غزة تتحدى مصيرها

غزة تتحدى مصيرها

د. جمال زحالقة

كشفت تداعيات مسيرة العودة الكبرى امرًا في غاية الاهمية والبساطة وهو أن الصراع في فلسطين هو بين الحق والباطل، بين الضحية والجلاد، بين وحشية الاحتلال الذي "يحمي ما سلب" وبسالة الفلسطيني الذي يريد الفوز بحياة طبيعية ويسعى إلى "استرداد حقّ مسلوب". لقد حمل الزحف الشعبي رواية شعب فلسطين التاريخية، بأنه شعب احتلت ارضه وشرّد من وطنه، وهو يطالب بالحرية وبالعودة. في المقابل تعتبر الرواية الإسرائيلية "العودة" عدوانًا عليها وعلى أراضيها وتدعي أن لها "الحق في الدفاع" عن حرمة حدودها. لكن لا مساواة بين الروايتين، كما لا مساواة بين رواية المجرم ورواية الضحية. للمجرم مصلحة في إخفاء الحقيقة وتزويرها في حين ان مصلحة الضحية هي الكشف عن الحقيقة وإظهارها للناس.

إسرائيل تخاف السطوة الأخلاقية لقضية فلسطين، وتخشى انكشاف بنية الحقيقة وتهاوي روايتها المبنية على مداميك من الكذب والتضليل. ولعلّ مشهد عشرات الآلاف من اللاجئين يحملون اسماء قراهم ومدنهم في مسيرة زحف سلمي، هو اكثر ما يمكن ان يقلق إسرائيل. لقد بنت اسرائيل شبكة محكمة من الادعاءات للرد على السردية الفلسطينية وعلى المطالب الفلسطينية، حين تأتي من ممثلين للجمهور ومن مجموعات مقاومة مسلحة، لكنّها لم تختبر زحفًا شعبيا لمئات الآلاف، فهو مشهد لا يمكن تكذيبه أو نفيه بجرة قلم. وكالعادة حين ترتبك اسرائيل تطلق النار، وتبحث بعدها عن التبريرات. وفي العرف الإسرائيلي لا تقل التبريرات اهمية عن اطلاق النار، وعند اسرائيل مخزون جاهز من التسويغات لكل جرائمها، مهما كانت وحشية ومهما كانت قذرة.

مسيرة العودة الكبرى، التي انطلقت من غزة، كانت سلمية بامتياز، هكذا خطط لها وهكذا كان ولم يتعرّض أي من الجنود الاسرائيليين للخطر، ولا يستطيع احد الادعاء انهم اطلقوا النار دفاعًا عن أنفسهم أو عن نفوس غيرهم. المنطق الوحيد لإطلاق النار هو "الدفاع" عن الاحتلال وعن سلب الأرض والوطن من الفلسطينيين. هذا هو منطق الحرامي الذي يدافع عن "حقّه" في الاحتفاظ بما سلب ونهب.

لم يدّع أحد ايضًا أن الجنود اطلقوا النار عن طريق الخطأ، بل كان هناك اعتراف واضح أن القتل كان عمدًا ومستهدفًا من اسمتهم اسرائيل بالمحرّضين. هذا ليس قتلًا مع سبق الإصرار والترصد فحسب، فحين تقوم جهة رسمية وجيش نظامي بمثل ذلك فهو حكم اعدام، وحكم اعدام على ماذا؟ على "التحريض" على التظاهر السلمي؟ لقد انتبهت اسرائيل الرسمية الى انها تورط نفسها بادعاء قتل "المحرضين"، فلجأت إلى اختلاق رواية جديدة وهي ان عندها مؤشرات بأن المقاومة تستغل المظاهرات السلمية للقيام بعمليات عسكرية، وبعد بث هذا الادعاء في بيان رسمي للجيش قتلت اسرائيل اربعة متظاهرين فلسطينيين وأعلنت أنهم "ارهابيون". وتبع ذلك ادعاء اسرائيلي بأن كل من قتله الجيش كان ممن تسميهم "مخربين" وحتى "مقاتلين". هكذا وضعت اسرائيل حجر الأساس لروايتها باستخدام ادعاء "الارهاب"، الذي تجيّره لتبرير ارتكاب المزيد من المجازر.

من المهم ان نشير الى ان اسرائيل (سوى قلة قليلة من اليسار الراديكالي) وقفت ودعمت جنودها الذين يقتلون الفلسطينيين العزّل، الحكومة وقيادة الجيش والقيادات السياسية في الائتلاف والمعارضة وكذلك الصحافة التي تصرفت كصحافة بلاط وإعلام متطوع في خدمة العسكر.

العنف الإجرامي الاسرائيلي في محاولة قمع مسيرة العودة الكبرى، هو أمر مقصود ومخطط له سلفًا وله هدف محدد وهو "كي الوعي" وخلق حالة من الردع لمنع أكثر ما تخشاه اسرائيل وهو نضال شعبي واسع النطاق ومسيرات شعبية تخترق الحدود وتحاصر المستوطنات. اطلاق النار على المتظاهرين استهدف القتل لزرع الخوف والهلع في قلوب الناس. لكن اسرائيل لا تعي حالة الفلسطيني، الذي لا يجد ما يخسره واخترق حاجز الخوف بلا رجعة، وانطلاق مسيرة العودة يبشر بأنّ هناك تغيير في افق النضال الفلسطيني وبأن غزّة تتحدى مصيرها.

من مفارقات الهبّات الشعبية أنها كثيرًا ما تأتي حين يخبو الأمل وحيت تصل القوى السياسية الى باب موصود وتكف الجماهير، التي تعيش ازمة معيشية وحياتية، عن التعويل عليها كممثلة لها، وتنزل الى الشارع لتقول كلمتها وتطلق صرختها. هذه الهبّات تنعش أملًا خبا وتيقظ حلمًا وتشعل نار النقمة على واقع لا يحتمل. وفي مسيرة العودة الكبرى، التي انطلقت من غزة يسطر شعبنا التاريخ ويعبّد طريق العودة والحرية والاستقلال. "مسيرة الزحف الشعبي" ترد الاعتبار للحراك الجماهيري السلمي، الذي هزّ عروش الحكّام العرب قبل سنوات، والذي اجبر اسرائيل مؤخرًا على التراجع عن نصب البوابات الالكترونية في مدخل المسجد الأقصى.

في ظل انسداد الأبواب أمام نهج التفاوض، الذي قاده ابو مازن والسلطة الوطنية الفلسطينية، وانسداد الأبواب أيضًا أمام المقاومة المسلّحة، التي حملت حماس رايتها، أصبح النضال الشعبي السلمي موضع اجماع فلسطيني على مستوى النخبة السياسية والجماهير الشعبية. من هنا فإن مسيرة العودة الكبرى هي انطلاقة جديدة ومبشّرة بمرحلة جديدة من النضال الفلسطيني، الذي يمكن أن يحظى بدعم شامل من الجميع، ويمكن ان يكون حجر زاوية في المصالحة، التي يتوق اليها الشعب الفلسطيني.

لقد انجزت مسيرة العودة نجاحًا مهمًّا في قضايا مفصلة، حيث كسرت مؤامرة الصمت على حصار غزة، الذي حوّل حياة مليوني فلسطيني الى جحيم لا يقبله بشر. وكشفت المسيرة أن الشعب الفلسطيني لن يصبر اكثر على هذا الحصار وان استمرار الكارثة الانسانية في قطاع غزة ستؤدّي إلى انفجار كبير وليس ببعيد. وأعادت المسيرة الاعتبار لحق العودة وللقرار الدولي 194، وحرّكت الناس للعمل على تحقيق العودة فعلًا حتى لو طال الطريق، وأكّدت للقاصي والداني أنه لا يمكن شطب حقوق اللاجئين. ومن اهم ما انجزته المسيرة هو الوحدة الوطنية في التحضير لها وفي تنفيذها، وفعل الوحدة هذا أكثر وقعًا من الكلام عنها وهو رسالة واضحة الى القيادة الفلسطينية أن الشعب يريد انهاء الانقسام وأنه إذا لم تتحقق المصالحة فإن الشعب سيبحث عن بدائل، تهمّش رافضي الوحدة.

شكرًا غزّة لأنك وجهت رسالة وحدة وطنية في عهد الانقسام، شكرًا غزة لأنك حولت النضال الشعبي الى واقع بعد ان حوصر في خانة الكلام، شكرًا غزة، ومعنى الشكر أن نتحرّك جميعًا ونقف معًا ومع غزّة العزّة في نضال هدفه واضح: تصحيح الغبن التاريخي الذي لحق بشعب فلسطين.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018