سورية تخوض حروب الآخرين

سورية تخوض حروب الآخرين

بلال ضاهر

تروّج إسرائيل من خلال وسائل إعلامها، الآن، أن جيشها رصد تحركات إيرانية في سورية يُستشف منها أن حرس الثورة الإيرانية، يعدّ لهجوم صاروخي مكثف على مواقع في إسرائيل، ردا على القصف الإسرائيلي العدواني لقاعدة "T4" في عمق الأراضي السورية، ما أدى إلى مقتل قرابة 16 شخصا بينهم 7 عسكريين إيرانيين.

ورغم الصمت الإيراني حيال هذه الغارة، وغيرها من الهجمات العدوانية الإسرائيلية في سورية، فإن المسؤولين الإسرائيليين يواصلون توجيه التهديدات إلى إيران على خلفية وجودها العسكري في سورية. وهذا الوجود العسكري، بحسب الإسرائيليين، لا يشمل قوات ومستشارين إيرانيين فقط، وإنما ميليشيات "شيعية" وقوات حزب الله اللبناني.

وأحدث هذه التهديدات، أطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لدى افتتاحه اجتماع حكومته، أمس الأحد، وقال فيها "إننا مصممون على صد العدوان الإيراني ضدنا وهو في مهده حتى لو كان هذا ينطوي على صراع وعاجلا أفضل من آجلا". وواضح من هذا التصريح أن نتنياهو يهدد بمواصلة الغارات في سورية، سواء ضد إيران أو مواقع أخرى، بينها مواقع حزب الله، بذريعة الوجود العسكري الإيراني.

ويقول الإسرائيليون إن الوجود العسكري الإيراني، أي قوات إيرانية وخاصة قوات فيلق القدس التابع لحرس الثورة الإيرانية، في سورية ليس كبيرا، ولكن التخوف الإسرائيلي هو من زيادة هذا الوجود وأيضا من انتشار قوات إيرانية وقوات موالية لإيران، مثل حزب الله والمليشيات "الشيعية"، في سورية وخصوصا في مواقع قريبة من الجولان السوري المحتل، وأن وضعا كهذا، بحسب المتحدثين والمحللين الإسرائيليين، سيسهل ضرب إسرائيل بصواريخ من سورية.

وفي الوقت الذي تلتزم فيه إيران الصمت على استهداف الطيران الحربي والصواريخ الإسرائيلية لمواقعها في سورية، فإن إسرائيل تستعيض عن هذا الصمت بالترويج لتهديدات إيرانية مزعومة، لم تصدر عن الإيرانيين، وإنما عن الجيش الإسرائيلي، المعروف بسمعته الدولية السيئة بأنه أكثر جيش عدواني في العالم. ولذلك، ليس مستبعدا في ظل هذا الترويج والتهديد الإسرائيلي أن إسرائيل تضع هنا الذريعة، الـ"أليبي"، للضربة المقبلة، سواء ردت إيران على قصف "T4" أم لم ترد.

لكن بالإمكان الرهان على أن إيران لن ترد، على الأقل ليس بالشكل الذي يصفه السيناريو الإسرائيلي المزعوم، أي بشن هجوم صاروخي مكثف على قواعد عسكرية في إسرائيل. وترويج هذا السيناريو من جانب إسرائيل يهدف إلى تحقيق عدة أمور، بينها ما تصفه الدوائر الأمنية في تل أبيب بـ"صيانة الردع". واستبعاد رد إيراني ليس بالتقدير الخيالي، إذ أنها لم ترد على هجمات إسرائيلية سابقة، كما أن إيران لم ترد، على سبيل المثال، على اغتيال علمائها النوويين في قلب طهران، وهي عمليات اغتيال تتفاخر إسرائيل بها.

لا يوجد مبرر لعدم رد إيران على الاعتداءات الإسرائيلية سوى إدراكها أن ردا كهذا لا يصب في مصلحتها. وإسرائيل لا تخفي بلطجيتها بأن أي رد على عدوانيتها سيقابل بعدوان أشد. لكن في المقابل، لا يبدو أن إيران ستتنازل عن "كنوزها"، وبينها وجودها العسكري وحشد ميليشيات موالية لها في سورية، أو استئناف تطوير برنامجها النووي في حال قرر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي. ولا شك في أن إيران لن تتنازل عن "كنوزها" في سورية خصوصا، حتى لو كان الثمن استمرار تلقي ضربات عسكرية إسرائيلية.

كذلك لا يبدو أن ثمة حلا في الأفق لهذا الوضع. واللقاء المرتقب بين نتنياهو والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بعد غد، سيناقش التنسيق العسكري في سورية. وقال نتنياهو صراحة، أمس، إن "لقاءاتي مع الرئيس الروسي تحمل دائما أهمية بالنسبة لأمن إسرائيل وللتنسيق العسكري الجاري بين الجيش الإسرائيلي والجيش الروسي. إسرائيل تحافظ على حرية عمل كاملة بغية الدفاع عن نفسها. جميع لقاءاتنا مهمة ولكن اللقاء الذي سيعقد هذا الأسبوع يحمل في طياته أهمية خاصة على ضوء الجهود الإيرانية المتزايدة للتموضع عسكريا في سورية ضد إسرائيل". والغارات الإسرائيلية في سورية جرت خلال السنتين ونيّف الماضيتين تحت الأنظار والرادارات الروسية.

ورغم الادعاء أن الوجود الروسي والإيراني في سورية جاء بطلب من النظام السوري، إلا أن تهديد الوزير الإسرائيلي يوفال شطاينيتس، اليوم، بأن إسرائيل ستقتل رئيس النظام، بشار الأسد، إذا بقيت إيران في سورية، فيه بعض الظلم لهذا الرجل، لأنه لا يملك القدرة، لا هو ولا نظامه، على إخراج إيران، ومن الجهة الأخرى، فإنه إذا أراد بقاء الوجود الإيراني، لحمايته، لا يمكنه الدفاع عن سورية أمام العدوان الإسرائيلي.

خلاصة القول إن إيران لن تخرج من سورية، لأن الهدف المركزي لوجودها العسكري هناك هو حماية طهران، في حال قررت إسرائيل شن هجوم ضد إيران ومنشآتها النووية، ونقل الحرب إلى سورية، ليستمر نزيف الدماء في الأراضي السورية وتحمل أعباء حروب الآخرين، بزعم وجود "مؤامرة" و"الدفاع عن فلسطيني"..

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018