عهد داست على عصب الاحتلال

عهد داست على عصب الاحتلال

بلال ضاهر

يستغل الإسرائيليون، بغالبيتهم العظمى، أي حدث من أجل نثر سمومهم العنصرية ضد الفلسطينيين. والحدث هذه المرة هو مطالبة الفتاة عهد التميمي جنودا إسرائيليين بمغادرة بيتها وقريتها، بينما كانت بحالة غضب شديد. وكما هو حاصل في السنوات الأخيرة، فإن التحريض العنصري الدموي لم يكن ضد عهد وحدها وإنما كان ضد عائلتها وقريتها والفلسطينيين عموما. ولم يأت هذا التحريض الدموي من جهة اليمين الفاشي الإسرائيلي فقط، وإنما من جهات تعتبر وسط سياسي ووسائل إعلام مركزية، تعاملت مع هذا الحدث كأنه يشكل تهديدا خطيرا على إسرائيل.

عهد في محكمة الاحتلال العسكرية (أ ف ب)

إذ يتعامل الإسرائيليون مع أية قضية تتعلق بالاحتلال والاستيطان كعصابة. ويتنافسون على الإدلاء بالتصريحات العنصرية ضد الفلسطينيين، ويتسابقون على رفع مستوى التحريض العنصري، الذي كثيرا ما يصل إلى حد التحريض على القتل. ومن بين أسباب ذلك، حالة الهيجان التي تنتاب الإعلام الإسرائيلي في أعقاب أي حدث، خاصة في حال جرى توثيقه بالصوت والصورة وإذا كان بالإمكان إخفاء حقائق.

وهدد وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أن "من يقوم بأعمال شغب في النهار، يُعتقل في الليل. وأي أحد تواجد في دائرة الحدث، وليس الفتاة فقط، وإنما والديها والقريبين منها، لن يفلتوا مما يستحقونه من عقاب". وشكك ليبرمان في أداء الجنديين معتبرا أن "الجنديين تصرفا وفقا للأوامر العسكرية التي يتلقونها من المستويات العليا"، لكنه أردف أنه "إذا كان هناك خلل (في تصرفهما) فإنه سيُصحح. ولن نسمح بأي مسٍ بالجنود والضباط".

وكان يشير ليبرمان بأقواله إلى أن الضابط والجندي، اللذين طالبتها عهد التميمي بمغادرة بيتها، لم يستخدما سلاحهما أو عدم اعتقال الفتاة. لكن ليبرمان يكذب بقوله إنه "لن نسمح بأي مس بالجنود والضباط"، لأن المستوطنين، وخصوصا أعضاء التنظيم المتطرف بينهم، "شبيبة التلال"، اعتدوا على الضباط والجنود الإسرائيليين مئات المرات من دون أن يتعرضوا لأي نوع من العقاب، وإنما كان تعامل السلطات الإسرائيلية معهم بنعومة بالغة، بشكل يوحي لهم أن السلطات تشجعهم على ممارساتهم.

كذلك ادعى رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، أن "الصور صعبة"، في إشارة إلى صفع عهد التميمي للجنديين. وطالب بسجنها لسنوات معتبرا أن "مكانها في السجن".

واعتبر عضو الكنيست السابق، أرييه إلداد، وهو أحد رموز اليمين الفاشي الإسرائيلي، أن "الجُبن، الذي أدى إلى التعليمات المشوهة الصادرة للجنود بعدم الرد، توجه النيابة العسكرية أيضا. وربما هذا نابع أيضا من عدم الإيمان بعدالة الطريق. ومن يثق أن البلاد لنا وليست للعرب لن يرتبك". وأشار إلى "خطورة" عهد، مستخدما ديماغوغية المحتل الذي يرتكب المجازر بحق الفلسطينيين، حتى يومنا هذا، وكتب أن "العربية التي تتفاخر بطرد الضابط هي مندوبة العرب الذين يريدون طردنا من البلاد... ومن يعتقد أنه مسموح في النبي صالح ضبط النفس أمام الكاميرات، إنما يعتقد عمليا أنه لا ينبغي أن نتواجد في النبي صالح، والانسحاب من قلب وطننا، وأن العربية على حق".

ولمجرد أن فتاة مثل عهد تصدت لجنديي الاحتلال، اعتبر إلداد أنه "ليتني كنت واثقا من أن النيابة العسكرية، التي لا تطالب بفرض عقوبة الإعدام على المخربين القتلة، ستتطلب خلال محاكمة عهد التميمي بفرض السجن عليها لسنوات طويلة.

وقالت عضو الكنيست نافا بوكير، من حزب الليكود الحاكم، بعد زيارتها للجندي القاتل إليئور أزاريا في السجن، إن "تصرف الجنديين كان، برأيي، متأثرا من قضية أزاريا، وكانت هناك حالات في المناطق (المحتلة) التي تردد فيها جنود في إطلاق النار عندما كانوا في حالة خطر".

وبادرت وسائل إعلام إسرائيلية إلى التحريض على قرية النبي صالح. ووصف تقرير نشره موقع nrg الإلكتروني اليميني القرية الفلسطينية بأنها "معادية" وأن عائلة التميمي لديها "تاريخ طويل من الإرهاب"، في إشارة إلى التصدي لممارسات الاحتلال.

كذلك اعتبر المذيع ديدي هراري، في برنامجه في إذاعة 103 FM، التي يستمع إليها معظم الإسرائيليين، في أعقاب نشر مقطع الفيديو من النبي صالح، أنه "تبا، من يريد سلاما مع شعب مقرف كهذا؟ وكم استفزازا بإمكان الفلسطينيين أن يفعلوا؟".

واضح أن هؤلاء العنصريين ومن هم على شاكلتهم يتجاهلون الأسباب التي حركت عهد التميمي وغيرها للتصدي لجنود الاحتلال، لكن أغلبية الإسرائيليين يعتبرون هذا التصدي "إرهابا"، وأن الاحتلال وجرائمه ليس سببا للمقاومة، حتى لو كانت هذه مقاومة سلمية، علما أن المعاهدات والقوانين الدولية تعطي الرازحين تحت الاحتلال أوسع من هذا الحق.

وثمة أمر أوضح، وهو أنه ليس صدفة أن الصراعات، ويرى الكثيرون أنها شروخ وتصدعات، داخل المجتمع الإسرائيلي كثيرة جدا وفي كافة المجالات، الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأكبر دليل عليها نزعات الهجرة الواسعة من البلاد والسعي من أجل الحصول على جوازات سفر أجنبية، بينما يوحد الإسرائيليين أمر واحد ووحيد، هو "الأمن"، كأنه عقدة. بل أن هذه عقدة السارق والقاتل، وجنوده أشبه بعصب مكشوف، داست عهد عليه.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018