الحركات الطلابية في السياق الراهن

الحركات الطلابية في السياق الراهن

علي زبيدات

كان كافيًا، في العقود الأخيرة من القرن الماضي أن تضغط الحركات الطلابية في الداخل الفلسطيني أزرار النفير لنرى الجموع الغفيرة تنضم لنضالات التصدّي لمصادرة الأراضي ومنها يوم الأرض في سخنين أو لمقارعة كل صُنوف الأسرلة ومنها التصدّي بالمئات لزيارة شارانسكي في شفاعمرو وغيرها. لكن ما كانت عليه الحركات الطلابية سابقًا، بدل أن يكون ماضٍ قد تطور فعلنا السياسيّ بفعل دراسته، ومدى التأثير أصبح أكثر اتساعًا بفعل التعلّم منه، أضحى وللأسف الشديد، ماضٍ جميل نستذكره في أحلامنا لا أكثر، وأصبح العمل السياسي مُقتصرًا على دائرةٍ ضيقةٍ من جمهور الهدف. حلّ هذا التغيير لأسباب منها ما يقع في حيز تأثيرنا ومنها ما يقع خارجه.

جاء هذا المقال ليُحاول فهم مآلات التحول التي مرّت بها الحركات الطلابيّة العربيّة في جامعات الداخل الفلسطيني والحيثيّات التي رافقت فترات الصعود والنزول من الحضيض إلى القمّة ومن القمّة إلى الحضيض لتجسيد واقع مُعيّن نعنى في نقده وتفكيك مُسبباته، ملامسة جروحه وإصلاح عُطبه، خاصةً وأن الجامعات اضافةً لدورها في الإنتاج المعرفيّ، هي مُنتجة النُخب وقيادات المُجتمعات المُستقبليّة، وهي أوضح تعبير عن مُعتقدات وآمال الشعوب.

ولأنّ أكثر ما يؤرقنا هو ما لا طاقة لنا به، لا يُمكننا في تحليلنا للركود وتراجع العمل السياسي ألّا نقرأ تأثير ما يحدث في العالم العربيّ علينا، ومسح ضوئي تاريخي بسيط لهذه العلاقة كفيل لمُلاحظة هذا الارتباط الوثيق، فخطاب واحد لجمال عبد الناصر كان كافيًا لهبوط الحزب الشيوعي من ستة أعضاء لثلاثة أعضاء في انتخابات الكنيست، وايقاظ الروح القومية بفعل المدّ النّاصري ولّد الجبهة العربيّة الشعبيّة علم 1958 أمّا احتدام الصراع بين عبد الكريم قاسم الشيوعيّ في العراق وعبد الناصر القومي في مصر سبّب انفصالها بعد عامٍ واحدٍ فقط من تأسيسها، واذا ما وددّنا سوق المزيد من الأمثلة فانعكاسات الحرب الأهليّة في لبنان علينا في الدّاخل وضرب التيار القومي بعد هزيمة 1967 تفي بالغرض.
ومن هذا الباب لا يُمكنُنا ألّا نُعرّج على تأثيرات ما يدور حولنا في العالم العربي، فمع بداية ثورات الربيع العربي بدأ العمل الطُلابيّ يستعيد عافيته ونجاح جزئي لهذا الحراك كان كافيًا لإقناع الناس بجدوى العمل السياسي اذ رافق تلك الفترة ما سُمي "حراك برافر" لكن فشل التحوّل الديمقراطي أدى بالضرورة لانتكاسة بالعمل السياسي عامةً والطلابيّ خاصةً.

أمّا على المُستوى الفلسطيني، فالانقسام طويل الأمد بين حركتي فتح وحماس، والملاحقات السياسيّة المُنهكة للأحزاب التي تكلّلت بحظر الحركة الإسلامية الشماليّة وبالتالي حركة إقرأ الطلابيّة وملاحقة التجمّع واعتقال العشرات من كوادره والتحقيق مع المئات من مُريديه هذا عدا عن التراشق الإعلاميّ وحالة التّناكف شبه الدائمة بين الأحزاب العربيّة وتحويل كُل نقاش يُفترض أن يكون هادئًا، علميًا رصينًا إلى حالة اقتتال أشبه بالاقتتال القبليّ لم يَكُن مُشجعًا ولا دافعًا للانخراط في النشاط السياسيّ الحزبي.

كان هذا عرض للقابع خارج دائرة التأثير بشكلٍ كاملٍ أو جُزئي، لكن الماثل أمام ناظرنا والمُنتظر منّا إصلاحه وترشيده أكثر أهميةً.
إذ عابَ المشهد الطُلابي في السنوات الأخيرة -قبل إعادة إحياء اتحاد الشباب الوطني الديمقراطي (شبيبة التجمّع) وتفعيل الشبيبة الشيوعيّة في الفروع- غياب فاضح للكوادر الشبابيّة التي تثقّفت في الأحزاب وتربّت على العمل التنظيمي قبل الدخول إلى الجامعة، بفعل انشغال الأحزاب باهتمامات عديدة أخرى وتناسيها أهمية تأسيس الأنويّة الشبابيّة أو بذل المجهود في تثقيفها وتدريبها، أدى غياب أهميّة هذه الجُزئية عن تخطيطات الأجهزة التنظيميّة وضيق الافق إلى توليد حالة انحسار في عدد النُشطاء الطلابيين القياديين أو في حالات أكثر سوءًا، أدى لدفع نُشطاء اقل خبرةً ودرايةً، منهم من جاء من حزبه ومنهم حديث العهد الذي انضمّ في الجامعة إلى "المعمعان السياسي".

اضافةً لهذا، فإنّ العمل الطلابيّ الذي يليق بشعوب تحترم شبابها يحتاج لقرار سياسيّ، علامات غياب القرار السياسي تتمثّل بغياب مركّزين للعمل الطُلابي مُكلّفين من أحزابهم، شُحّ في الكتابة والجهد التنظيريّ والمراجعات النقديّة الجديّة وبؤس في التعاطي مع الأداء المؤسف.

كما ولا يجب أن يغيب عن مُداولاتنا عدم تفويت أي فُرصة من قبل الجامعات لضرب العمل الطلابيّ السياسي العربيّ ومسحه، كالتعديلات على الدّساتير الدّاخليّة التي تُجرّم النّشاط إلّا في ساعات محدودة هي تُقرّرها وفرض أماكن النّشاط كذلك، اذ يُحظر العمل في الأماكن النشطة وتخصيص أطراف الجامعات النائيّة لهذا الغرض واستصدار لوائح الممنوع والمسوح من العمل والنّشاط الجماهيريّ. وقد تعمّدتُ اعتبار هذا الحالة داخل دائرة التأثير لأنّ تحليلي المُتواضع يقودني لنتيجة حتميّة مفادها أنّ خُطوات جديّة منها تفعيل مؤسسات قانونيّة واعلاميّة وجاهزيّة لدفع ثمن مُعين خلال فعل المُقارعة والتحدّي كفيل بإلغاء هذه التعديلات ولجم من أتى بها. أمّا الأكثر خُطورة فهو المجيئ بمشاريع كثيرة غير هادفة اساسًا لاستنزاف الوقت، في الكثير من الجامعات بهدف خلق حالة إشباع واكتفاء عند الطالب، وهذا بحاجة لوضع خُطّة عمل مدروسة تعنى في تشكيل بديل لهذه المشاريع الوهميّة، خاصّةً وأنّ ظاهرة الفردانيّة القاتلة وتلبّد المشاعر ونفور النّاس عن العمل الحزبي باتت تغزو فضاءنا وتملؤه.

وفي سياق الحديث عن القابع داخل دائرة التأثير فأتفق وأختلف مع القول بأنّ غياب لجنة للطلاب العرب –التي ترفُض إقامتها جهة بعينها- موجود داخل هذا الحيز، لا شكّ لدي أنّ العمل التنظيمي المُمأسس وفق عمليّة انبنائية يُعطي دفعة نوعيّة للعمل السياسيّ، وأن تنظيم المُجتمع العربي قوميًا باتَ حاجةً ماسّة، ولكن افتقار أي تنظيم للبُنيّة التنظيميّة السليمة والأرضية الصلبة يرتد بنتائج عكسيّة قرأناها بوضوح في فترات سابقة وهذا ما يحتاج للكثير من الكتابة عنه وللأكثر من العمل والجهد الميدانيّ، لا سيما وأنّ لدي تفاؤلٌ كبير بإقامتها قريبًا.

نهايةً، على الرُغم من الحاجّة الماسّة للعمل سريعًا على ملامسة الخلل ومحاصرة مكامن الزلل إلّا أن الأجواء الإيجابيّة والتي يرافقها بعض الحدّة أحيانًا بين الأحزاب في الجامعات، والنوايا الطيبة الجليّة وانتقال عدد لا بأس به من النشطاء الشباب للعمل الطلابي والجهوزيّة عند الكثير من المُستقلّين والتي تحتاج لاستثمار سليم تُعطي دفعة من الأمل، إلّا أنّ الأمل يجب أن يكون مقرونًا بالعمل والعمل يحتاج لمسؤوليّة وطنيّة، وترفع عن عقليّة "منكم واليكم".

وكما هي دعوة للأحزاب لإجراء المُراجعات النقديّة المسؤولة، هي أيضًا دعوة للنُشطاء المُستقلّين المُلتزمين وطنيًا للانخراط في الهمّ العام ومواجهة الواقع في سبيل تحويله لآخر أفضل، إذ أنّ هذه الفترة لا تُعوّض البتّة، والشعور بترك بصمة وتحقيق إنجاز جماعيّ، مُختلف كُليًا عن أي إنجاز فرديّ قد يُحققه الإنسان على أهميته طبعًا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018