هل نحن أمام انتحار القائمة المشتركة؟

هل نحن أمام انتحار القائمة المشتركة؟

عوض عبد الفتاح

ترددتُ كثيرًا قبل البوح بهذه الاحتمالية السوداء المستندة إلى قراءه أزمة القائمة المشتركة المستمرة. كنت في السابق أتوخى الرحمة بالناس الذين يحتاجون دائمًا إلى خطاب أمل حتى حين يبدو هذا الأمل وهمًا، خاصة في مرحله اشتداد الأزمات. تعودّتُ، كناشط قديم في الحركة الوطنية، على تضمين ما أقول وما أكتب شحنات دائمة من الأمل والتفاؤل، لدرجه كنت أبدو أحيانًا للبعض، وخاصة للأكاديميين، ساذجًا في التفاؤل. وفي الأونة الأخيرة، يسألني البعض، من أين تأتي بهذا التفاؤل؟ والحقيقة أنه انعكاس للألم الذي نعيشه جميعا، وللدافع، شبه الغريزي، للتحرر منه.

تعلمنا من القيادات السياسية الكبيرة والمفكرين ومن تجارب القوى والحركات الثورية، وكذلك من تجاربنا العملية، كيف نعض على آلامنا وكيف نخفي إحباطاتنا، ونحولها إلى طاقة دائمة من العمل والتحدي، ومواصلة التسلح بالفكر التحرري. تعلمنا أيضا الكثير من آليات العمل السياسي والشعبي لصنع التغيير، ولا زلنا نتعلم ونبحث في حركة الناس، وفي بطون الكتب عما يُسعفنا في عملية البحث المضني عن الحرية وعن المعنى، وتشربنا من القراءة، والتعلم الميداني من الناس، أن السياسة هي إدارة الشأن العام والتضحية من أجل المجموع، وتحقيق أكبر قدر من السعادة والأمن للفرد – الإنسان، وللشعوب. وفِي زخم الانخراط المتزايد في التجربة الحزبية نكتشف أن لا مثاليه في السياسة، ولا أحد معصوم عن الأهواء، وأن الناس حتى من حاملي لواء التغيير مختلفون، ليس في توجهاتهم فحسب بل في طباعهم ودواخلهم ونوازعهم. ولكن في الوقت ذاته تأكدنا أن تجريد السياسة من الأخلاق، وممارستها عارية من القيم يقود إلى نتائج عكسية، بل إلى كوارث في حالات معينة، وتتحول السياسة من رسالة إلى وظيفة. وتصبح الانتهازية من المظاهر التي تنمو في العمل السياسي والحزبي. إذ تتضخم الذات والأنا، وتصبح مدمرة اذ لم يتم لجمها بآليات دستورية داخلية، مع أن الوازع الأخلاقي الشخصي هو الأهم.

في العمل السياسي يقع السياسيون في الأخطاء، وهذا أمر طبيعي. ويجري التفريق بين الأخطاء غير المقصودة، وبين الممارسات المدفوعة بالذاتية القاتلة. لا يوجد أي نظام رسمي، ولا أي حركة سياسية، دينيه كانت أو قومية أو يسارية أو لبرالية، بمنأى عن هذه الظواهر. إنها صفة إنسانيه عامة، ولكن المؤسسات والحركات السياسية تضع أنظمة داخلية لإدارة الصراعات، ولجم الجموح الذاتي. ويحتاج المرء بين الحين والآخر إلى الخلوة الفردية، ومراجعة الذات، خاصة إذا كانت لا تزال لديه الحمية والدافع الداخلي لمتابعة واستئناف مساهمته في عملية التغيير والتحرر.

لقد طورت البشرية في إطار تجاربها السياسة الحديثة، آليات لردع الحاكم، أو الطبقة الحاكمة، ومراقبة سلوكهم للحد من جموحهم وتغولهم على الشعب. وغياب هذه القيود على الطبقة الحاكمة، هي وصفه للجمود، والانحراف، والوقوع في المحظور. وهناك دول كاملة انهارت لغياب هذه الآليات الحديثة لكن ليس قبل أن تُحدث أنظمتها دمارًا كبيرًا، في حين نجحت دول حديثة أخرى في البقاء والتطور، وفي ضمان النمو الاقتصادي والصناعي والحضاري، بفضل وجود أليات إعادة إنتاج السلطة بطريقه ديمقراطية.

وتنطبق ظواهر التآكل والشيخوخة المعنوية والفكرية أيضًا على الأحزاب، حتى تلك التي تعمل في وسط شعب يخوض نضالا تحرريا، والساحة الفلسطينية شاهدة على ذلك. نعم هناك دول وأنظمة، تنجو لعشرات السنين أحيانًا، ليس بفضل آليات الديمقراطية ولكن بفضل أنظمة الرقابة الشديدة، والتحكم بالشعب، وبوكلاء التغيير، كالأحزاب والحركات والمثقفين. فليست الديمومة (النسبية) دائمًا دليل عافيه وقوة، إذ تكون في كثير من الأحيان على حساب الإنسان والمجتمع وقد شهدنا النتائج الكارثية لهذا الاستبداد. إن آليات التجديد والتغيير والتحديث هي عوامل حيوية بل وجودية للدول والأجسام السياسية والمؤسسات المهنية.

فلسطينيو الـ48 وأحزابهم

مرت أربعه عقود منذ النكبة الفلسطينية الكبرى، قبل أن تصبح الساحة الحزبية لفلسطيني الـ48، ساحة متنوعه سياسيًا وآيديلوجًيا. يعود ذلك إلى نظام التحكم والسيطرة الذي اعتمده نظام الأبارتهايد الكولونيالي الإسرائيلي، وهو نظام تميز عن نظيره الجنوب أفريقي من خلال منح حق التصويت لمن بقي داخل حدود الجديد من الفلسطينيين دون السماح لتيارات قومية مستقله بالعمل السياسي وبخوض الانتخابات للكنيست. كان التطهير العرقي وطرد غالبيته الساحقة للفلسطينيين من داخل حدوده وتحويله إلى أقلية، شرطًا صهيونيًا لتجنب فرض نظام فصل رسمي، ورغبة بتكريس الادعاء بأن إسرائيل جزء من المنظومة الغربية (الاستعمارية) وأن الغزو هدفه تمدين الشعوب الأصلية "المتخلفة"، ذلك أن الحركة الصهيونية اختارت، منذ البدء، بوعي وعن سبق إصرار، أن تكون جزءا من المنظومة الاستعمارية الأوروبية. إن إسرائيل ما كانت لتقوم ولا أن تستمر لولا هذا الدعم الاستعماري الظالم.

شكل هذا التنوع السياسي والآيديولوجي لفلسطيني الـ48، مصدر إغناء وتوطيد لتجربة الصمود في الارض، وللتجربة السياسية لفلسطيني الداخل. وكان العامل الأساس في إغناء التجربة هو إطلاق نقاش سياسي تنامى واشتد وتوسع، منذ السنوات الأولى بعد النكبة، حول كيفية مواجهه نظام الأبارتهايد الجديد في الوطن. بدأ في الخمسينيات، بين الحزب الشيوعي الإسرائيلي وحركة الأرض المحظورة، ثم الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بين الحزب وحركة أبناء البلد، ومن ثم مع الحركة الإسلاميه، ولاحقًا بين الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحزب التجمع الوطني الديمقراطي. بطبيعة الحال، فإن الحروب العدوانية التي شنتها إسرائيل ضد العرب والفلسطينيين، وكذلك ظهور ونمو الحركة الوطنية الفلسطينية، كان له الأثر الكبير في تكوين الوعي السياسي الوطني لآلاف الشباب، والناس عامة. دلت التجربة، إنه لا يمكن أن تُطور الحركة السياسية داخل الخط الأخضر ملامحها الوطنية، بدون خوض المعارك السياسية والآيديلوجية ضد مخططات نظام القهر، وبدون خوض نقاشات جدية بين الأحزاب المتنافسة المنتمية لنفس الشعب. هناك أحزاب همشت الوطنية الفلسطينية لحساب وطنية إسرائيلية غير موجودة. لذلك كان لا بد من تحدي أطروحات الذين ينطلقون من الوطنية الإسرائيلية، ومن المفهوم المشوه للأممية. وكل مراقب موضوعي يلاحظ التحولات، وإن كانت غير كافية، التي حصلت على أطروحات هذه الأحزاب، نحو الوطنية الفلسطينية.

في المقابل هناك حركات سياسية، أولت الأهمية للتربية الآيديولوجية والعمل الخيري. وعلى أهميتها ودورها في إسناد الناس ماديا وروحيا، فإنه جاء على حساب التربية والتثقيف السياسيين. أي أن هذه الحركات لم تُولِ اهتمامًا جديًا وإستراتيجيًا لتربية الأعضاء والكوادر على كيفية التعامل والرد السياسي والعملي القوي على ممارسات المؤسسة الصهيونية ضدها. أو على كيفية تحديد موقف من خطه اقتصادية أو تطويرية (وهمية) تجاه مجتمعنا، أو حضور مراسم إسرائيلية تتماثل مع رموز صهيونية. مثل حضور جنازة مسؤول إسرائيلي، أو غيرها من المواقف. وأيضًا بخصوص الموقف من يهودية الدولة ورموزها وضرورة التعامل معها كمصدر التمييز والفصل العنصري، ومصدر الفجوات الواسعة، الاجتماعية والاقتصادي، والتعليمية، وبالتالي ضرورة التربية على مناهضتها بصوره منهجية، والتجرؤ على فضح ذلك في كل فرصة إعلامية حتى لو أثار غضب المؤسسة الصهيونية عليك. لقد تمكنا، كفلسطينيين، عبر نضال عشرات السنين من التحول من بقية باقية صغيرة في الوطن إلى أقلية كبيرة لها ملامح مجتمع وشعب ضاربه جذوره في التاريخ والأرض. وفي إطار هذه التجربة السياسية صُغنا برامج مشتركة تمثل القاسم المشترك كمرجعية سواء للجنة المتابعة العليا، أو للقائمة المشتركة، ترسخ هويتنا الجمعية، وتؤطر رفضنا للمبنى اليهودي الصهيوني لإسرائيل، طارحين شعار دولة المواطنين، التي تشمل مطلب الاعتراف بالمساواة الكاملة على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.

العمل الوطني المشترك ارتقاء بالسياسة

حين تنتقل أُمة أو جماعه قومية رازحة تحت اضطهادٍ قومي أو اجتماعي، من حالة التشتت إلى حالةٍ من العمل المشترك في إطار جبهة موحده، أو إطار واحد، يعني تطور الوعي الجماعي والارتقاء بالعمل السياسي وليس العكس، والأطر المشتركة تشترط إعلاء القيمة المشتركة العليا على المصلح الفئوية والشخصية. إن نجاح هذا الانتقال مشروط بوعي تناقضات الواقع الإسرائيلي، هذه التناقضات التي في غياب فهمها فهمًا عميقا تتحول إلى قوة تدميرية بدل تحويلها إلى قوة بناء لهويتنا الوطنية. أي لا يجوز أن نُغفل أو نتغافل عن حقيقة خوضنا التجربة البرلمانية في إطار المواطنة الإسرائيلية والقانون الإسرائيلي، وأن التنافس هو على مقاعد برلمان النظام الذي نحاربه، والذي يشكل أغلبية يهودية صهيونية معادية.

ما كان مأمولًا من "القائمة المشتركة"، هو أن تتحول إلى أداه سياسية متقدمة في مواجهه نظام الأبارتهايد من داخله، بشرط أن تتولد عنها دينامية فكرية وميدانية خارج مؤسسته التشريعية، أي على الساحة الشعبية. ولكن سلوك بعض مركبات القائمة يشير إلى عدم تذويت هذه الحقائق. والسؤال الذي بات يطرق ذهني، هل كان في الأصل ممكنًا تحقيق هذا الأمر من خلال القائمة المشتركة، ما عجزنا عن تحقيقه في لجنه المتابعة العليا غير المحكومة مباشرة بالقانون الإسرائيلي. والأخيرة هي لجنه تنسيق طوعية يحكمها دستور داخلي صاغه الفلسطينيون أنفسهم وليست بقانون إسرائيلي، تطمح لأن تصبح قيادة وطنية منتخبه مباشره من الناس، وتتوج مرحله متقدمة نحو حق تقرير المصير.

كنت، كما حزبي التجمع، من الداعين والمنظرين للقائمة المشتركة لسنوات طويلة. ليس بهدف تحقيق مقاعد أكثر، وإن كان هذا هدفًا مشروعًا، بل لحماية مجتمعنا الفلسطيني من الانقسام والتشتت في ظل حالة التشظي الفلسطينية العامة والعربية. كانت الفرضية تقول إنه على الرغم من قبول بعض الأحزاب فكرة القائمة المشتركة على مضض، إذ كانت تناهضها أيدلوجيًا، في حالة الحزب الشيوعي، أو فئويًا، في حالة حركة العربية للتغير، فإن خروج الفكرة إلى الترجمة العملية كان يُفترض أن تولد ديناميات أو اتجاهات تطورية نحو توطيد الرؤية الوطنية الشاملة وتأطير الفلسطينيين ومأسسة الحقوق الجماعية. ولكن ما يحصل منذ ثلاثة أشهر، من تهرب من تنفيذ اتفاق التناوب، هو أمر عبثي وغير معقول. هل يعقل أن يدفع البعض بإلقائهم المشتركة إلى الانتحار، وتبديد إنجاز ظهر استثنائيا في إيجابيته، في ظرف التشرذم والانقسام.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل كان واقعيا أصلا التعويل على قائمة برلمانية وتوقع دور نوعي منها، أو بالأحرى من بعض مركباتها، في توطيد ومأسسة الوحدة الوطنية، في الوقت الذي تتعثر الجهود في تحقيق هذا الهدف، في إطار وطني من المفترض أن يُمثل الفلسطينيين في إسرائيل تمثيلًا مباشرًا، ألا وهو لجنه المتابعة العليا.

هناك من قال إن القائمة المشتركة أماتت السياسة. ولكن ذلك أيضا ينطبق على حد بعيد على لجنه المتابعة العليا. إن التهرب المعيب المستمر من واجب تنفيذ اتفاقية التناوب داخل القائمة المشتركة، لم يطمس حضور المتابعة فحسب، بل أيضا، وهو أمر محزن، وجه ضربة جديدة لمصداقيتها، إذ بات معروفًا رفض رئيس المتابعة والقيادي الجبهوي، السيد محمد بركه، تنفيذ التناوب (لأسباب غير مفهومة). وإذا أضفنا التعزية التي قدمها مع رئيس اللجنة القطرية، السيد مازن غنايم، بجنود الاحتلال، فإننا نُصبح أمام نكسة سياسية حقيقيه، بل أقول نكسة قومية. أي أن كل الآمال التي عُلقت بعد إجراء أول انتخابات داخليه للجنه المتابعة، وانفتاح نافذه أمل جديدة على إعادة بناء هذا الإطار الوطني، تتناثر في الهواء.

يُضاف إلى ذلك محاولات النائب أيمن عوده الهروب من إطار عربي وحدوي إلى إطار إسرائيلي ليبرالي صهيوني. وبدل تعزيز أطرنا العربية الوحدوية يجري التفريط بها. هكذا يترك أيمن عوده فلسفة "حركة الوعي الأسود" الذي يُحب أن يتحدث عنها بإعجاب، ويتخلى عن مصادر القوة التي أوصلته إلى ما وصل إليه. وبات معروفًا اجتزاء النائب عودة المراجع التاريخية التي يعتمدها في إطار سعيه الحثيث لتسويغ سلوكه السياسي غير السياسي وللتكيف مع مزاج أوساط ليبرالية صهيونية.

إن حركة "الوعي الأسود" هي الحركة الطلابية الشهيرة في جنوب أفريقيا، التي أسست نفسها على أساس الاعتماد على السود في الأساس، لتعزيز ثقتهم بنفسهم وبقدرتهم على النهوض والتغيير لإجبار نظام الأبارتهايد على التغيير. وتطورت هذه الرؤية وتم ترجمتها إلى إحدى أهم الحركات الشعبية التي قضت مضاجع الأبارتهايد في مقابل نقاش أقلية من النشطاء السود كانت تغالي في الاعتماد في الأساس على العناصر الديمقراطية والليبرالية من أوساط المستوطنين البيض.

من يتحمل المسؤولية عن هذا الانتحار الوشيك

يجب الإشارة والانتباه إلى إن الاستقالات التي حصلت حتى الآن لم تأت إلا بعد ضغوط كبيرة، وحملات إعلامية متواصلة عكست رأيا عاما مساندا لتنفيذ الاتفاق. ولكن هناك وهم لدى تلك الأحزاب أنه بهذه الاستقالات يمكن أن يخدعوا الرأي العام. وهو سلوك خطر ويفتقد إلى النزاهة والأخلاقية.

لقد اتضح من تطورات الصراع بخصوص اتفاق التناوب والتهرب من تنفيذه مدى رغبة الجبهة والحركة العربية للتغيير الاحتفاظ كل منهما بمقعد إضافي. إن مبرر الجبهة هو أن يكون للطائفة الدرزية تمثيل في الكنيست. ولكن لماذا يجب أن يكون على حساب حزب آخر وليس على حسابها إذا كان بالفعل هذا هو المبرر. أما الحركة العربية للتغيير، التي تزال إلى الآن حركة شخص، تزعم أنه يحق لها تواصل الاحتفاظ بمقعدين بناء على الاستطلاعات الموهومة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدلائل التي تتجمع تشير إلى الرغبة في عدم هضم حصول التجمع على أربعة مقاعد. إذ يدور خلف الكواليس ثرثرة بأن التجمع يعاني من تراجع في شعبيته وبالتالي لا يحق له هذا المقعد. لنفترض أن هذا التشخيص صحيح، والتجمع في كل الأحوال لا ينكر أنه يعيش صعوبات وتحديات كبيرة، إن كان على المستوى الداخلي وهذا يشترك به مع كل الأحزاب، وإن على كان على مستوى التهديد الصادر ضده من نظام الأبارتهايد الذي صرح أحد أقطابه، غلعاد إردان، وزير الأمن الداخلي، بأنه حان الوقت "لتصفية التجمع عن المشهد السياسي" كما فعل مع الحركة الإسلامية. ألا يفترض في هذه الحالة، التصرف بطريقة أخلاقية ووطنية وعدم تسهيل مهمة المؤسسة الصهيونية تنفيذ مآربها بحق أي حزب سياسي عربي؟ هل هو رغبه في الانتقام، أم رغبة في إضعافه، كونه حزب أثار من التحدي والجدل ما لم يُثره أي حزب آخر، سواء في مواجهه نظام الأبارتهايد الإسرائيلي أو في إطار التحدي الذي طرحه أمام الأحزاب السياسية العربية، خاصة فيما يتصل بتحدّيه المنهجي والأيدلوجي ليهودية الدولة وبمناهضته القاطعة للصهيونية.

إنه لعبثٍ فاضح أن يجرى كل هذا في ظل ما تمارسه إسرائيل ضدنا، وما يتكشف كل يوم من تهديدات صهيونية وجودية. وكأن البعض لا يستوعب التطور المرعب في الخطاب الإسرائيلي، وفي الدفع نحو تنفيذ سيناريوهات تهجيرية. إن النقاش الجاري اليوم داخل أقطاب المؤسسة الكولونيالية ليس بين من يريد دولة فلسطينية ومن يُريد بقاء الاحتلال، ولا بين من يريد أن يمنح المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مساواة وحقوق أكثر وبين من يُريد أن يكرس وضعهم الدوني. بل بين من يريد تكريس الفصل العنصري وحشد الفلسطينيين في معازل (سجون كبيرة) وبين من يريد اقتلاعهم من وطنهم، وإعمال الذبح فيهم إذا رفضوا ترك وطنهم طواعية.

لا تزال أمامنا فرصة لإنقاذ الأطر المشتركة، وأهمها لجنة المتابعة العليا. إن المتابعة أهم من القائمة المشتركة، إذ هي المؤسسة الفلسطينية العليا التي من المفروض أن تمثل وتنهض بفلسطينيي الـ48 نحو مرحلة سياسية وطنية ومهنية متقدمة تمثل تتويجا لتجربة البقاء والتطور والتحدي التي اجترحها هذا الجزء من شعبنا. ولجنة المتابعة العليا تعاني في الأصل من تعثر مشروع مأسستها، ومن تراجع خطير في دورها الشعبي، وما عاد مقبولا تأجيل هذه المهمة التي يجب أن تأتي إما عبر حوار حقيقي شامل، أو عبر الشارع.

لن يرحم شعبنا المسئولين عن فرط الأُطر المشتركة، وعن تبديد الأمل. لنتذكر هذا الشعب دائما، وقدرته على الفعل حين تحين الساعة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018