الاحتلال المسكين والمقاوم الوقح..

الاحتلال المسكين والمقاوم الوقح..

سهيل كيوان

أثار شريط بثته قنوات إسرائيلية زوبعة كبيرة ونقاشًا حول تصرف الجنود مع محتجين فلسطينيين، يظهر في الشريط فتاتان وسيدة، الفتاة عهد التميمي من قرية النبي صالح تصفع جنديًا وتركله أكثر من مرة، والجندي لا يرد عليها، ويتظاهر أمام الكاميرا بأنه ضحية ومسكين ومغلوب على أمره، بينما تظهر الفتاة شرسة لا تخاف من بطش الجنود.

بعض المحللين الإسرائيليين قالوا إن الجندي فعل ما يمليه عليه ضميره وأن هذه هي معايير الجيش الحقيقية، والبعض يقول إن عدم الرد يضعف معنويات الجنود، وكان عليه أن يرد، والبعض يقول بأنه يجب اعتقالها وهي معروفة ولها أسبقيات مشابهة، وهذا ما حدث فيما بعد حيث اعتقلت عهد التميمي ووالدتها.

قبل بضع سنوات تحدت الفتاة نفسها جنود الاحتلال ووقفت أمامهم تخاطبهم وجها لوجه وتدعوهم لترك بيتها الذي يعتدون عليه وعلى أسرتها، وقد اشتهرت صورتها وقتئذ، ومنحها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسام الشجاعة.

هناك مشهد مشابه في انتفاضة الأقصى عام 2000 حيث يقوم فيه فتى فلسطيني بمطاردة جندي بالحجارة، الجندي يهرب من أمام الطفل رغم أنه مسلح.

هذه المشاهد من غضب الفتيان على الاحتلال يستغلها الاحتلال لإظهار جنوده كضحايا ومثال للإنسانية، وهذا يجعل الكثيرين يتوهمون بأن جنود الاحتلال لا يطلقون النار على الفلسطينيين إلا عندما يكونون مضطرين ومعرّضين لخطر الموت، والدليل أن الجنود تحملوا صفعات وركلات الفتاة بل وهرب بعضهم من أمام فتيان يرجمونهم بالحجارة.

هذه المشاهد سلاح إعلامي ذو حدين، فهي تظهر شجاعة الفتيات والنساء والفتيان الفلسطينيين خلال المواجهات المستمرة مع الاحتلال دفاعًا عن بيوتهم وأهليهم وعن أنفسهم وأرضهم ووطنهم معبرين فيها عن غضبهم، ومن جهة أخرى تستخدم هذه الأشرطة كمادة إعلامية لجيش الاحتلال، يثبت فيها مزاعمه بأنه يحافظ على طهارة السلاح، وأن جنوده لا يتسرعون بإطلاق النار على المحتجين، علما أن الوقائع على الأرض مختلفة تمامًا، فقتل الأبرياء بحجة الشك بحيازة سكين أو الشك بنوايا تنفيذ عملية دهس ومن مسافات لا تشكل خطرًا على الجنود منتشرة بشكل واسع، والجندي أزاريا الذي بات كثيرون يطالبون بالعفو عنه قتل جريحا فلسطينيا فاقدا الوعي لا يستطيع إيذاء أحد، ورغم الحكم المخفف جدًا عليه فهنالك من يطالب رئيس الدولة بالعفو عنه.

إن عدم رد الجنود في هذه الحالة يسجل لصالحهم، ولهذا ليس مستبعدًا أن يكون هذا التصرف السلمي من قبل الجنود مقصودًا، ويجري دون علم الفتيات والنساء بأن ما يجري هو تصوير لقطة دعائية لبثها على الجمهور الإسرائيلي والعالمي، وربما العربي، خصوصًا على أولئك المهرولين إلى التطبيع وذلك لتنظيف وتبييض جرائم الاحتلال، ومنها الجريمة النكراء بقتل الشهيد إبراهيم أبو ثريا المقعد منذ عام 2008 على كرسي متحرك وبينه وبين الجنود مسافة كبيرة، ولا يمكن أن يشكل خطرًا من أي نوع كان عليهم، ورغم ذلك قنصوه بلا رحمة وبوحشية قل نظيرها، ثم أنكروا أن رصاصهم هو الذي قتله. لقد غابت صورة المقعد الشهيد إبراهيم أبو ثريا وحلت مكانها صورة الفتاة تصفع جنديا.

الفلسطينيون يعرفون حقيقة جنود الاحتلال ووحشيتهم خصوصًا أولئك المستعربين الذين مارسوا القتل على نطاق واسع في الانتفاضتين الأولى والثانية، دون أن يشكل الضحايا خطرًا حقيقيًا عليهم، ببساطة جرت وتجري إعدامات ميدانية لمجرد التظاهر وإلقاء الحجارة أو حرق الإطارات أو رفع الأعلام.

قبل أيام قليلة شاهد العالم الجنود يطلقون النار على شاب فلسطيني شمال رام الله دون أن يشكل أي خطر، قتلوه وهو بعيد عنهم أكثر من عشرين مترًا، وقتلوا كثيرين مثله في الأعوام الأخيرة على الحواجز بادعاءات شتى ومعظمها كذب وتبرير لجرائم الاحتلال الوحشية.

يجب الحذر من ترويج أشرطة يقصد منها تبييض صفحة الاحتلال، حتى لو كانت بعض المشاهد حقيقية وتشهد ببطولة الفتيات أو الفتية، فقد يكون بعضها مخططا لأجل تحويلها إلى أعمال دعائية.

من يزور القدس يرى استفزازات الجنود والمستوطنين للناس على البوابات وفي الأسواق، ويرى مشهد الجنود وأصابعهم على الزناد، وفوهات بنادقهم موجهة إلى رؤوس الناس لتجعلهم يبتعدون بسرعة وتشوّش دخولهم وخروجهم إلى المدينة المقدسة بهدف وضع حاجز نفسي بينهم وبين البلدة القديمة وضرب التجارة فيها.

إضافة إلى هذا يوجد على اليوتيوب شريط قصير جدا، وهو عبارة عن فيلم من دقيقتين يوزعه البعض على شبكات التواصل الاجتماعي، وهو من تمثيل بعض الشبان والشابات العرب لمقتل طالبة فلسطينية بيد جندي إسرائيلي بينما يحيط بهما عدد من المحتجين الذين يرفعون اللافتات، وهي تمثيلية أقيمت في ساحة عامة في إحدى مدننا العربية خلال ما أطلق عليها انتفاضة السكاكين قبل عامين، البعض يتناقل المشهد التمثيلي في وسائل التواصل الاجتماعي على اعتبار أنه حقيقة، ولكن بما أن المشهد تمثيلي واضح فإن شريطا كهذا يستغل للتشكيك بصدق الفلسطينيين، وبأنهم يمثلون بهدف تشويه صورة الاحتلال.

نحتاج إلا للحقيقة، فهي كفيلة بفضح الاحتلال وجرائمه، لسنا بحاجة لترويج مشهد تمثيلي على أنه حقيقة، كي لا يحولوا كل الحقائق إلى تمثيل، ولا لإظهار الجنود كمساكين أمام فتاة شجاعة تقوم بصفع أحدهم، علينا أن نعرض ما هو حقيقي فقط، بدون زيادة أو نقصان، فالحقيقة الساطعة هي أن الاحتلال يعتدي ليس فقط على الفتاة عهد التميمي وأسرتها والتي عاد ليعتقلها ويعيث فسادا في بيت ذويها بعد غياب الكاميرات، وليعاقب أهلها وجيرانها وبلدها وشعبها ومقدساته وأرضه ويريق الدماء ويزهق الأرواح ويخرب الأملاك، فهو المجرم الكبير أولا وأخيرًا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018