البدوي "الأشكنازي" والسطو على التاريخ والتراث

البدوي "الأشكنازي" والسطو على التاريخ والتراث

سليمان أبو ارشيد

في سياق الدعاية الصهيونية التي تبتغي تسويق إسرائيل كبلد حر تحرص على صيانة الثقافة التقليدية بين "الأقليات"، تبرز من بين مجموعة صور جدارية كبيرة نصبتها الوكالة الصهيونية في مطار اللد، بمناسبة مرور 120 عاما على تأسيس الحركة الصهيونية، صورة لرجل بدوي يلبس "الجلابية" ويعتمر الكوفية، وهو يدخن النرجيلة، بينما يظهرأمامه فنجان القهوة السادة وصينية من البقلاوة.

وبغض النظر عن كذب الادعاء الذي تحاول إسرائيل ترويجه في كونها بلدا حرا يصون حقوق الآخرين ويحافظ على تراثهم وتقاليدهم، فالغريب هو أن الصورة ذاتها التي يفترض أنها تمثل "حياة البدو" هي لرجل يهودي "اشكنازي" لم يحاول مروجوها حتى إخفاء شقاره الذي يمس بمصداقية الصورة وأصالة "البداوة"، ولكن الأغرب أن يقوم موقع شبكة العربية باستعمال الصورة في تقرير له حول خيام الضيافة في السعودية، وأن يستعملها موقع "لايف ستايل" العربي في برامجه الخاصة بالتغذية الصحية في رمضان.

الرجل في الصورة توجه هذا الأسبوع لصحيفة "هارتس"، بعد أن نشرت خبرا عن معرض الصور المذكور، وكشف أنه يدعى طال سبير ( 32 عاما)، وهو مستشار إعلامي يسكن في مستوطنة "مشمار هشفعا"، كان قد عمل قبل سبع سنوات مرشدا في مجال السياحة وكان يقدم أحيانا الطعام للسياح وهو يرتدي الزي البدوي، لأن المكان كان محظورا على "البدو الحقيقيين". وعن نصب صورته في مطار اللد يقول إنه "من المضحك استخدام تلك الصورة دوما لتمثل البدو، ولكن هذا لا يعني أنني الأخ التوأم لطلب الصانع، ولكنني مبسوط لوجود صورة كبيرة لي في مطار اللد وكأنني كيم أيل سونغ، وأبدو كأثر أصيل من المخيال الكولونيالي للقرن التاسع عشر".

من المفارقة أن تنكشف إسرائيل التي دمرت وشوهت كل شيء قديم وجميل وأصيل في الطبيعة، والتي لم يسلم منها البشر والحجر والشجر والنبات والأحياء، فقد أتت على أشجار البلوط والخروب والزعرور التي كانت تزين سفوح جبال وتلال بلادنا، واستبدلتها بأشجار الصنوبر و"اليوكاليبتوس" الغازية، وقضت على الحيواتات البرية الفريدة والطيورالجميلة التي أغنت ولونت أرض وسماء فلسطين، وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى أن بحيرة الحولة التي تم تجفيفها، بادعاء كونها مستنقعات تجلب الملاريا، كان يعيش في مياهها 16 نوعا من الأسماك، وجذبت طبيعتها عشرات الأنواع من الحيوانات، وجمعت طيورا من ثلاث قارات.

ولم تسلم الثروة الحيوانية الفلسطينية من الحالة الكولونيالية الصهيونية، فإضافة إلى مصادرة عشرات وربما مئات الالاف من رؤوس الماشية بعد تهجير أصحابها تعرضت أصناف الماشية، التي كانت تعرف بأنها عربية من الأبقار والأغنام والماعز إلى الإبادة، وحلت محلها أصناف أوروبية. ويذكر في هذا الإطار قانون "العنزة السوداء" من سنة 1952 الذي منع تربية هذا النوع من الماعز بادعاء الضرر الذي يسببه لأشجار "الكيرن كييمت"، وحلت محله "العنزة السويسرية" البيضاء التي جرى تربيتها على أسطح وشرفات المستوطنين الجدد.

كذلك طال الاستعمار الكولونيالي بالمصادرة والتشويه الموروث الشعبي من مأكل وملبس وتراث روحي مثل الدبكة والرقص والغناء، فاستحوذوا على الحمص والفول والفلافل والزيت والزيتون، كما تم السطو على برتقال يافا وموز أريحا واسم الناصرة وقداسة بيت لحم وتاريخ القدس.

صورة البدوي الأشقر صاحب العينين الزرقاوين في مطار اللد ليس أنها لا تعكس فقط واقع العرب البدو الذين دمرت إسرائيل نمط حياتهم التقليدي بعد أن سممت ماشيتهم وأبادت مزروعاتهم وهدمت خيامهم وصادرت أراضيهم، بل هي محاولة لتشويه صورة البدوي وأصالتها التاريخية، في سياق عملية التشويه الممنهجة للتاريخ والتراث والرموز الوطنية والقومية والتاريخية لشعبنا، فقد طبعوا نسخا بالأزرق والأبيض للكوفية الفلسطينية، ومسخوا الزي الفلسطيني الأصيل، وغيروا وحرفوا أسماء المدن والقرى والتلال والوديان والسهول، ولكن بقيت بيسان ويافا والجرمق ومرج ابن عامر حية في نفوس وعقول الفلسطينيين.