مشروع المهووس وحنكة المرتشي!

مشروع المهووس وحنكة المرتشي!

منيب طربيه

لم تعرف القدس الهدوء من ذي قبل، ولم يتركها المغرضون ولا للحظة واحدة، وطالما شغلت رمزيتها الكثير من الشعوب، فدينامية القدس منقطعة النظير، كما مرت بانتفاضات واحتلالات والكثير الكثير من الأزمات، والتي ما زالت تعاني منها إلى يومنا هذا.

إن خصوصية في القدس، أنّها جعلت لكل تيار فيها قضية، وبعيدا عن حجة المؤسسة الصهيونية بأن القدس أرض يهودية، فهذه الادعاءات باتت مكشوفة ومعروفة للجميع، وأن الصراع على القدس متعدد الأهداف، حيث من ناحية تتبنى المؤسسة الصهيونية في كل مرحلة صراعا يختلف عن الآخر، تارة تجعل الصراع تحت وطأة صراع سياسي، وتارة أخرى تجعله دينيا في الوقت ذاته الذي كان يتخبط العرب به بين صراعات مختلفة، ما بين ديني وقومي وسياسي، متجاهلين قصدا أو عن غير قصد، الخطر في محاولة تجريد القدس من عروبيتها.

مرت القدس في العديد من الصراعات والحروب والحملات في تاريخها القديم، منذ الكنعانيين مرورا بالفتح الإسلامي والحملات الصليبية، حتى الإنجليز والصهاينة، فليس غريبا عن ديارها ما يدور حولها في أيامنا، فالسياسة النجسة التي يتبعها الأميركيون تتماهى مع سياسات الكيان الصهيوني في محاولة دنيئة لضعضعة الاستقرار فيها.

ظهر مؤخرا على شاشات التلفزة، بطل المصارعة الحرة دونالد ترامب، والذي على ما يبدو يعاني من مشاكل نفسية، وبات واضحا أنه يعاني من أنه غير محبب ولا مرحب به، وبدأ يبحث عن قطاعات جديدة لتؤيده، وتكون حاضنة شعبية لمشروعه فاقد المعالم، فوجد أن تصريحا نزقا لم يعِ تداعياته، ولم ير ما يمكن أن تؤول إليه الأمور، من الممكن أن ينتج له حاضنة شعبية جديدة من ناحية، ولإنقاذ شريكه نتنياهو من قضايا الفساد وملاحقة الشرطة له من ناحية أخرى.

استغل ترامب غياب قيادة عربية نزيهة، إضافة لاستغلاله لغياب قادة عرب، لانشغالهم بمشاكلهم الداخلية، ظنا منه أنه بإخضاع بعض الأنظمة الرجعية الخسيسة، من الممكن أن يروض أو يخضع الشعوب العربية والإسلامية، ولكنه ما إن صرح هذا التصريح، إلا وكان الرد الأولي خروج الملايين إلى الشوارع، وما إذا قام المصارع بدعم أي تحرك أو أي تلاعب في القدس وقدسيتها، فعليا لن يمر ذلك مرور الكرام.

بصورة غريبة، وبشكل مفاجئ، قام ترامب بالاعتراف بأن القدس عاصمة لإسرائيل، وأنه سينقل السفارة الأميركية إلى القدس، كخطوة فعلية لتحويل التصريح إلى أمر واقع، وكأن القدس تنقصها المشاكل والقلاقل، وكأنها تهنأ بنعيم وهدوء.

يبدو أن هذا المجنون، لا يعي خاصية القدس وموقها الديني والسياسي والقومي، في قلب كل إنسان عربي، فمن ينقصه الانتماء إلى وطن ذات عمق ووطن مع تاريخ حافل من الأحداث والمشاريع، لا يعرف الانتماء ولا معناه، فأمثال هؤلاء لا يعون حب الوطن فعليا ولا الانتماء الحقيقي إلى علم أو مجموعة أو أرض.

أشباه نتنياهو وترامب كثر، حتى من قيادات الحركة الصهيونية في بلادنا وخارجها، الذين لهم حساباتهم الخاصة، باتخاذ وتأييد مثل هذه القرارات.

لا خوف على القدس ولا على اهلها، فالقدس صامدة لا تهون لا تلين، فهي أصلا تعاني اليوم من بطش المحتل إلا أنها صامدة، ولكن الخوف على أمة غررت بها الأموال والمواقع، وقادة غررت بهم الزعامة والعباءات يلهثون وراءها، غير آبهين لشرف الأمة ومصيرها.

ما أن غرر ترامب بملك السعودية وولي عهده، إلا وتنازل عن القدس وباع العرب والمسلمين بثمن بخس.

للقادة العرب المغرر بهم، والمجرورين بسلسلة الوعودات الأميركية وأوهامها، نقول "نحن بخير، طمنونا عنكم" فلا خوف على القدس. للقدس شعب ورب يحميانها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018