ماذا جنى سكان القطاع من مسيرات العودة؟

ماذا جنى سكان القطاع من مسيرات العودة؟

سهيل كيوان

ماذا جنى المحاصرون في قطاع غزة؟ ماذا استفادوا من مقتل العشرات وسقوط مئات الجرحى؟ هل هذا ما سيرفع الحصار عنهم؟ هل سيعودون إلى أرضهم وقراهم التي هُجِّروا منها بهذه المسيرات؟

كل هذه التساؤلات ومثلها سمعناها، وقرأناها.

إلا أن السؤال الذي يجب أن يُسأل هو: ما الذي أوصل الناس في قطاع غزة لأن يهجموا على الشريط الحدودي بصدور عارية؟ ويستهتروا برصاص القنص الإسرائيلي؟ وما هذه الدافعية لمواجهة الموت؟

هناك حقائق يتناساها أو يجهلها كثيرون، وهي:

* قطاع غزة، هو المنطقة الأكثر اكتظاظًا في العالم، بمعدّل 26500 مواطن في الكيلو متر المربع الواحد، وحوالي 56000 ألف مواطن للكيلومتر المربع الواحد، في ثمانية مخيمات. ويعيش حوالي مليوني إنسان على شريط ساحلي طوله حوالي 45 كيلو مترًا وعرضه من 5 إلى 13 كيلو متر. بمساحة 360 كيلو متر مربع.

* ثمن الأرض في قطاع غزة، أغلى من وسط تل أبيب، بسبب الاكتظاظ السّكاني.

* في قطاع غزة عشرات آلاف الشباب من الجنسين، لا يستطيعون الزواج، لعدم توفّر أي مقوّمات، مثل السكن والعمل.

* أكثر من 75% سكان قطاع غزة، هم من اللاجئين منذ عام 1948، وقراهم لا تبعد عنهم سوى بضع كيلو مترات، مثل سدود، الجية، الفالوجة، بربرة، عراق المنشية، عراق سويدان، وعشرات القرى غيرها.

* نسبة لا بأس بها من اللاجئين منذ العام 1967، ممن نزحوا من مكان إلى مكان هربًا من الحرب.

* إسرائيل في حصارها الطويل لقطاع غزة، لوثّت مياهه وهواءه وزادت من فقر أهله فوق فقرهم، فارتفعت نسبة إصابات السرطان وأمراض التنفس والكلى والحاجة إلى دياليزا. والأهم، أن العلاج غير متوفر بما يلبي حاجة الأعداد الكبيرة من المرضى، وكي يحصل ابن قطاع غزة على علاج، ينتظر وقتا طويلا، وقد تمر شهور ولا يحصل في النهاية على تأشيرة للعلاج في إسرائيل أو القدس الشرقية أو غيرها، وغالبًا يصل للعلاج متأخرًا، ويقضي قبل وصوله.

* الحصار يحدُّ من تسويق وتصدير المنتجات الزراعية، وكثيرًا ما تتلف.

* هناك أناس ولدوا في قطاع غزة، لم يستطيعوا الخروج منه، منذ عشرين سنة وأكثر.

* 35% من سكان القطاع تربطهم علاقات قرابة مع فلسطينيين داخل إسرائيل والقدس، ولكنهم محرومون من زيارتهم.

في العام 2005 انسحبت إسرائيل من القطاع ولكنها ما زالت تسيطر على المعابر وتحاصر الميناء وتمنع الملاحة الجوية، وتحدد مساحة الصيد، وكثيرًا ما تعتدي على الصيادين وتقتلهم، وتحدد دخول المواد وتتحكم بها.

حماس لا تحكم الضفة الغربية، وفيها رئيس وحكومة فلسطينية معتدلة جدًا برئاسة أبو مازن، وهو غير متطرف أبدًا، وليس إسلاميًا، ونسّق مع إسرائيل أمنيا لسنين طويلة، وما زال ينسق مع الاحتلال، وفاوض وما زال مستعدًا للتفاوض.

فهل توقف الاستيطان ساعة واحدة؟

هل توقفت سرقة المياه الجوفية الفلسطينية؟

هل توقف تلويث الأرض الفلسطينية بالمكاره البيئية؟

هل توقفت اعتداءات المستوطنين على الناس وممتلكاتهم؟

هل توقف تهويد القدس لحظة واحدة؟

هل توقّف طرد الناس من الأغوار، وحرمانهم من المراعي ومن أبسط مقوّمات الحياة؟

هل قوي معسكر السلام في إسرائيل أم تراجع لصالح القوى الفاشية؟

الإجابة واضحة ويعرفها الجميع.

في قطاع غزة يعمل بعض الناس مقابل 800 شيكل في الشهر.

في قطاع غزة، يقف الشاب الطويل والعريض على باب المسجد ليحصل على صدقة، بضعة شواقل.

الطالب الجامعي المحظوظ في قطاع غزة، هو من يعثر على عمل بعشرين شيكل في اليوم.

كثيرون يشغّلون سياراتهم الخاصة كسيارات أجرة طيلة النهار، كي يحصلوا في آخر النهار على خمسين شيكل.

الكهرباء تنقطع ست عشرة ساعة في اليوم، والمواد الغذائية إذا وجدت، تتعرض للتلف، إضافة للانقطاع عن العالم الخارجي.

إضافة للحصار، هناك ضغوطات بشتى الطرق من قبل سلطة رام الله مثل عرقلة الرواتب، أو خفضها أو قطعها، وتحريض السعودية على حماس، وإغلاق مصر لمعبر رفح بتنسيق إسرائيلي، وكل ألوان التضييق على الغزيين بحجج شتى، هي في الواقع عقوبات جماعية.

القوى التقدمية في إسرائيل من العرب واليهود؟ أين حركة "ميرتس" والقائمة المشتركة واليسار والمركز؟ أين أنصار حقوق الإنسان والحيوان في العالم؟ لن أتساءل أين العرب، لأننا نعرف أن معظمهم تحت بساطير الاستبداد.

ما تقوم به إسرائيل بالتعاون مع أطراف عربية، مثل مصر وسلطة رام الله، هو استخدام للمدنيين في قطاع غزة كدروع بشرية، لتحقيق مكاسب سياسية، من خلال تأليب الناس ضد حركة حماس لإسقاطها عن السلطة.

أرادوا من خلال الحصار وتلويث المياه والبطالة والإفقار ووقف دعم الأونروا الذي أمر به ترامب، إسقاط حماس من خلال تعذيب الشعب، وإرغامه على الخروج إلى الشوارع ضد حماس، أي أنهم حوّلوا شعب القطاع إلى رهائن.

مهما كان موقفك من حماس أو غيرها، فإن ما يجري في الواقع هو مجزرة منظّمة ضد المدنيين، لأنهم هم المتضررون وليس الفصائل المسلّحة.

هذه المسيرات صرخة حياة، وليست صرخة موت، وهي بصقة كبيرة في وجه عالم وقح وحقير، أصبح كالثيران والبغال والجواميس من مختلف الأحجام والأصناف المُدْبِرة بمؤخراتها الضخمة لآلام أهالي قطاع غزة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018