لماذا تركت أم الحيران وحيدة؟

لماذا تركت أم الحيران وحيدة؟

رامي حيدر

نحو الساعة الثانية من بعد منتصف الثلاثاء - الأربعاء، اجتمع قادة الشرطة في النقب والضباط من لواء الجنوب مع أهالي أم الحيران. كانت دقائق الأمل الأخيرة لأهالي القرية مسلوبة الاعتراف لإنقاذ بيوتهم وأرضهم وعدم الانتقال منها. إلا أنهم اضطروا للتوقيع مكرهين على "اتفاق" مع السلطات الإسرائيلية، والسبب، لا خيار آخر بسبب الضعف وغياب الدعم وخذلان بيئتهم الحاضنة، نحن.

وقع 175 رب عائلة على اتفاق، بموجبه يخلي منزله في أم الحيران وينتقل من أرضه، بعد العيش فيها 63 عامًا، إلى مجمع سكني في بلدة حورة القريبة، في المنطقة المعروفة باسم "المنطقة 12"، حيث سيحصل كل منهم على قطعة أرض لبناء منزل، وتعويض عن المنزل الذي هدم، من أجل توطين يهود ضمن خطة إسرائيل الهادفة لتهويد جميع المناطق الفلسطينية وجمع العرب في "غيتوهات" متفرقة، لا مستقبل لها ولا أمل.

طوال أكثر من عام، أي منذ بدء تصعيد الخطر والتضييق، تشدقت قيادات المجتمع العربي مرة بعد أخرى، سواء أعضاء ورئيس لجنة المتابعة أو زعماء الأحزاب ونواب القائمة المشتركة، بضرورة بذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على الأرض والمسكن في أم الحيران وجميع القرى مسلوبة الاعتراف في النقب، والتصدي لمخططات الهدم في جميع قرى وبلدات الداخل. وقابل هذا التشدق والوعود السعي الحثيث لإقرار الخطة الخماسية، التي تحمل في جوهرها بند التضييق على البناء وضرورة التشديد على تطبيق هذا القانون (بالإضافة إلى بنود أخرى عديدة مذلة لا مجال لذكرها هنا، وأهمها افتتاح مراكز الشرطة في البلدات العربية).

طوال أكثر من عام وقف أهالي أم الحيران وحدهم، قاوموا وواجهوا وتصدوا. وللحقيقة والأمانة المهنية، برز بعض القيادات وكثير من الناشطين يوم 18/1/2017، عندما جاءت قوات الهدم وأعدمت الشهيد يعقوب أبو القيعان بدم بارد. واستغلت قيادات الشرطة، ليلة أمس، هذه الأحداث لتهديد الأهالي والتلويح بتكرار ما حدث في حال لم يوقعوا على الاتفاق. وفهم جميع من حضر التهديد.

وبلغ الخذلان منتهاه عندما حضرت الشرطة وقوات الأمن ومقاولو الهدم، أمس الثلاثاء، إلى القرية لمعاينة المنازل ووضع خطة هدمها. فرغم المناشدات التي أطلقها أهل القرية منذ أيام للحضور والمساندة في التصدي لهم، وجدوا أنفسهم عزّل مقابل القوات المعززة، معهم 4 متضامنين يهود، بدون أي قيادي ممن منحوهم ثقتهم.

صباح اليوم، قال أحد السكان بمرارة "هناك أربع أعضاء كنيست من النقب، أين هم؟ لمَ لمْ يحضروا؟ هل نحن مجرد مخزن أصوات لا حاجة له حاليًا حتى تحين الانتخابات؟". كانت كلماته المليئة بخيبة الأمل واليأس ثقيلة جدًا، إذ لا يمكن محو وصمة العار المتمثلة بتهجير قرية دون أي وازع أو رادع أو مقاومة شعبية من خارج القرية.

حتى ساعة كتابة هذه السطور لم يأت أي نائب عربي في الكنيست أو لجنة المتابعة ورئيسها بأي رد فعل. ولن أتحدث عن المبادرة والفعل، لمعرفتي كم هو بعيد هذه التصرف عن إمكانياتهم، ولو حتى ببيان يدين ما حدث. ومنذ الأمس، ينشغل رئيس القائمة المشتركة بالدفاع عن رئيس النظام السوري ومحاولات تلميع صورته وتبرئته من محرقة الكيماوي، تاركًا التهجير في أم الحيران. وانشغل آخرون إما باستنكار ما قال وتبرئة القائمة المشتركة من أقواله، أو بالدفاع باستماتة عنه، بغية كسب بعض الأصوات داخليًا في أحزابهم، في حين لم يجرؤ آخرون على إصدار موقف، لا من دعم رئيس القائمة المشتركة للفاشية ولا من تهجير أم الحيران، بغية تفادي انقساماتهم الداخلية التي قد تطفو على السطع وتتسب بتصدع التنظيم علنًا ونهائيًا هذه المرة.

لنا أن نتخيل المنظر، 4 متضامنين يهود، بلا قيادة ولا أحزاب ولا نشطاء ولا هتافات أو لافتات على الأقل، بلا عدسات وسائل الإعلام وأقلام الصحافيين، ماذا نتوقع ممن يكون هناك؟ أن يقاتل طواحين الهواء وحيدًا؟ أن يصمد في خضم اليأس والخذلان.

قبل عامين ونيف، قال أحد أعيان القرية للنائب السابق، الأسير باسل غطاس، في إحدى زياراته للقرية، إن الدولة قدمت عرضها لتهجير سكان أم الحيران (لسخرية القدر، كان أفضل من العرض الذي تم التوقيع عليه الليلة الماضية)، إلا أنهم رفضوه بسبب ثقتهم بأن شعبهم وقيادتهم لن يسمحوا لهذا أن يحدث. واليوم، خاب ظنه وظن نحو 1000 فلسطيني يسكن أم الحيران.

وقع الأهالي على القرار بعد أن خذلهم المجتمع العربي، قيادة وأحزابا ومنظمات وغيرها. يضاف هذا التخاذل إلى خسارة المسار القضائي الذي كانت معالمه العنصرية واضحة منذ البداية، إذ لا يمكن الحصول على العدل تحت حكم إسرائيل، ولن تنصف محاكم السلطة من يواجه مشروع "دولة اليهود"، الذي تحمله كل مؤسسات الدولة بلا استثناء.

لم يتفاجأ أحد من عنصرية إسرائيل وفاشيتها. هذه هي إسرائيل منذ النكبة حتى اليوم. لم تتغير ولن تتغير. تسعى لتهويد كل شبر يملكه العرب في البلاد. يمكننا اعتبار هذا الأمر وصمة عار ووحشية وتسميتها بما شئنا من التسميات. في نهاية الأمر، نحن من تخاذل ولم نقاوم، ومرارة المتخاذل أصعب بكثير من مرارة العاجز، أما اللامبالاة فهي نكبتنا الحقيقية.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018