نقل السفارة في ذكرى النكبة صفعة أخرى!

نقل السفارة في ذكرى النكبة صفعة أخرى!

سليمان أبو ارشيد

قرار إدارة ترامب اختيار 15 أيار/ مايو الذي يصادف الذكرى السبعين لنكبة فلسطين، موعدا لنقل سفارة أميركا في إسرائيل إلى القدس، هو استمرار للاستفزاز الوقح الذي تمارسه الإدارة الأميركية الحالية، وتعمدها توجيه الإهانة تلو الأخرى لمشاعر ملايين العرب والمسلمين الذين يرون بالمدينة المقدسة قبلتهم الأولى.

ورغم أن القرار الأخير هو مجرد تطبيق إجرائي للإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل الذي اتخذته الإدارة الأميركية، فإن استعجال تلك الإدارة بنقل هذا الإعلان من القوة إلى الفعل، عبر نقل السفارة واختيار الذكرى السبعين للنكبة موعدا لذلك، هو صفعة أخرى من قبل أميركا، شجعها عليها قصور رد فعل عواصم القرار العربي المتمثلة بالرياض، القاهرة وعمان على قرار الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، بل وتواطؤ بعضها مع ذاك القرار.

لقد ترك الفلسطينيون وحدهم في مواجهة القرار الأميركي الذي يشكل اعتداء سافرا على الحقوق الفلسطينية وانتهاكا فظا للشرعية الدولية التي لا تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتعتبرالشطر الشرقي منها جزء لا يتجزأ من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، فقد استقبلت القاهرة وعمان نائب الرئيس الأميركي مايك بينس، الذي قاطعته السلطة الفلسطينية، قبل أن يجف حبر هذا الإعلان وهو في طريقه إلى القدس ليبارك للإسرائيليين ويلقي الخطاب الذي وصف بأنه الأكثر صهيونية في تاريخ الكنيست، والذي عرض خلاله قراءة صهيونية محكمة حول الحقوق الدينية والتاريخية لليهود في "أرض إسرائيل".

ورغم كل ما يفال عن الموقف الثابت لتلك العواصم من قضية القدس، فإن استنكافها عن التعبير عن غضبها على الإعلان الأميركي، وامتناعها عن اتخاذ أي إجراء احتجاجي ضد عملية مصادرة المدينة المقدسة وتقديمها لإسرائيل على صينية الشرعية الأميركية، لم يترك مجالا للشك بأن المفاضلة بين القدس وأميركا في هذه العواصم ترجح لصالح أميركا.

والحال كذلك فما الذي يمنع الإدارة الأميركية، التي تحدثت في حينه عن استغراق عملية نقل السفارة مدة سنوات، ما الذي يمنعها من استعجال الزمن وتقديم هدية أخرى لإسرائيل في الذكرى السبعين لتأسيسها؟ خاصة وهي ترى أن الإعلان المذكور لم يتسبب بأي شائبة لتحالفاتها وعلاقاتها في المنطقة.

المراقب الموضوعي أن يرصد أنه منذ إعلان ترامب عن القدس عاصمة لإسرائيل، فإن علاقات عواصم القرار العربي مع أميركا وإسرائيل في تعزز مستمر، فالأردن التي كانت "غاضبة" أعادت السفير الإسرائيلي إلى عمان، بعد أن مسحت عارها ببضعة ملايين دفعتها إسرائيل "دية" مواطنيها الذين قتلوا برصاص حارس السفارة الإسرائيلي، والسيسي يتحدث بكل "فخر" عن توقيع نظامه لاتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل بقيمة 15 مليار دولار، بينما تنتقل العلاقات السعودية الإسرائيلية إلى مرحلة الجهر بـ"الدعوة" والتحالف ضد "العدو المشترك" المتمثل بـ"الخطر الإيراني".

وفي ظل شهر العسل العربي/ الأميركي/ الإسرائيلي، تواصل إسرائيل زحفها على ما تبقى من أراض ومعالم عربية فلسطينية في القدس، بشطريها الغربي والشرقي، ففي الشطر الغربي وبعد أن هدمت حي "ماميلا" المقابل لباب الخليل، وقامت بتجريف مقبرة مأمن الله القريبة منه، تسعى هذه الأيام إلى هدم عمارات تاريخية تقع في منطقة "محطة القطار" القريبة من محطة الباصات المركزية، كما تعمل بدأب على تنفيذ مخطط تدمير قرية لفتا المهجرة الواقعة في المدخل الغربي للمدينة.

أما في الشطر الشرقي، فتتسارع عملية تهويد أحياء الشيخ جراح وسلوان ومحيط البلدة القديمة لتضييق الخناق الاستيطاني حول الحرم القدسي الشريف، في وقت الذي تتواصل فيه مداهمات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك وتغلق كنيسة القيامة في القدس أبوابها، لأول مرة منذ 49 عاما، احتجاجا على كسر بلدية الاحتلال لـ"الستاتيكو" القائم منذ العهد العثماني، وفرض ضريبة المسقفات "الأرنونا" وبأثر رجعي على المقدسات والأملاك الوقفية المسيحية، وفرض الحجز على هذه الأملاك، إلى جانب الدفع باقتراح قانون يسهل مصادرة أملاك في الشطر الغربي للقدس، كانت الكنيسة قد قامت بتأجيرها لمدة 99 عاما.

والحال كذلك فإن القرار الأميركي هو مجرد تحصيل حاصل، رغم عدم التقليل من شأن إسباغ الشرعية على الحقائق الاستيطانية التي فرضتها إسرائيل على الأرض في إطار المساعي المتواصلة لتهويد القدس.