أزمة التناوب: عندما تخسر المشتركة الناس بسبب مقعد في الكنيست

أزمة التناوب: عندما تخسر المشتركة الناس بسبب مقعد في الكنيست

ربيع عيد

بات جليًا لأي متابع اليوم حول آراء الفلسطينيين في الداخل بالقائمة المشتركة، أن الناس فقدت الثقّة في هذه التجربة التي دعمتها عام 2015 بشكل كبير. هناك عدّة أسباب وراء خسارة هذه الثقة، إلّا أن أزمة التناوب على مقعد في القائمة الممتدة منذ عام تقريبًا، هي السبب الرئيسي وراء تزعزع دعم الجمهور لمن انتخب كي يمثّله كقيادة سياسيّة أمام المؤسسة الحاكمة في أول تجربة وحدويّة بين الحركات والأحزاب السياسيّة العربيّة التي تمكّنت من رفع نسبة التصويت التي كانت تتناقص من سنة لسنة بسبب حالة الإحباط العام.

كيف وصلنا لكل هذا؟

بدأت الأزمة مع استقالة النائب باسل غطّاس ودخوله للسجن بعد قضية إدخاله للهواتف النقالة للأسرى الفلسطينيين وإقدامه على ذلك من منطلقات إنسانيّة. يدّعي البعض من مركّبات المشتركة بشكل علني أن على التّجمّع تحمّل مسؤوليّة أفعال غطّاس لذلك يجب معاقبة التّجمّع وحرمانه من المقعد الرابع الذي كان من المفترض أن يكون له لولا قضية غطّاس. كما يدّعي البعض وأيضًا بشكل علني، أنه لا يوجد في الاتفاقيّة التي وُقّعت بين الأحزاب عشيّة تشكيل المشتركة، أي بند يفيد باستقالة أشخاص من القائمة، كي يدخل مكانهم أشخاص آخرين في حالات غير متوقعة (مثل استقالة غطّاس أو حالة وفاة لأحد النوّاب مثلًا) وهو كلام صحيح لكنّه يُناقض الجوهر الأساسي للاتّفاقيّة بين مركّبات المشتركة القائمة على تقسيم عدد معين ومدّة زمنيّة لكل حزب. فهل لو حصل حاصل غير متوقّع لدى الجبهة مثلًا، هل كانوا سيقولون نفس الكلام ويرضون بتمثيل أقل مما تم الاتّفاق عليه؟ بالطبع لا. إذًا الموضوع تحوّل من مشروع لوحدة الأحزاب العربيّة في قائمة انتخابيّة وتوحيد الجهود في العمل السياسي، إلى مشروع استقواء على الآخر وسرقة مقعده في حال مرّ بوضع صعب. هذا ما أثبتته تصرّفات الجبهة الديمقراطيّة للسلام والمساواة بقيادة أيمن عودة والحركة العربيّة للتغيير بقيادة أحمد الطيبي.

قامت الجبهة بشغل مقعد التّجمّع لمدّة 6 أشهر من خلال دخول نائبين ليس لهما الأحقية في الدخول، ولا نعرف ما هي الإضافة النوعيّة التي قدّموها، ولماذا يدخل نائب لمدّة ثلاثة أشهر للكنيست ثم الاستقالة؟ فهو لن يتمكن من معرفة طبيعة العمل البرلماني خلال هذه المدّة الزمنية، لذلك من الواضح لأي عاقل أن الاستحواذ على المقعد لمدّة ثلاثة أشهر ثم الاستقالة ليست إلّا سرقة علنيّة ومصدر ربح مادّيًا. كذلك الأمر فعلت العربيّة للتغيير، التي ما زال نائبها وائل يونس يرفض الاستقالة حتى بعد مرور 3 أشهر.

خسارة الشارع

يكفي أي شخص يريد معرفة رأي الجمهور العام بالقائمة المشتركة اليوم أن يسأل الناس في الشارع أو في المقهى وسيكون الجواب متشابهًا في كل البلدات العربيّة حول خيبة الأمل الكبيرة من أداء المشتركة بسبب قضية التناوب. كما يمكن متابعة ما يُكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك نستطيع أن نرى الغضب الكبير على الأحزاب والقيادات. كاتب هذا المقال قام بتتبع عشرات المنشورات ذات العلاقة بالقائمة المشتركة وأزمة التنواب في عدّة صفحات في الفيسبوك، ورصد آلاف التعقيبات التي كُتبت ضد القائمة المشتركة التي أصبحت الصورة العامّة حولها صورة نزاع على مقعد في الكنيست بهدف تحقيق مصالح شخصيّة وحزبيّة ضيقة على حساب المصلحة العامّة. هجوم علني وعنيف من قبل الناس التي فقدت الثقة.

من يتحمّل المسؤوليّة؟

المصلحة العامّة كانت الدافع الأساسي وراء ذهاب الناس لدعم هذه القائمة وارتفاع نسبة التصويت، لأنها أعطت أملًا جديدًا للعمل السياسي والناس. فجاءت القائمة المشتركة وطعنت هذا الدعم وأدارت له ظهرها، وأظهرت العكس مما هو متوقّع. نادت المشتركة بالوحدة كي يدعمها الناس، فأظهرت لهم التفرّق.

بالنسبة للجمهور العام الناقم على أداء المشتركة، لا يوجد فرق بين جميع مركّاباتها، ويحمّل كل الأحزاب نفس المسؤوليّة. لكن مجريات الأمور تُشير بشكل واضح إلى مسؤوليّة الجبهة، التي تترأس المشتركة، والحركة العربيّة للتغيير، عن هذا الخراب الحاصل في مشروع القائمة المشتركة بسبب أخذهم مقعدًا ليس من حقّهم.

تصرّفات الجبهة وحزب الطيبي في قضيّة التناوب عكست انتهازيّة مفرطة تجاه مشروع وحدوي كمشروع القائمة المشتركة وتلاعب واستقواء بحق شركاء في العمل السياسي. للإسلاميّة الجنوبيّة موقف واضح بأحقيّة التّجمّع لهذا المقعد لكنّه صوت منخفض كان يجب أن يكون أعلى، لأن القضيّة هنا ليست قضية التّجمّع بل قضيّة الفكرة الأساسيّة التي قامت عليها المشتركة، أو على الأقل ما قالته الأحزاب للناس. أمّا الآن فبات قسم كبير من الناس يدركون أن ما جمع هذه الأحزاب هو مصالحها الخاصّة.

يتحمّل التّجمّع أيضًا مسؤوليّة بتهاونه في التعامل مع هذه القضيّة منذ البداية وارتهانه للاجتماعات المغلقة والوعودات والمفاوضات ولجنة الوفاق كمسار وحيد لحل الأزمة، في الوقت الذي تنازل فيه عن خيارات أخرى كان يمكن أن يستعملها. ندرك أن التّجمّع في العامين الماضيين تعرّض لحملات ملاحقة شرسة بحقّه استهدفت جهازه التنظيمي وصورته أمام الجمهور، لكن هذا لا يبرر الارتهان لمسار واحد ووحيد في التعامل مع قضيّة تخصّه بالدرجة الأولى داخل المشتركة بسرقة مقعد له، بالإضافة إلى كون التّجمّع فكريًا هو الحامل لمشروع القائمة المشتركة تاريخيًا، وكان يدعي لها دومًا ويراها الإطار الأنسب لخوض الأحزاب السياسيّة في الداخل انتخابات الكنيست.

احتكار العمل السياسي

لكن مع كل ما قيل أعلاه، ليس هذا باعتقادي أزمة القائمة المشتركة الرئيسيّة. أزمتها الحقيقيّة هي أنّها لم تتمكن من ترجمة دعم الناس لها بهذا الشكل، إلى توسيع حيّز العمل السياسي وفتحه لشرائح متعددة، لم تتمكن المشتركة من مأسسة تجربتها، وأبقت على العمل السياسي محتكرًا من خلال الأحزاب التي لها تراتبيّة وهرميّة معينة تمنع شرائح واسعة بالانخراط في العمل السياسي. وتحوّل العمل السياسي في هذه الحالة من خلال الكنيست ونوّاب الكنيست بالأساس، وأصبح عنوان العمل السياسي هو أن تكون نائبًا في الكنيست، وكي تكون نائبًا عليك أن تنجح في الـ"برايمرز" الداخليّة للحزب التي تحكمها اصطفافات ومعسكرات ومصالح.

لطالما نادت الأحزاب بالوقوف ضد سياسة فرق تسد التي تمارسها المؤسسة الإسرائيليّة تجاهنا، لنجد اليوم، المشتركة، وبعد ثلاث سنوات على تشكيلها، واقعة في سياسة تفرّق بحق ذاتها، وخسارة ثقّة الناس. هو أمر مؤسف أن يُقال بعد الشعارات الكبيرة التي ترافقت مع انطلاق المشتركة على أنها تجربة وحدوية في ظل زمن الانقسام الفلسطيني والتردّي العربي... لكن على ما يبدو أنّها باتت جزءًا منه.

الأخطر من كل هذا، أن المؤسسة الإسرائيليّة تقرأ ما يحصل وهي لا تقرأ فقط بل تخطط... ولا نعرف ما هي البدائل السلطويّة التي قد تطرحها المؤسسة الإسرائيليّة ومدى إمكانية نجاحها في رسم واقع جديد يحكم علاقة المواطنين العرب مع إسرائيل. ومن الواضح أن داخل المشتركة لا يوجد من يقرأ هذا الاحتمال أو يخطط للمستقبل... فكل التخطيط والتفكير الآن هو مصير هذا المقعد.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018