مغالطة الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي

مغالطة الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي

سهيل كيوان

يستعد الحزب الشيوعي الإسرائيلي لإحياء مناسبة مئة عام على تأسيسه، فهل صحيح أن الحزب الشيوعي الحالي هو امتداد للحزب الشيوعي الفلسطيني أم أنها مغالطة تاريخية؟

جميل جدًا أن يكون عمر حزبك قرنًا من الزمن، ولكن ليس بكل ثمن، وليس على حساب أناس لا يعرفون حقيقة ما هو الحزب الشيوعي الفلسطيني، فيظنون أن عرب فلسطين أسسوا حزبًا شيوعيًا عام 1919.

وكي لا يأتي أحد ليقول ضُللنا وضَلَّلنا، يجب التذكير بحقائق التاريخ الثابتة.

الحزب الشيوعي الفلسطيني أسسه مهاجرون يهود من شرق أوروبا، وكان اسمه في البداية حزب العمال الاشتراكي، ثم صار الحزب الشيوعي الفلسطيني بلغة الييدش "بلستينشع كومنستشع بارتي". وكانت منشوراته بلغة الييدش التي لا علاقة للعرب سكان البلاد بها. ولم يكن في هذا الحزب أي رفيق عربي فلسطيني حتى بعد تأسيسه بعقد من الزمن، كان أول من انضم إليه شاب من يافا يدعى رضوان الحلو وهو عامل بناء، وذلك بعد تعرّفه على شاب يهودي من المهاجرين أثناء عمله في البناء حدّثه عن حقوق العمال وأقنعه بالفكر الاشتراكي.

في العام 1930 سافر رضوان الحلو في بعثة إلى الاتحاد السوفييتي كمندوب عن الحزب في مؤتمر الأحزاب الشيوعية"الكومنتيرن"، ولكنه بقي لسنة لدراسة الماركسية، ثم مدد مكوثه لسنتين إضافيتين لأسباب تِقنية، واصل دراساته الماركسية خلالها.

فيما بعد فرضته منظمة الأحزاب الشيوعية العالمية "الكومنتيرن" كسكرتير للحزب الشيوعي الفلسطيني، وذلك بهدف تقريب الحزب من السكان العرب الذين كانوا أكثر من 85% من السكان.

بقي رضوان في هذا المنصب منذ عام 1934 حتى-1943، وذلك أن "الكومنترن" قرر تحويل الحزب من حزب للمهاجرين اليهود المؤمنين بالاشتراكية فيه بعض العرب إلى حزب وطني فلسطيني ذي أكثرية عربية يضم إليه يهودًا من المهاجرين. هذا سببَ انقسامًا في الحزب، وخصوصًا أن العرب أيدوا ثورة القسام ضد الاستعمار ورأوا فيها حركة تحرر بمن فيهم رضوان الحلو.

حدث انقسام عام 1943، وبعد هذا بعام تأسست عصبة التحرر الوطني، على يد إميل حبيبي وتوفيق طوبي وعبد الله البندك وفؤاد نصار وأصدروا صحيفة الاتحاد عام 1944. رضوان الحلو لم يجد نفسه لا هنا ولا هناك وترك الحزب وعاد للعمل كمقاول بناء حتى النكبة، حيث تشرد ومات لاجئًا في أريحا بعد عقود.

لقد شغل قادة ورفاق الحزب الشيوعي الفلسطيني الأوائل "كومينستشع فلستينشع بارتي" مكانا مرموقا في النشاط الاستيطاني ورفضوا ثورة القسام المسلحة ضد الإنجليز رغم إقرارهم في برنامجهم معاداة الاستعمار.

صحيح أن قيم الحزب الشيوعي الفلسطيني دعت للتفاهم مع عرب فلسطين، لكن على أساس أن يكون العرب مواطنين موالين لدولة إسرائيل القادمة في مواجهة الإمبريالية والرجعية العربية، بينما كانت عصبة التحرر الوطني تطمح لإقامة دولة عربية فلسطينية اشتراكية يحظى فيها اليهود بمساواة تامة.

في مطلع العام 1947 وفي مؤتمر للأحزاب الشيوعية العالمية الذي عقد في لندن وقف إميل حبيبي ممثلا لعصبة التحرر في مواجهة مع شموئيل ميكونيس ممثل الحزب الشيوعي الفلسطيني رافضًا تقسيم فلسطين، وقد أيده الكومنتيرن في موقفه، ولكن بعد أسابيع قليلة خطب وزير خارجية الاتحاد السوفييتي أندريه غروميكو في عصبة الأمم المتحدة مؤيدًا للتقسيم، فغيّرت عصبة التحرر موقفها، وأيدت التقسيم مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني.

بعد حرب 1948، حُلّت عصبة التحرر الوطني وما تبقى منها في فلسطين اندمج مع الحزب الشيوعي الفلسطيني "بلستينشع كومنستشع بارتي" وأسسوا الحزب الشيوعي الإسرائيلي بمباركة الاتحاد السوفييتي، وبعض من تشردوا من الفلسطينيين من عصبة التحرر أسسوا مع ماركسيين أردنيين الحزب الشيوعي الأردني وكان سكرتيره الأول فؤاد نصار وبعد الاحتلال عام 1967، كانوا نواة العمل الشيوعي في الضفة والقطاع ثم حزب الشعب الفلسطيني عام 1982.

في العام 1962 طُرد أربعة نشطاء يهود من الحزب، لأنهم اعترضوا على مواقف الاتحاد السوفييتي وطالبوا بمناقشتها وليس الموافقة عليها بشكل أعمى، وهؤلاء أسسوا حركة "متسبين" المنظمة الاشتراكية في إسرائيل.

وفي العام 1965 نشأ خلاف بين من كانوا عصبة تحرر من جهة وبين من كانوا الحزب الشيوعي الفلسطيني وذلك نتيجة الموقف من الحركة الصهيونية والموقف من جمال عبد الناصر، وهذا أدى إلى عودة كل جناح إلى أصوله، فمن كانوا عصبة تحرر وطني مثل إميل توما وإميل حبيبي وتوفيق طوبي ومن انضموا إليهم بعد قيام الدولة من اليهود انشقوا عن الحزب وأسسوا قائمة "راكاح" وأكثريتها من العرب وإن كان سكرتيرها العام الأول ماير فلنر، إلا أن معظم اليهود ذهبوا مع حزب ("ماكي" الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وذهب العرب مع راكاح الحزب الحالي، الذي اعتبر الصهيونية حركة استعمارية ووضعها جنبًا إلى جنب مع الاستعمار والرجعية العربية، ويسعى لإقامة نظام اشتراكي في إسرائيل، ورأوا بعبد الناصر قائدًا ضد الاستعمار ومحررًا للشعوب العربية، وهذا نبع من موقف الاتحاد السوفييتي وتقاربه ودعمه لجمال عبد الناصر، إذا اقترب اقتربوا وإذا ابتعد ابتعدوا.

بقي الحزب الشيوعي الإسرائيلي "ماكي" كله من اليهود وممثلا في الكنيست بموشيه سنيه وشموئيل ميكونيس حتى تلاشى نهائيا عام 1972.

عندما يحتفل الحزب الشيوعي الحالي بمئة عام على تأسيسه فهذه مغالطة كبيرة، الحزب الشيوعي الحالي عمره 74 عامًا، وهو امتداد لعصبة التحرر الوطني بقيادة إميل حبيبي وتوفيق طوبي وفؤاد نصار وعبد الله البندك وليس امتدادًا إلى طلائع المستوطنين الاشتراكيين، إلا إذا كان رفاقه الحاليون يتمسّكون بهذا النسب.

هذا التوضيح لا يلغي أن لحزب "ماكي بقيادة ميكونيس وسنيه" مواقف إنسانية من العرب بعد قيام إسرائيل، مثل المطالبة بإنهاء الحكم العسكري إلى جانب حزب "مبام"، والدعوة إلى وقف مصادرة الأراضي ومنح العمال العرب حقوقهم النقابية وضمهم إلى الهتسدروت والبحث للتوصل إلى حل مع الفلسطينيين، إلى جانب هذا طالبوا باحتواء العرب من خلال الخدمة العسكرية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018