صديقي المحاصر في الغوطة

صديقي المحاصر في الغوطة

ربيع عيد

إلى حسّان عبد المنعم؛

بعد كل قصف تتعرض له مدينة دوما، أُرسل لصديقي المحاصر في غوطة دمشق منذ سنوات، برسالة عبر فيسبوك أو سكايب للاطمئنان على حياته وحياة عائلته. عادة ما كان الرد يأتي بعد أيّام وأحيانًا بعد أسابيع ليطمئنني أنه بخير ولم يُصب بقذيفة أو صاروخ. لم تعد فكرة أن صديقي قد يكون تحت الأنقاض بعيدة عن مخيلتي، فالمخيلة التي كانت تمتلئ في السنوات الأولى للثورة السوريّة بصور المظاهرات السلميّة وشعارتها الباعثة لروح جديدة ولمستقبلٍ تنتظره أجيال في الوطن العربي، أصبحت مضرّجة بصور الموت والدمار؛ صورٌ باتت جزءًا من قلقنا اليوميّ في الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي، نقف أمامها عاجزين.

واظبتُ منذ سنوات على الاطمئنان على صديقي الوحيد الموجود في سورية بعد أن أصبحتْ خيارات النظام السوري واضحة في التعامل مع الانتفاضة الشعبيّة بالحسم العسكري واتّجاه الثورة نحو التسلّح. أمرّ على محادثاتنا اليوم في الذكرى السابعة للثورة، فأرى أمامي يوميّات لمآلات الثورة من خلال ما كان يخبرني بما يحصل معه، كنّا نتحدث عندما تكون شبكة الإنترنت -السيئة في معظم الأحيان- متوفّرة لديه، وفي كل مرّة يخبرني أن الوضع الآن هو الأسوأ منذ الثورة، وأن القصف أشرس، والحصار أصعب والموت أقرب، وأنه يرد على رسائلي لأنه على قيد الحياة مصادفة بعد أن نجا عدة مرات من انفجار أو صاروخ وقع بقربه.

التقيت بحسّان في مصر عام 2007 وفي المغرب عام 2008، شاركنا في مخيم الشباب القومي العربي الذي يجمع عشرات الشباب الناشطين في أحزاب قوميّة من دولٍ عربيّة مختلفة في مخيم صيفي سنوي، لحضور محاضرات وورشات فكريّة سياسيّة وثقافيّة وجولات للتعرّف على مدن ومعالم البلد المستضيف. كان الوفد السوري يومها وفدان: وفد عن حزب البعث المحسوب على النظام، ووفد عن حزب الاتحاد الاشتراكي الناصري المحسوب على المعارضة. التقى الوفدان لأول مرّة وتعرّف أعضاؤهما على بعضهم البعص، في المطار قبل السفر، وكان واضحًا بالنسبة لي، التباين بينهما من خلال المشاركات والآراء خلال الندوات؛ لدرجة أن إحدى المُشاركات تحدثت عن أهميّة وضرورة الإصلاحات في سوريا خلال ندوة كان موضوعها النهضة العربيّة، فتم استدعاؤها لتحقيق في السفارة السورية لنكتشف لاحقًا أن رجل من المخابرات السوريّة كان عضوًا في وفد حزب البعث، يشارك في كل الندوات ويكتب التقارير.

كان وفدنا الفلسطيني ينظر يومها للنظام السوري كقلعة للممانعة والمقاومة في وجه إسرائيل، ولم نكن نرى أو نعرف عن ممارساته الوحشية بحق الشعب السوري؛ بل كنّا نعتقد أن الشعب السوري يعيش في نعيم مقارنة مع باقي الشعوب العربيّة بفضل قيادته. جاءت الثورة السورية وكشفت لنا الكثير عن عقود الاستبداد التي أرساها الأسد الأب وورثها الأسد الابن. مع انطلاق الثورة عام 2011، أُصبت في الأيّام الأولى بارتباك في موقفي تجاه ما يجري؛ فكنت منحازًا للناس بالشارع تمامًا كما انحزت للناس في الميادين في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا، لكن كان هناك تعويلٌ في داخلي على أن بشار الأسد شخصيّة إصلاحيّة وسيكون مختلفًا عن الزعماء العرب الآخرين، حتّى جاء خطابه الأول في الثلاثين من آذار عام 2011 حول المؤامرات الخارجيّة التي يُمثّلها المتظاهرون، ليبدد هذه الأوهام خصوصًا مع استخدام قضية فلسطين لتبرير قمع ثورة الشعب السوري.

أصبحتُ وبعد امتداد المظاهرات في المدن السوريّة وتحوّلها إلى حالة وطنيّة شاملة، أُشاهد بشكل يومي الصور والفيديوهات الاحتجاجيّة المنشورة في صفحات فيسبوك الناشطة في الثورة، وأقضي ساعات في تتبعها ومشاركتها حتّى أصبحت الثورة السوريّة جزءًا أساسيًا من برنامجي اليومي، كما نظّمت مع زملاء آخرين نشاطات عدّة دعمًا للثورة السوريّة في فلسطين، وعملنا قدر الإمكان أن يبقى صوت الناس الثائرين مسموعًا في ظل انحياز مجموعات وشرائح فلسطينيّة لرواية النظام حول ما يجري.

لم ينقطع تواصلي مع صديقي المحاصر، وتطوّرت صداقتنا عبر العالم الافتراضي، وأخبرني عن تحوّلات النشاط والعمل المدني لأجل الثورة بعد سيطرة الفصائل الإسلاميّة على الغوطة المحاصرة التي فُرض فيها نظام جديد مختلف وبعيد عن أهداف الثورة؛ حيث بات النشاط داخل المجلس المحلي لمدينة دوما هو المكان الوحيد للنشطاء المدنيين الذي يقتصر على الجانب الخدماتي للناس المُحاصرة، في توفير الغذاء من خلال الاعتماد الذاتي على الزراعة في بساتين الغوطة. كان هذا سلاحهم الوحيد للصمود.

"لا خالصين من الإسلاميين ولا خالصين من الأسد" كان يقول صديقي، إلّا أن دخول روسيا للصراع الدائر وتدخلّها العسكري زاد من المأساة في الغوطة، فالصواريخ الروسيّة تُصيب بشكل مباشر ودقيق، ووقعها أقوى من تلك السوريّة، والطائرات الروسيّة تعمل في كل تقلّبات الطقس بخلاف السوريّة التي كانت تتوقف عن العمل خلال الأيّام الماطرة حيث كان المطر بالنسبة للمحاصرين "حظرا جويا ربانيا" بعد أن فقدوا الأمل بتحرك دولي يمنع القصف والبراميل عنهم. كانت الصواريخ الروسيّة تقصف التجمّعات البشريّة في الأسواق الشعبيّة والمساجد، وبعد أن يأتي المسعفون لأداء عملهم تقوم الطائرات بجولة قصف جديدة عليهم. في عدّة مرات لم يكن القصف ليتوقف ولو للحظة كما لو أنه يوم القيامة، يقول لي صديقي الذي اعتاد هذا المشهد. بات الناس يعرفون في الكثير من الأحيان أوقات القصف ومواقعه ومدّته، وأصبح جزءًا من حياتهم اليوميّة.

"زهقت الموت كل يوم" يخبرني "حتّى في الهدن المعلن عنها في قصف وموت، ما ضل أنواع صواريخ إلّا وجرّبوها علينا من أرض أرض، وجو أرض، وبراميل وغازات وكلور وكيماوي وعنقودي... هاد العنقودي كثير قذر... بيبترلك أطراف الجسم". كان الحديث معه عبر سكايب الأصعب، فأنا أسمع منه تفاصيل العيش في المجزرة المستمرة منذ سنوات ولا أعلم إن كنّا سوف نتحدث مرّة أخرى.

كان صديقي يفرح عندما نتحدث، فهذه المحادثات كانت مناسبة له لممارسة الحياة والتواصل مع العالم الخارجي وتعطيه بعض الدعم المعنوي. كنا نتحدث عن ذكريات المخيم الصيفي والكتب التي تبادلناها ووقوفنا في الطابور الصباحي لننشد "بلاد العرب أوطاني..." ثم نتطرق للتحولات التي جرت لزملاء وأصدقاء لنا آخرين من الدول العربيّة أنشدوا معنا "بلاد العرب أوطاني" طيلة أيّام المخيم وحلمنا معهم بنهضة عربيّة، فمنهم من وقف مع الانقلاب العسكري في مصر وروّج لعبد الفتاح السيسي، ومنهم من أصبح لاجئًا، أو ذهب إلى سورية ليقاتل في ميليشيا، ومنهم من ابتعد عن الاهتمام بالشأن العام كليًا واختفى أو هاجر أو سعى للاستقرار والعمل.

تزوّج حسّان قبل سنة في الحصار، وقبل شهر وُلدت ابنته الأولى رشا على وقع المعركة الأخيرة الشرسة على الغوطة مطلع شهر شباط الحالي، والتي قضى فيها المحاصرون كل وقتهم في الملاجئ المكتظّة بظروف إنسانيّة مريرة. سألته بعد أن اطمأننت على حاله؛ عن أنباءٍ أفادت وصول مساعدات دوليّة، أخبرني بحنق أن الناس لا تبحث عن المساعدات، تريد أن يتوقف القتل فقط لمرّة واحدة وللأبد. بات الحديث عن حجم وهول الدمار كل مرّة أمرا عبثيا، وفوق طاقته في الوصف أو قدرتي على الاستيعاب. لا أعرف إن كنت سأتحدث مع حسّان مرّة أخرى، وإن تحدثت؛ لا أعرف إن كنت سأفعل ذلك في المرّة التي تليها. لا شيء مميز في قصة حسّان... فهي كقصة كل السوريين الواقعين في مناطق محاصرة وصراع مسلح واستهداف متواصل ينتظرون فرجا وخلاصا.

ربما ما يميّز هذه القصّة أننا عرفنا كيف نتعايش معها بشكل عادي. أكتب هذه الكلمات في الذكرى السابعة للثورة السوريّة، وأنا أشاهد بالبث المباشر عبر فيسبوك تهجير أهالي الغوطة وخروج أفواج كبيرة من الناس حاملين بعضًا مما عندهم من حاجيات وملابس في أكياس على ظهورهم ورؤوسهم، كأنّها النكبة الفلسطينيّة، إلا أن المميز في هذه النكبة أنها بخاصية البث المباشر وعلى مرأى ومسمع العالم في كل دقيقة، والذي على ما يبدو، عرف كيف يتعايش مع هذا المشهد ويُكمل يومه بشكل عادي بعد أن فشل في إنقاذ إنسانيته من التشوه في سورية.