الرابي موسى بن ميمون يتقلّب في قبره

الرابي موسى بن ميمون يتقلّب في قبره

سهيل كيوان

قرار إدارة مستشفى "رامبام"، منع الطاقم الطبي والعاملين في المستشفى من الحديث مع بعضهم إلا بالعبرية، هو صفعة للرابي أبي عمران موسى بن ميمون القرطبي أولا وقبل شيء، الذي ألّف كل مؤلفاته الطبية باللغة العربية، وذلك في القرن الثاني عشر في قرطبة في الأندلس، وانتقل إلى فاس في المغرب العربي، ثم إلى فلسطين، ثم إلى القاهرة التي توفي فيها، ويوجد معبد باسمه في العباسية في القاهرة.

حتى قبيل هذا القرار اعتبر مستشفى "رامبام" قلعة حصينة للتعايش بين الشعبين واللغتين، لكن قرار الإدارة جاء ليظهر هشاشة هذا العلاقة وقابليتها للانكسار، علما أن أكثر من الثلث من بين أربعة آلاف موظف وعامل هُم من العرب، أما الزبائن، فربما كانت نسبتهم أعلى من الثلث، واللغة العربية تُسمعُ في كل زاوية وخطوة في المستشفى، سواء من الأطباء والممرضين والموظفين أو من المرضى وذويهم.

هذا القرار حلقة جديدة من حلقات دفع أصحاب هذه اللغة إلى التقوقع، ومحاصرة لغتنا إلى داخل التجمعات العربية، بالضبط بالتوازي مع محاولات محاصرتنا في مساحات سكنية محدودة الانتشار.

هذا القرار يتناغم تمامًا، مع مشروع يهودية الدولة وطابعها، وهو توجه عنصري بالأساس، يسلب من العرب حقهم بلغتهم في وطنهم.

مستشفى "رامبام" بالأصل هو مستوصف أقامته راهبات الوردية، وهو البناء الحجري القديم من الجهة الجنوبية لمدخل المستشفى منذ مطلع القرن الماضي، وقد وسّعته حكومة الانتداب البريطاني، قبيل الحرب العالمية الثانية، لتوسيع قدرته على الاستيعاب، وليتسع لمئتي سرير في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي.

بطبيعة الحال كان معظم نزلائه من العرب، لأن البلاد كانت بمعظمها من العرب، وحمل اسم (شجرة الحياة)، وأطلق العرب عليه اسما شعبيا هو "مستشفى الدكتور حمزة"، وذلك لأن أحد الأطباء العاملين فيه كان يدعى حمزة، وهو طبيب لبناني خريج الجامعة الأميركية، بقي فيه حتى النكبة، حيث غادر إلى لبنان خلال النكبة.

بعد الهجرة اليهودية الواسعة، وتذمّر العرب في الثلاثينيات، قرّرت بريطانيا أن يكون نصف طاقم الموظفين والعمال والممرضات من العرب واليهود بالتساوي، ولكن بإدارة بريطانية.

في العام 1952 أطلق على المستشفى اسم "رامبام"، على اسم الرابي موسى بن ميمون.

منع العربية بين موظفي المستشفى يحمل رمزية كبيرة في تدهور مكانة العرب المستمرة. وهذه حلقة من حلقات الهجمة الصهيونية والعالمية على العرب والمسلمين، التي تقودها أميركا منذ عقود، والتي أعلنها بوش الأب ثم بوش الابن، ثم الإعلان المستمر والمُلحّ للرئيس الحالي ترامب، تحت غطاء محاربة الإسلام المتطرّف، مع دعم رسمي عربي كبير، فقط لأجل البقاء في السلطة. الرابي موسى بن ميمون يتقلب في قبره.

قبل أسابيع قليلة اتخذت شبكة "أروما" القرار نفسَه، ولكن كثيرين من العرب واصلوا التعامل معها كـأن شيئا لم يحدث، مثلما واصلوا التعامل مع شبكة "كافيه كافيه" التي أعلنت عن عنصرية إدارتها بشكل سافر. كأن بعض العرب يتوحّمون، على منتجات هذه الشبكات العنصرية.

إذاً، والحال من سيئ إلى أسوأ، كيف يجب أن نرد؟ أولا واجب مؤسساتنا، مثل المجالس المحلية والبلديات العربية، التشديد على أن تكون اللغة الداخلية في جلسات العمل، والمراسلات مع المواطنين من قبل البلديات وأقسامها، وقراراتها ونشراتها في اللغة العربية.

التشديد في المدارس على أهمية اللغة العربية الأم، فمن لا يتقن لغته العربية الأم، سيواجه صعوبات تعليمية في شتى المواضيع العلمية وغير العلمية.

وتخصيص مساحات أكبر للغة العربية، في البرامج اللامنهجية، في كل مراحل الدراسة.

العودة للاهتمام في مدارسنا بالخط العربي الذي أهمل.

مطالبة كل من يثبتون لافتات على محلاتهم التجارية في قرانا ومدننا استخدام اللغة العربية، والتأكيد لهم على أهمية الأمر، خصوصًا وأن معظم زبائنهم من العرب، وعدم منح ترخيص عمل من قبل البلديات لأي متجر يتجاهل في لافتاته اللغة العربية، هذا ما فعلته بعض مجالسنا وأثبت جدواه.

إقامة لجنة في لجنة المتابعة لمتابعة الهجوم الذي تتعرض له اللغة العربية، سواء في المؤسسات الرسمية، أو من خلال لافتات الشوارع المشوّهة بشكل مقصود من قبل شركة شق الطرق "ماعتس".

العمل على إعلان يوم للغة العربية ليس في المدارس فقط، بل كيوم من أيام النضال الشعبي، وتحويل اللغة إلى واحدة من قضايانا المُلحّة مثل قضية الأرض والمسكن والميزانيات، فهذه جزء من تلك، وأن يكون يوم اللغة العربية، كيوم نعلن فيه تمسّكنا بلغتنا، وحقنا في التعامل بها في كل مكان وزمان في وطننا الذي لا وطن لنا سواه.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018