بيانات الأحزاب والضربة الأميركيّة

بيانات الأحزاب والضربة الأميركيّة

ربيع عيد

كتبت في الأسبوع الماضي مقالًا عن صمت الأحزاب والحركات السياسيّة في الداخل الفلسطيني على مجزرة الكيماوي الأخيرة في دوما ومجازر فظيعة عديدة أخرى في سورية في السنوات الماضية، لكن على ما يبدو أن البعض من الأفضل لنا مطالبتهم بالصمت من على أن نطالبهم بأخذ مواقف من المفترض أن تكون بديهيّة ومفهومة ضمنًا تتعلق بالوقوف بشكل مبدئي ضد قتل المدنيين وإدانة واضحة للقاتل؛ هذا على الأقل ما يستخلصه المتابع لبيانات عدد من الأحزاب في أعقاب الضربة الأميركيّة لمواقع عسكريّة للنظام في سورية قبل أيّام.

لكن حتّى قبل الضربة الأميركيّة، صدرت تصريحات للنائب أيمن عودة في مقابلة مع صحيفة "معاريف" يبدو فيها مدافعًا عن نظام الأسد في وجه اتهامات استخدام الكيماوي؛ تحت حجّة أنّها ادّعاءات لتبرير تدخلات عسكريّة إمبرياليّة في سورية تقودها الولايات المتّحدة معتبرًا الأسد يُحقق الإنجاز تلو الإنجاز. لم تحمل تصريحات رئيس القائمة المشتركة التي أثارت ضده ردود فعل غاضبة أي منطق سوى منطق الدفاع عن نظام الأسد؛ هذا على الأقل ما نفهمه من تلك المقابلة، فعودة الذي اختار أن يصرّح هذا الموقف عبر منبر إسرائيلي، تغيّب قبل شهر في اللحظة الأخيرة عن مؤتمر مركز مدى الكرمل للأبحاث الذي تناول كيفيّة تفاعل الفلسطينيين في الداخل مع الثورات العربيّة كان من المفترض أن يُقدّم عودة إلى جانب قيادات سياسيّة أخرى، موقف حزبه السياسي. تغيّب عودة بعد أن أكد مشاركته وظهر إسمه في الدعوة الرسميّة، ولا يُفهم من تغيّبه هذا سوى أنّه تهرّب من مساءلة الجمهور العربي من مواقف حزبه خصوصًا في المسألة السوريّة، فهو لم يعتذر للجمهور عن عدم مشاركته ولم يُرسل شخص بديل مكانه.

بعد موجة الغضب التي طالت عودة في وسائل التواصل الاجتماعي، خرجت الجبهة باليوم التالي ببيان "تضامن" مع تصريحات عودة استهجن فيه سكرتير الجبهة "التهجّم الشخصي" على أيمن عودة وأكد عبر البيان أن ما جرى في سورية لم يكن ثورة ديمقراطيّة أصلًا بل مخطط إمبريالي لإسقاط سورية تُنفّذه قوى ظلاميّة، لا حاجة للاستمرار بسرد البيان لكن تكفي مقارنة سريعة مع بيانات حزب البعث ولن نجد فرقًا كبيرًا بينهما. كل هذا ويؤكد البيان أن الجبهة "لم ترتم في أحضان أي نظام عربي".. في الحقيقة لم نشهد في الداخل الفلسطيني ارتماءً أكثر من الذي تُقدّمه الجبهة والحزب الشيوعي اليوم خدمة للنظام السوري في الدفاع عن خطابه وترويجه عبر المواقف السياسيّة ومنابرهم الإعلاميّة. الغريب أن من يردد هذا الكلام الفارغ لا يجد تناقضًا في أن يعلك كلامًا حول الممانعة طوال الوقت ويرتمي في حضن سلطة أوسلو واليسار الإسرائيلي في نفس الوقت.

وعلى هذا المنوال، قبل وبعد الضربة الأميركيّة توالت البيانات من الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي المنددة بالضربة "التأديبيّة" لمواقع عسكريّة والتي استمرت لساعات فقط، بيد أن تدمير مدينة الرقّة وقتل المدنيين فيها على يد التحاف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة على مدى أشهر، لم يجد مكانًا له في بيانات الجبهة والحزب الشيوعي أو أن تُنظّم مظاهرة، فمن الممكن أن تكون الرقّة ليست من سورية بالنسبة لهم. أو أن أكثر من عشرة قواعد عسكريّة أميركيّة على الأراضي السوريّة أُنشأت بعد تدخل صديقتهم عسكريًا روسيا، التي من المفترض أنّها جاءت لتردع التدخلات الإمبرياليّة، لن تكون ولو موضوعًا للتفكير والتساؤل بالنسبة لهم.

أمّا حركة أبناء البلد التي لا نعرف من بقي فيها ومن خرج منها أو ما هي مشاريع عملها الجماهيريّة الأخيرة، فاختارت هي الأخرى بالخروج ببيان يتساوق مع خطاب النظام السوري ويدافع عنه ويصمت عن مأساة السوريين؛ لكن كما تعلمون، ما يميّز البيانات عند "أبناء البلد" هو التفوق في كل مرّة على النفس بحدة البيان لغويًا في الوقوف إلى جانب النظام السوري. وطبعًا لأن الموضوع المتناول لا مكان فيه للاستعراضات كالتي تجري في الكنيست عادة، اختار النائب أحمد الطيبي الصمت طوال سنوات الثورة في سورية، فأخذ الموقف قد يُنقص من عدد المتابعين في وسائل التواصل الاجتماعي.

أمّا بيان التجمع الوطني الديمقراطي الذي أدان الهجوم على سورية لأنه يخرق القانون الدولي فلم يذكر أي شيء عن مجزرة دوما الأخيرة والتهجير للمدنيين وخرق النظام السوري وحلفاؤه للقانون الدولي. خلال مداخلته في مؤتمر مدى الكرمل، أكد رئيس حزب التجمع النائب جمال زحالقة المسؤول عادة عن صياغة بيانات التجمّع، أن موقف الحزب واضح ضد قتل المدنيين وضد كافّة التدخلات العسكريّة والاستعماريّة في سورية وأن التجمّع لن يتوانَ بذكرها، لكنّ التجمّع لم يصدر أي موقف من الضربات العسكريّة الروسيّة في سورية ولا التدخل الإيراني المباشر ومليشياتها الذي كان سببًا في تفاقم نزيف الدم السوري. يبدو أن زحالقة لا يرى سوى الضربات الأميركيّة ويستصعب تحميل النظام مسؤولية ما يجري وتسمية جرائمه الموثّقة بالإسم، وتكون الإدانة انتقائيّة عندما يتعرّض النظام وحلفاؤه لهجوم. هذه الانتقائيّة في المواقف باتت مكشوفة تتكرر في كل مرّة، وهي تُثير التساؤل حول ابتعاد التجمّع عن قيمه الأساسيّة كحزب عروبي ديمقراطي وعن ما أقرّته أوراق مؤتمرات التجمّع فيما يتعلق بالثورات العربيّة.

لعل البيان الأكثرر تقدمًا بين الحركات السياسيّة هو بيان الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة، التي أدانت الهجوم العسكري واعتبرته "انعكاسًا لسياسات الدول العبثيّة والمدانة، والتي تسمح بقتل وتشريد ملايين السوريين، من قبل النظام البعثي المجرم، خلال سبع سنين، وتتحرك في حالات محدودة عند استخدام الأسلحة الكيماوية"، محملة المجتمع الدولي بأسره بالفشل بوقف حرب الإبادة التي يتعرّض لها السوريين. مع الإشارة إلى أن الحركة التي قامت مؤخرًا بمراجعات وتجديدات داخلها من خلال تحصين مواقع للنساء ومناقشة ميثاقها الجديد بشكل منفتح وعلني مع المختلفين معها سياسيًا وفكريًا وهو أمر منسجم مع ما أفرزته الثورات العربيّة، ما زالت تستخدم بعض المصطلحات والتعبيرات التي قد تستوعب غير المؤمنين بالتحوّل الديمقراطي.

من الواضح أنه لا تأثير للفلسطينيين في الداخل فيما يجري في سورية، لكن هذا لا يقول إن تُفقد البوصلة في الموقف الأخلاقي، وأن تتخاذل نخب سياسيّة لاعتبارات حزبيّة أو طائفيّة ويُصبح التخاذل من قول كلمة حق بحق الشعب السوري أمرًا طبيعيًا نعتاد عليه.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018