من إغراء صدام إلى إغواء الأسد

من إغراء صدام إلى إغواء الأسد

سهيل كيوان

اعتاد بعضنا العيش في دفيئة الشعارات الكبيرة، ويرفض بعناد مراجعة نفسه، ويبقى في بحث دائب عن ما يثبت به قناعاته السّهلة، لأن هذا أفضل وأسهل بكثير، من مواجهة الواقع المُرّ، بل شديد المرارة الذي يمر به العرب.

أحد الشعارات الكبيرة، هو أن أميركا تسعى لإسقاط النظام السوري، بعدما أسقطت نظام صدام، لأنه حجر العثرة الأخير في وجه المخططات الصهيونية.

هل حقًا تريد أميركا إسقاط النظام، في هذه المرحلة بالذات وهي عاجزة عن ذلك؟

عندما تدخّلت أميركا في أفغانستان في أواخر السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ضد السوفييت، زوّدت ما سُمِّي بالمجاهدين الأفغان بمضادات للطائرات والدّروع، فهزمت السوفييت شرَّ هزيمة، إذ قُتل عشرات آلاف الجنود السوفييت، وأُسقطت مئات الطائرات، وأحرقت مئات الدبابات، وكان هذا أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي. ولو شاءت أميركا إسقاط بشار، فما كان عليها سوى تزويد المعارضة بمضادات للطائرات، ولكن المطلوب هو استمرار الحرب، وليس حسمها لأي طرف كان، كي تستنزف أكثر ما يمكن من طاقات العرب ومعهم الفرس، ثم إبقاء النظام ضعيفًا في نهاية الأمر، أفضل من أن يأتي من هو مجهول بالنسبة لإسرائيل.

عندما حارب صدام حسين إيران بضع سنوات في حرب الخليج الأولى من 1980 إلى 1988 حصل على دعم أميركي وغربي وعربي - سعودي مصري إماراتي واسع.

عندما انتهت وظيفته وتوقّفت الحرب، ظنّ أن أميركا والغرب رضوا عنه، لأنه حَجَّم قوة الجمهورية الإسلامية، ولكنه كان قد تحوّل إلى قوة عسكرية كبيرة، وصار من الضروري تحجيمه، خصوصًا بعد استعماله الكيماوي في حلبجة في نهاية الحرب، لقمع تمرد للأكراد. جرى استغلال خلافه حول ديون العراق للكويت، وغمزت له سفيرة أميركا في العراق، وأوهمته بأن أميركا لن تتحرك إذا ما احتل الكويت، هكذا أغروه فاحتل الكويت وأسقطوه في الفخ، فحشدت أميركا تحالفًا دوليًا وعربيًا ودمروا جيش العراق وأقاموا مناطق ممنوعة على الطيران.

ثم بدأت عمليات البحث عن الكيماوي، سلاح الدمار الشامل الذي سبق وهدد فيه إسرائيل، فأقاموا حصارًا طويلا على العراق حتى أنهكوه، وفي نيسان 2003، احتلوا بغداد.

بعد احتلال بغداد بدأت المقاومة الجادّة ضد الاحتلال، موقعة خسائر كبيرة بين الأميركيين، حينئذ انسحبت أميركا وفتحت الطريق لإيران لتقوم هي بمحاربة جيش العراق وحزب البعث الذي جرى حلّه، ولتنتقم من أولئك الذين حاربوها ثماني سنوات، وكانت هذه الأرضية الخصبة والحاضنة لتنظيم "داعش"، التي أنشأتها ودعمتها السعودية والإمارات، تحت شعار مساعدة أهل السُّنّة.

هكذا تحولت الحرب في العراق إلى مذهبية بين سنة وشيعة، بعدما كانت بين المحتل الأميركي والشعب العراقي، وصارت بين العراقي والعراقي، والعربي والعربي، والسّني والشيعي، وأميركا وإسرائيل تتفرّجان.

لقد غضَّت أميركا الطرف عن المقتلة السورية، سبع سنوات، بمنطق، فخّار يكسّر بعضه.

تسمح لبشار بأن يحارب الإسلاميين أو "الإرهابيين" وغيرهم كما يشاء، ولكن ممنوع أن يملك سلاح ردع موازيًا للسلاح غير التقليدي الذي تملكه إسرائيل، لا في الحاضر ولا في المستقبل.

نفس اللعبة التي لعبتها أميركا مع صدام، لعبتها اليوم مع النظام السوري، عندما أعلن ترامب قبل أكثر من شهر بأنه سينحسب من سورية.

ابتلع النظام الطعم، وفهم أن الساحة باتت فارغة ومباحة له، وأن أميركا لم يعد لها ما تبحث عنه في سورية، هذا شجع النظام على استخدام الكيماوي، كي يحسم الأمر بسرعة في دوما، وليكون درسًا وإشارة لما تبقى من معاقل المعارضة المسلّحة في مناطق أخرى، فكانت هذه الذريعة وبتواطؤ روسي لتدمير المصانع التي ممكن أن تنتج الكيماوي، ليس حرصًا على الشعب السوري، بل خشية أن يأتي يوم، وتصبح أداة ردع لأسلحة الدمار الشامل التي تملكها إسرائيل.

في الوقت ذاته، يحاول ترامب التملّص من الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن حلفاءه الأوروبيين يرون بأن إيران ملتزمة بالاتفاق، وهذا أفضل من فضِّه، ولكن هذا غير كاف بالنسبة لإسرائيل.

ولهذا تواصل استفزاز القوات الإيرانية في سورية بذريعة الخطوط الحمراء التي وضعتها، وضرب أسلحة مُعدّة لنقلها إلى حزب الله، بهدف جرّ إيران إلى المواجهة، ولكنها تريدها بمشاركة أميركا، لأنها غير قادرة لوحدها على محاربة إيران وحزب الله، أو أن هذا قد يكلفها الكثير من الأرواح، ولهذا تقوم باستفزازات لحث الغرب وأميركا على التدخل لتغيير الاتفاق النووي، وإبعاد إيران عن "حدودها"، أو جرّها لحرب في نهاية الأمر، لقصقصة أجنحتها كما حصل للعراق وسورية من قبل.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018