أحزابنا الصامتة على الكيماوي

أحزابنا الصامتة على الكيماوي

ربيع عيد

هل ما زال هناك مجال لطرح التساؤل عن صمت الأحزاب السياسيّة في الداخل الفلسطيني حول القتل الذي يتعرض له الشعب السوري منذ سبع سنوات؟ أو بشكل مبسّط أكثر: ما الحاجة لطرح هذا التساؤل اليوم بعد الصمت المتواصل على جرائم استخدام السلاح الكيماوي؟

مجزرة جديدة بالكيماوي ارتكبها نظام الأسد بحق المدنيين المحاصرين في مدينة دوما في غوطة دمشق، مساء السبت، راح ضحيتها بحسب الاحصائيّات الأوليّة 150 قتيلا، وأكثر من ألف مصاب، ليرتفع عدد المرات التي استخدم فيها النظام السوري هذا السّلاح المحرّم دوليًا ضد السوريين بحسب هيئات حقوقيّة مدنيّة سوريّة إلى 215 مرّة منذ عام 2011.

215 مرّة استخدمت الأسلحة المحرّمة دوليًا على أجساد السوريين، يقابله صمت مؤسف ومخزٍ في المواقف الرسميّة للأحزاب السياسيّة الرئيسيّة في الداخل الفلسطيني (دون احتساب التيار الإسلامي)، وغياب حتّى بيان واحد كأضعف الإيمان يدين هذه العمليّات الإجراميّة. صمتُ غير مبرر تحت حجّة النقاشات والاختلافات في الموقف حول ما يجري في سورية.

لماذا نسأل عن مواقف الأحزاب؟ وهو سؤال موجه للتجمّع الوطني الديمقراطي، الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة والحزب الشيوعي، حركة أبناء البلد وغيرهم؛ مع الإشارة إلى أن هنالك شخصيّات قياديّة وكوادر في هذه الأحزاب لها موقف واضح، إلا أن سؤال غياب الموقف يبقى موجهًا للمؤسسات الحزبيّة الرسميّة، كونها الهيئات السياسيّة الرسميّة العليا التي تعمل بين الفلسطينيين في الداخل وتمثّلهم، وتعبّر عن تطلّعاتهم وتصيغ مواقفهم الجماعيّة. فهل انقطع الفلسطينيون في الداخل عن شعبهم العربي السوري ومأساته في التهجير والقتل؟ كيف يُعقل أن يصمت من عاش النكبة على نكبة جديدة تحصل بحق السوريين؟ وفي الواقع ومن دون حساسيّة مفرطة حول مركزية المأساة الفلسطينيّة عربيًا، يعيش السوريون اليوم نكبة يفوق حجمها من تلك الفلسطينيّة عام 1948. لم يبق شيء إلا وجُرّب في قمع السوريين من تعذيب وقتل وقصف وبراميل متفجّرة وصواريخ (200 نوع من الأسلحة الروسيّة الجديدة جُربّت في سورية) وتهجير واغتصاب وإبادة ونفي وحصار وتجويع وإذلال وفتح أبواب البلاد أمام التدخلات الأجنبيّة على كافّة أشكالها وامكانية تقسيمها.

المأساة السوريّة لم تنته، ولن تنتهي في المدى القريب وما زلنا نعيشها، ورغم كل ما رأينا من مشاهد دمويّة صعبة وسمعنا أخبارًا عن الفظائع الحاصلة حتّى الآن، نحن غير قادرين على استيعاب حجمها وانعكساتها المستقبليّة التي ستظلّ ماثلة أمامنا لسنوات. لكن أن تبقى أحزابنا صامتة حتّى "تنتهي" المأساة لتعلن حينها عن أسفها لما حصل للشعب السوري الشقيق أمر لا يمكن التسامح معه أبدًا. سيكتب التاريخ هذا الصمت المخزي، وسنتذكّر بالأسماء من كان يعترض إدانة قتل السوريين كما سنتذكّر من كان يؤيد قتلهم.

تهاجم إسرائيل أحزابنا السياسيّة وتتهمها بالنفاق وازدواجيّة المواقف لأنها تنتقد ممارسات الاحتلال ولا تتحدث عن ممارسات الأنظمة العربيّة بحق شعوبها. لا ننتظر من إسرائيل تنظيرًا في المواقف الأخلاقيّة وهي لا تقول ذلك حرصًا على السوريين، لكن مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة بحماية للشعب الفلسطيني واحترام المواثيق والقوانين الدوليّة والصمت عن ذلك للشعب السوري الذي لم يتوانَ يومًا في احتضان الفلسطيني بعد النكبة وقبل النكبة، فهذه ازدواجيّة في المواقف الأخلاقيّة تُفقد هذه الأحزاب من مصداقيتها الأخلاقيّة.

قد يبدو أن طرح هذا السؤال الآن وبعد سبع سنوات أمرًا عبثيًا، لكن عدم طرحه والمطالبة بموقف واضح ودائم دون تأتأة ضد مجازر النظام السوري والتدخلات العسكريّة الأجنبيّة المؤيدة لمعركته ضد الشعب السوري، سيكون قبولًا بهذا الصمت وخضوعًا له وللتردي الذي أصاب الأحزاب. هذا السؤال سيبقى مطروحًا ليس على الأحزاب فقط، بل على مؤسسات المجتمع المدني والنخب ايضًا التي تصمت على هذا الصمت.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018