خلاف تكتيكي

خلاف تكتيكي

أنطوان شلحت

ثار في دولة الاحتلال الإسرائيلية، أخيرًا، جدل واسع بشأن تعريف الصهيونية في النقطة الزمنية الراهنة، على خلفية ادّعاء طُرح في الأجواء السياسية، مفاده بأن حزب ميرتس، والذي يمكن اعتباره بمثابة البقية الباقية من "اليسار الصهيوني"، لا يضمّن، في برنامجه الانتخابي، أنه حزب صهيوني. وأيضًا بموازاة تصريح الرئيس الجديد لحزب العمل، آفي غباي، إن العماليين نسوا ما معنى أن يكونوا يهودًا، ضمن سيل تصريحاته التي يرمي منها إلى تملق الناخبين اليمينيين الذين باتوا منذ مدة أكثرية السكان الإسرائيليين.

ويدور هذا الجدل بالأساس بين جهتين، أزعم أن الخلاف بينهما تكتيكي محض. الأولى تعتقد أن "ميرتس" حزب مناهض للصهيونية، لكونه يعارض الاحتلال في أراضي 1967 ويؤيد إقامة دولة فلسطينية في خطوط 1967 مع تعديلات حدودية. ومع أن "ميرتس" لا يجاهر بتأييده أن تكون القدس عاصمة هذه الدولة الفلسطينية العتيدة، فإنه يجاهر بمعارضته حق العودة للاجئين الفلسطينيين. مع ذلك، هذه المواصفات كافيةٌ، في عرف هذه الجهة، لإدراج هذا الحزب في عداد المناهضين للصهيونية، أو في إطار الذين نسوا ما معنى أن تكون صهيونيًا.

وكما كتب أحد الناطقين المفوهين بلسان هذه الجهة، ففي الأيام الحالية حيث بدأ جزء من الجمهور الإسرائيلي بإجراء حسابٍ للنفس، ولو لأسباب سياسية، بخصوص علاقته الاغترابية مع اليهودية، لا بُدّ من أن يُقترح على هؤلاء السير قدمًا وتغيير مقاربتهم أيضًا تجاه مبادئ الصهيونية، نظرًا إلى أن ثمّة من نسي ماذا يعني أن يكونوا صهاينة، وصار غافلًا عن أن "تخليص الأرض" ما تزال الأكثر قداسةً من بين مُهمات الصهيونية.

في المقابل، ترى جهة ثانية أن من الخطأ أن يتماثل "ميرتس" علنًا مع الصهيونية، فهذه العقيدة باتت، باعتبارها مفهوما عاما، تحيل إلى غاية ترسيخ التفوّق الإثني اليهودي في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، من خلال منح حقوق زائدة لليهود، وتفضيلهم على العرب الفلسطينيين، بمن في ذلك فلسطينيو 1948 الذين أصبحوا مواطنين في إسرائيل. وبرأي عناصر هذه الجهة، فإن من شأن تعريف "ميرتس" نفسه حزبا صهيونيا أن يعرّض إلى الخطر القاعدة الداعمة التقليدية له في أوساط الإسرائيليين المعارضين لاحتلال 1967 ولعدم المساواة، وأن يتسبّب باستياء مواطني إسرائيل الفلسطينيين الذين ينوون (أو يدرسون) أن يعطوه أصواتهم.

لكن بموازاة ذلك، تشدّد هذه العناصر نفسها على أنه ليس هناك اليوم حزبٌ أكثر صهيونية من "ميرتس"، لأنه لا يوجد أي حزب إسرائيلي يناضل من أجل المُثُل السياسية والاجتماعية للصهيونية بصورة ملتزمة، وبإصرار مثله. فهو يسعى إلى وضع نهاية لمشروع الاحتلال والاستيطان غير القانوني في أراضي 1967 الذي يحوّل إسرائيل إلى "كيان هجين" ما بين الديمقراطية والدكتاتورية وما بين كونها "دولة قومية شرعية" و"حركة قومية مسيانية لا تقف عند حدود ولا قيود".

وهي، في الوقت عينه، تفيد بأن "ميرتس" يخوض نضالًا من أجل مساواة مدنية بين مواطني إسرائيل كافة، ومن أجل استيعاب جميع المواطنين ومشاركتهم من دون تمييز ديني أو قومي في تشكيل مستقبل دولة الاحتلال. وتصل إلى بيت القصيد، حين تجزم أن هذا النضال يساهم بصورة جليّة في تحقيق ما تسميه "الحلم الاجتماعي للحركة الصهيونية". وترى أن ما وقف في صلب هذا الحلم هو: "تغيير شخصية اليهود من كونهم طائفة إثنية ـ دينية في الشتات، منغلقة على نفسها، بسبب الخوف من الاندماج والانصهار، إلى قومية سياسية حديثة، مستعدة لكي تقرب منها، وتدمج في دولتها مجموعات قومية وثقافية متعددة، من دون أي وجل أو تحفّظ".

لماذا أقول إن الخلاف بين الجهتين تكتيكي؟ لأنه في العمق ينطلق من عدم قراءة التوحش الكامن في منطلق الحركة الصهيونية، فيما يخص التعامل مع الفلسطينيين وطنهم في الماضي والحاضر. وبالتالي، فإنه جدل على الطريقة الأمثل لتحقيق رؤية الصهيونية، لا على الجوهر الحقيقي لهذه الحركة.

(العربي الجديد)

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018