الجبهة قد تقضي على ميرتس...

الجبهة قد تقضي على ميرتس...

سهيل كيوان

يدور حديث بأن حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة يسعى لإقامة تحالف مع حزب ميرتس اليساري، الحزب الذي يرفع لواء حقوق المواطن، وهو الحزب الصهيوني الوحيد الذي ينادي بالتعامل مع العرب معاملة مواطنين متساويي الحقوق، وموقفه من حل الصراع العربي الإسرائيلي أفضل بكثير وأكثر مرونة من حزب العمل وما يليه، رغم أنه لا يقدم حلا جذريا مثلا لقضية اللاجئين وللحقوق القومية للعرب في إسرائيل.

حقيقة وبصدق، كنت أتمنى أن يُمثل حزب ميرتس بأربعين مقعدا في الكنيست، وأن يشكل الحكومة مع القائمة المشتركة وحزب المارخوانا والخضر وأي حزب معتدل أو يساري آخر، المهم أن تكون زهافا جلؤون هي رئيسة الحكومة بدلا من نتنياهو المتطرف.

الواقع أن حزب ميرتس المدعوم من فئات متنورة ومسالمة يهودية بأكثريتها الساحقة، سوف يفقد كثيرًا من قوته في الوسط اليهودي إذا ما تحالف مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، لماذا؟

لأن جمهور ميرتس، المحدود أصلا، عندما سمع بإمكانية التحالف مع الجبهة غضب بأكثريته، رأينا هذا من خلال مئات التعقيبات التي تهاجم ميرتس من جمهور ميرتس نفسه والنادرة التي أيّدت، والسبب هو أن جمهور ميرتس بأكثريته يرى بالجبهة الديمقراطية حزبا عربيًا متطرفًا، ولا أستغرب أن يحدث انقسام في حزب ميرتس إذا ما أقدم على خطوة كهذه، ومن ثم تحطمّ الحركة واختفائها من الخارطة السياسية.

نواب ميرتس الذين قد يدخلون الكنيست بتحالف مع الجبهة سيدخلون بأصوات العرب ولن يأتوا سوى بالنصف أو أقل من مصوّتيهم، وسينطبق عليهم المثل "شو جابت من بيت أوبوها!"، أما الجبهة فسوف تضطر لمحاربة حلفاء اليوم في المشتركة، وبالأساس حزب التجمع الذي سيتحالف مع الإسلامية الجنوبية، إذن سيكون الصراع على الصوت العربي وليس على الصوت اليهودي، حينئذ ستعود حليمة إلى عادتها القديمة، التجمع والجبهة يهاجمان بعضهما، والشعب قرف هذه المساجلات من جولات سابقة، وسوف تكون هذه تربة خصبة لدعاة مقاطعة الانتخابات، خصوصًا وأن قضية نصف المقعد وتمويل الكتل هي التي ستتصدر هذه المناكفات، وهنا تكمن خطورة أكبر على الجميع، وهي انعدام ثقة الجمهور لما يطبخه النواب العرب في الكنيست، سوف تكون دعوات المقاطعة أقوى بكثير، وهذه المرة مع رقابة لضمان عدم توزيع الأصوات التي لم يصل أصحابها إلى الصناديق بين القوائم.

الأحقية بالمقعد والحسابات المالية بين الأحزاب لا تهم الجمهور، إن ما يهمه هي المصداقية، لأنه وضع ثقته بمجموعة ممثلين له في قضايا تتعلق بمصيره ومصير أبنائه في وطنه، وبلا شك أن الأكثرية مستاءة من الخلاف الجاري، وسيضطر كل من التجمع والجبهة أن يحمّل المسؤولية للآخر.

إذا كانت رغبة الجبهة الحقيقية هي التحالف مع ميرتس فمن المحبذ جدا أن تعلن هذا بوضوح منذ الآن، وبأنها قررت فك الشراكة مع مركبات أخرى في المشتركة أولها التجمع، وأن تعلن بأنها ترى بتحالفها مع حزب ميرتس أفضل للنضال ونيل الحقوق، بدلا من الادعاء بأنها متمسكة بالمشتركة وأن التجمع يتحمل مسؤولية تفكيكها بتصرفاته كما يقول قياديون في الجبهة لأن هذا سيرتد عليهم.

ما يجري الآن هو عملية تقزيم لدور المشتركة وللهدف الذي أقيمت لأجله، وما تفعله الجبهة الآن في الواقع هو تفكيك المشتركة، ولكن ليس لأسباب فكرية واضحة، بل لأسباب فكرية جاءت أزمة المقعد كذريعة وأداة لتنفيذها، وبما أننا سنفكك المشتركة فلماذا نتنازل عن المقعد للتجمع!

أما الجمهور، فإن جزءا منه سيرى بأن الصراع فكري بالأساس، بينما سيرى جزء واسع منه أن الخلاف مالي، هذا سيضعف المشتركة في كل الحالات، سواء بقيت مشتركة أو إذا انقسمت إلى قائمتين.

طبعا هناك أصوات في الجبهة ضد هذه السياسة العوجاء والمماطلة التي تضر بالجميع، ولكن التيار الأقوى هو التيار المتحمس لفض الشراكة مع التجمع، بل ويرى بعض المغالين فيها فرصة لإخراجه من الساحة البرلمانية، وسيكونون سعداء جدا وسوف يطلقون المفرقعات.

من ناحية أخرى فإن الجبهة بتحالفها مع ميرتس ستقضي على كتلة اليسار اليهودية الوحيدة في الكنيست، لأن جمهورها اليهودي بأكثريته لن يتبعها إلى تحالف مع الجبهة والعربية للتغيير، ومفهوم ضمنا أن ميرتس لن تستطيع التحالف مع الإسلامية، ولا الإسلامية معها، لأسباب اجتماعية أكثر مما هي سياسية، وعلى رأسها الموقف من مثليي الجنس.

الطرح الحقيقي ولكنه الأصعب هو السعي لجعل الشارع اليهودي يذوّت بأن العرب في إسرائيل أقلية قومية عربية فلسطينية تشكل حوالي 20% من مواطني الدولة ولهم حقوقهم القومية والمدنية وحق التنظيم السياسي وأنهم أبناء البلاد الأصليون، هذا الخطاب يجب أن يوجه لليهود كما للعرب، رغم صعوبته.

أما التهرب من توصيل هذه الرسالة والاختباء وراء شعارات ومطالب إنسانية عاطفية، والحذر من استفزاز مشاعر العنصريين، ومحاولة الظهور بأننا معتدلون حسب معاييرهم، وأننا ابتعدنا عن العرب المتطرفين مثل التجمع فهذا خطأ كبير.

فمن يرى بنشاط أبو مازن الدبلوماسي عملا إرهابيا يرى أيضا بعدم إنشادك (هتكفا) عملا متطرفا، وبعدم خدمتك في الجيش خيانة يجب حرمانك من جميع حقوقك بسببها. وسوف يدعوك لتقبل وجودك كمواطن درجة ثالثة في دولة اليهود أو أن ترحل.

النضال الحقيقي للقوى الديمقراطية اليهودية الممثلة بحزب ميرتس هو أن يبقوا مناضلين لأجل ما يعتقدون به في الوسط اليهودي، وهذا أكثر تأثيرا مهما كان ضئيلا من هروبهم إلى المياه الدافئة التي يوفرها المصوتون العرب لليسار عموما، العناق بين ميرتس والجبهة سيقضي على هذا الصوت اليهودي الضعيف أصلا والمغرد خارج سرب الإجماع القومي الصهيوني ضدنا وضد حقوقنا وحقوق شعبنا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018