في وداع عبد المحسن القطان

في وداع عبد المحسن القطان

معن البياري

كانت مصادفةً طيبة أن يكون الفائزون بجائزة الكاتب الشاب في الشعر والرواية والقصة، في دورتها الماضية (الـ16) من الفلسطينيين كلهم، في الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة في 1948 والشتات، وهي الجائزة التي تمنحها مؤسسة عبد المحسن القطان، وتنتظم دوريا، ويحدّد الفائزين بها محكّمون عربٌ مختصون.

ومناسبة تذكّر تلك المصادفة أن صاحب الاسم الذي ترتبط هذه المؤسسة الناشطة والفاعلة والناهضة به، رجل الأعمال عبد المحسن القطان، نعاه الناعي أمس الاثنين، عن 86 عاما. وإذْ لم يترك الراحل مذكراتٍ أو سيرة منشورة له (ربما كتب شيئا منها ولم ينشر؟)، فإن الشواهد المضيئة في هذه السيرة حاضرةٌ في مطارح كثيرة في عموم فلسطين، وفي غير بلدٍ عربي، حيث المؤسسات الإنمائية والتربوية والثقافية والصحية والتعليمية التي أنشأها أو ساهم في إقامتها أو تمويل مشاريعها من العسير عدّها، وذلك عدا عن مائتي طالبٍ عربيٍّ، تنفق مؤسسة عبد المحسن القطان على تعليمهم سنويا، أما الشبان الموهوبون في فنون المسرح والسينما والإبداعات الأدبية في قطاع غزة، ورصفاؤهم في فلسطين كلها، ممن يفيدون مما بذله الراحل من مال في مؤسسات ومنشآت ومهرجانات وأنشطة وفعاليات وتظاهرات متنوعة، فأعدادهم تعصى على العد، من وفرة هذا كله.

والواضح كل الوضوح أن الرجل أوْلى الثقافة والتعليم والتربية، ولاسيما في قطاعات الفنون البصرية والأدائية والكتابية، موقعا خاصا بين انشغالاته ومساهماته الخيرية السخية، منذ خصص ربع ثروته، عند تقاعده، قبل نحو عشرين عاما لأعمال مؤسسته وأنشطتها في فلسطين، وهذا المركز الثقافي في ضاحية الطيرة في رام الله، والذي يقترب اكتمال بنائه، ينطق بما أقام عليه الوطني الفلسطيني النظيف، عبد المحسن القطان، من قناعةٍ توطّنت فيه عن دورٍ كبيرٍ للثقافة وتنمية الذائقة في بناء الإنسان.

ليس في الوسع أن يقطع العارف بمحطات سيرة الراحل الكبير بما إذا دارت في جوانِح صاحب هذه السيرة، في أثناء انخراطه مبكّرا في النشاط الوطني السياسي الفلسطيني، بينما كانت أعماله في الكويت تصنع له مكانته المتقدّمة بين رجال الأعمال العرب الناجحين، أن يصعد إلى مراتب قيادية سياسية، أم أنه كان يصدر في نشاطه السياسي ذاك، وقد كان من مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، عن محض مشاعر وطنية، وإيمان بضرورة مساهمةٍ منه في دورٍ يؤدّيه لبلده وشعبه؟ ظل "أبو هاني" عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وغادر عضوية المجلس في بادرة احتجاجية منه على موقف رئاسة المنظمة في أثناء احتلال العراق دولة الكويت. وباستثناء هذا المقطع من "العمل السياسي" المحدود في سيرة رجل الأعمال الناجح ليس ملحوظا أنه عمل من أجل حيازة مواقع وأدوار سياسية متقدّمة في الإطار السياسي. والظاهر أنه ليس وحده من آثر هذه الصيغة من النأي بالنفس عن ذلك اللون من السياسة الذي يقتضي الانقطاع اليومي له، فليس من بين رجال الأعمال الفلسطينيين البارزين، نجاحا وعطاءً وسمعةً نظيفة، من أخذته المقادير، أو أخذ نفسه على الأصح، إلى أيٍّ من مراتب الزعامة والقيادة.

وإذا ما استعرض واحدُنا أسماء نظراء للراحل عبد المحسن القطان في الحالة الفلسطينية، منذ خمسين عاما، سيعثر على أدوار سياسيةٍ ضيقةٍ ومحمودةٍ لكثيرين منهم، مع مساهماتٍ خيريةٍ منهم مقدّرةٍ، ولم يتجاوزوا حالهم هذا إلى المزاحمة إلى ما هو أبعد منه. وبشيء من التحرّز، يمكن أن ينسحب هذا الأمر عربيا إلى حد ما، ولعل رفيق الحريري الاستثناء الوحيد.

وإذا ما قيّض لكاتبٍ أن يبادر إلى تدوين سيرة عبد المحسن القطان فإنه سيجده صاحب إسهام وطني استثنائي في خيار البناء الثقافي والتعليمي والفكري لشعبه وأمته، فلم يبخل على مراكز بحوث ودراسات وجامعات وأكاديميات. وأبدعت المؤسسة التي أقامها، ويتولّى تسييرها نجله، في تنظيم المسابقات وتشجيع المواهب والكفاءات، الفلسطينية والعربية، (في السينما والقصة القصيرة مثلا). وفي الوسع أن يقول واحدنا إن اسم عبد المحسن القطان سيظل باقيا في الصفحات المضيئة في مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني، وحماية هويته الوطنية، والثقافية العربية، وفي صيانة وجدانه. سيظل اسمه منيرا بما صنع وأنجز، وبما أورثه من عطاء وخير، رحمه الله.

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018