تكشف ما يتصل بهذا التعيين مما ذكر في النقاط آنفة الذكر، واكتفت بخبر مقتضب للغاية يُعْلِم الجماهير بالتعيين. كما أنّها لم تكشف عن عناصر التعيين من سيرورة ومشاركين وإجراءات، ولم تقدّم "الفائز" لأهل البلدة والجمهور ولم تعرّف به كما يجب، لا في الخبر ولا في موضع غيره. سأعود لهذه النقطة.

أساسًا "المناقصة"، كما تتّضح، لا تجيب على تعريف المناقصة. لم يتمّ الاعلان عنها في الوسائل المتاحة ذات المناليّة للجمهور المعني من مرشحين ومرشحات كامنين، وطلاب وأهالي، وسكان البلدة والبلدات المجاورة ممن يتلقون الخدمة و / أو قد يتلقونها، وعلى مدار مدة تتيح ذلك. رغم مكانة صحيفة "الاتحاد" تاريخيّا لدى الجماهير العربية، يحضر السؤال ما هو رواجها بينهم، وبين سكان كفر قرع تحديدًا؟ وكم بالحريّ عند الحديث عن صحيفة "معاريف"، والتي زُعم بأن إعلان المناقصة نشر فيها أيضًا، ليتوفر الغطاء القانوني الذي ينصّ على الاعلان عن المناقصة في صحيفتين، عربيّة وعبريّة. لم يعلَن عن المناقصة في الوسائل المتاحة: الموقع الأوسع انتشارًا في كفر قرع والمنطقة، ودخول أحدهم /إحداهن إليه يحوّله/ا وكيلًا لإيصال المعلومة لآخرين. والأهم من ذلك أنه الموقع الذي يتواصل عبره المجلس المحليّ مع المواطنين والجمهور للتّهاني والتّعازي والدعوة لدفع ديونهم لقسم الجباية، ولنشر الأخبار والتقارير حول المشاريع والزيارات والفعاليّات والانجازات وغيرها.

كيف يفهم الجمهور أن المناقصة لأهم مؤسسة تربويّة-تعليميّة لم ينشرها المجلس في الموقع الأكثر متاحًا لهم؟ ويصبح السؤال أقوى عندما وبشكلٍ متزامنٍ لا يُعلَن عن المناقصة في الموقع الالكتروني الخاصّ بالمجلس المحليّ نفسه، ولا في منشورٍ ورقيّ يعلّق على لوحات الإعلانات في أروقته وعلى لوحات الإعلانات في المؤسسات العامة الأخرى في البلدة، والمدارس على رأسها، رغم العطلة (هل من المنطقيّ أن يتم تعيين مدير لمدرسة أسبوعين قبل نهاية العطلة وافتتاح السنة الدراسيّة؟!). مدهش التكتّم على المناقصة لدرجة أنه لم يتداولها النّاس شفويّا حتّى. كلّ هذا ينافي تعريف المناقصة وأصولها ويجافي الشفافية.

المدير المعيّن:

الجيش والتربية والتعليم: فيما عدا اللقب الأكاديمي والاسم الثلاثيّ والبلدة، "الدكتور إيال فايز عسيمي إبن دالية الكرمل"، لم يُعرّف الخبر بالمدير المعيّن، في أحسن الحالات لم يقدّمه للجمهور بصورةٍ كاملة، وفي أسوئها لم يقدّمه بأمانة فيما يخصّ شخصه الجماهيريّ ذي الصّلة، وفيما يتعلق بمعلومات فارقة تتّصل بجوهر الوظيفة التي عيّن فيها. النقطتان الفارقتان هنا هما تجربته العسكريّة وتجربته المهنيّة. كلّ من يحرك مفاتيح المصادر الإلكترونية بالعربية والعبرية يصل إلى معلومات مفادها أن تجربة المدير المعيّن العسكريّة هي عنصر مفتاح في تكوينه. خدم في الجيش بحكم قانون التجنيد الإجباري المعروف للشباب العرب المعروفيين.

ليس الحديث عن خادم في الجيش الإسرائيلي قسريًّا، تحوّلت مداركه تحوّلًا كبيرًا بعد تسريحه من الخدمة الإجبارية، ولا عن رافضٍ للخدمة العسكريّة، يضعه في مصاف إخوان له ولنا من الدّروز. لن أخوض في أثر الجيش في صقل شخصية المجنّد/ة وإدراكه/ا لهويته/ا ورؤيته/ا ورؤاه/ا ووجهات نظره/ا للأمور وتطلّعاته/ا والمنظومة التي يخدم/ تخدم. وكم بالحريّ حين تتجذّر هذه فيه فيربط في تصريحاته ربطًا صريحًا بين تأديته لوظيفة مدير مؤسسة تربوية-تعليمية وبين التزاماته للجيش والعسكرية.

أما تجربته المهنيّة فهي إشكاليّة في أدنى تعبير. إذ ناهيك عن الخلط والتشابك المتين بين خدمته العسكريّة وتأديته وظيفته مديرًا لمؤسسات تعليمية مختلفة، في دالية الكرمل وبلدات أخرى، ففي كل مؤسسة لم يطلْ بقاءُه في الوظيفة، وليس بمحض خياره.

في السّياق العام المشحون والمأزوم، تعيين شخص ذي خلفيّة عسكريّة ومهنيّة إشكاليّة لوظيفة غاية في الحساسيّة في مؤسسة عامة في المجتمع العربي وفي مجال التربية والتعليم تحديدًا، ليس أمرًا يمكن المساومة عليه. يمكن أن "يُكافأ" هذا بوظائف في المحيط والبيئة التي تتساوق مع خلفيّته. فيما عدا ذلك، التعامل مع أناس في بيئتنا ممن مرّوا بالتجربة قسريّا أو طواعيّة هو خيار شخصيّ محض. يمكن أن نشغلّهم في مصلحتنا الخاصة، وأن نتّخذهم أصدقاء مقرّبين، وأن نناسبهم، إن شئنا، كلّ حسب قناعاته. لكنّ ثمة بوصلة جمعيّة لا حياد عنها في تصريف الشؤون العامة.

التوظيف والعنصريّة: مبدئيّا وفي وضع ديمقراطيّ "طبيعيّ" وسويّ، لا علاقة بين هوية من يفوز بمناقصة على وظيفة جماهيرية ما وبين ديانته، طائفته، لونه، عائلته، جنسه والبلدة مسقط رأسه، كما أسلفت. وغير ذلك، نهج عنصريّ. للعنصرية بين ظهرانينا تجليات لا تقتصر على ظرف التوظيف، وإنْ كنا بتقديري الأقل إصابة بها ممن حولنا من الشعوب العربيّة لسياقات تاريخيّة أنتجت الشيء وضده. وليس هذا عزاء. جميعنا كلٌّ واحدٌ، إخوة وأخوات، ننبذ التفرقة والتفتيت ونمقت التوزيعات الانتمائية المؤسساتية، والاعتبارات المحليّة. لأنها بكل بساطة منافية للحسّ والتّوجّه الوطنيّين.

وفي الحالة التي أمامنا، ليس كون المدير مسلمًا أو مسيحيّا أو درزيّا أو غير معروف الديانة أو رجلًا أو امرأة أو من البلدة أو من غيرها هو موضوع الاعتراض هنا أو محور النقاش المحتدم. التجربة الحياتيّة وما تُكسِب الشخص من منظومات فكريّة وتوجّهات ورؤية ورؤيا هي التي على المحك.

فأي نموذج مدير/ة نريد في مدارسنا، والثانوية بالذات؟ وأي توجّه قيميّ وأخلاقيّ نريد؟ وأي نظام ومنظومة ومضامين في المدرسة؟ وأي جيل/أجيال نريد أن ننشئ؟ ولأي الغايات؟ وما هي وجهاتهم وما هي حزمة الخيارات والمشاريع التي سينكشفون لها؟ أي هويّات نمكّنهم أن يطوروا؟ وأي مستقبل قريب وبعيد ينتظرهم وينتظر مجتمعهم العربي في البلاد؟ ولصالح أي جهة أو جهات تسير الأمور كما تسير؟

الإجابات الصادقة الأمينة على هذه الاسئلة كفيلة بأن تحسم المسعى لكلّ جهة ذات صلة، وأوّلها السلطة المحليّة ورئيسها، والأهالي والطلاب واللّجان المختلفة والجمهور. بإمكانكم اختيار عسكرة المدرسة الثانوية وصهينتها وخسف مستواها التربويّ والتعليميّ أكثر، والأرضيّة خصبة ومهيّأة لذلك (لن أعرض لها هنا لضيق الرقعة)، وعمومًا خيرة الطلاب يهجرون مدرسة كفر قرع الثانوية في العقدين الأخيرين لأسباب تدرونها. والحقيقة أن هذا الخيار في التوظيف الراهن وفي سواه من توظيفات وبكلّ المستويات، والحياد بأيّ شكل من الأشكال عن النظم النموذجيّة المفصلة أعلاه، سيكون مجافيًا لاعتبارات الصالح العام والمصالح الجمعيّة لكفر قرع، وأي بلدة، والمجتمع العربي، وستحركه في أي تقدير مصالح شخصيّة وفئوية ضيّقة تلتقي مع مصالح مؤسساتيّة دولانيّة (تابعة لمصالح الدولة وغاياتها) وإقليميّة. عندها ستكون اللعبة أكبر حجمًا وتبِعاتها أخطر أثرًا مما قد تذهب إليه مخيّلة من يفكرون بالمنطق المحليّ وحسب.

على خلاف ذلك، بإمكانكم، وبذرتكم طيّبة ومعزة كفر قرع وثانويّتها، وأي بلدة عربية ومؤسساتها، عميقة في نفوسكم، أن تحوزوا على ثقة الطلاب والأهالي والجمهور بمساعيكم لاسترجاع عزّ ومجد المدرسة الثانويّة وكفر قرع إجمالًا وأن تعيدوا ثقتهم بها، فالغالب الساحق يتوق لذلك.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية