يا شعبنا في غزّة، لا تعوّلوا علينا!

يا شعبنا في غزّة، لا تعوّلوا علينا!

عناد عودة

في الوقت الذي تنادي فيه القيادات الفلسطينية العالم لردع إسرائيل عن الاستمرار في جريمة قتل أبناء شعبنا العزّل في غزة، ولاتخاذ خطوات لحماية شعبنا، تتجاهل هذه القيادات نفسها مسؤوليتها؛ وكأن المطلوب منها أن تكون في موقع الشاهد المراقب المناشد، وفي أحسن الحالات، المتحسّر على الدماء الزكية.

وفي سؤال بعضهم عبر الفضائيات: "ماذا أنتم فاعلون؟" البعض قدم نفسه كمتضامن مع غزّة، أو دعا إلى نصرتها، والبعض تفذلك علينا بتنظيرات مجترّة، فأعفى نفسه من العمل، وعاد يطالب الرئيس الفلسطيني باتخاذ كذا وكذا وكذا.

وعاد جميعهم كالعادة، إلى معزوفة لوم الدول العربية، والإسلامية، والعالم بأسره وطالبوها باتخاذ خطوات عملية.

تُرى، هل المطلوب من العالم أن يكون فلسطينيا أكثر من القيادات الفلسطينية المتصدرة للمشهد على جانبي الخط الاخضر؟

إذا كانت جنوب أفريقيا قد بادرت إلى سحب سفيرها، وإذا كانت دول أخرى استدعت سفراءها احتجاجا على جرائم إسرائيل، فلماذا لا زالت قيادات فلسطينية تسوّق علينا تراهات في صيغ مترهلة فضفاضة مثل: "ضرورة إعادة النظر في أوسلو"، وإمكانية "تعليق الاعتراف بإسرائيل"، و "ضرورة الانسحاب من اتفاق باريس الاقتصادي"، و "استراتيجية مواصلة حشد التأييد العالمي والانضمام الى المعاهدات الدولية"، و "وجوب تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية" الخ؟

لا شك أنّ هكذا صيغ، لا تفضح العجز فقط، بل تكشف ان الإرادة الوطنية مسلوبة، إن لم تكن مفقودة أصلا. غني عن القول، أن هكذا خطوات ومواقف مطلوبة من القيادة، وليس العالم.

لا لوم عليهم!

فحفظ المواقع وما يتصل بها من امتيازات يقتضي التصرف بسقف معين، واستخدام لغة معينة -مضبوطة جدا في التعبير عن الحقوق. بالطبع، ذلك كله يأتينا على شكل خطابات حماسية، وربما باعتباره منتهى الحنكة، وربما بهالة المشروع الوطني والمصلحة الوطنية العليا.

كيفما كان الأمر، يلزم أن يعلموا أنّه لا عيب في عدم القدرة عن إنجاز التحرر وتحرير الوطن في ظل الظروف القائمة، ولكن من المخزي المساس بكرامة شعب عزيز عبر خطابات هزيلة تستجدي عالما لا يعير انتباها إلّا للأقوياء.

والقوة هنا ليس بالضرورة أن تكون بامتلاك مفاعلات نووية، فيكفي أن تكون موقفا يتحدّى صلف المستعمر ويشكك في مشروعه.

ترى لماذا ما زلنا نسمع نواب القائمة العربية المشتركة يلومون إسرائيل على الاعتداء عليهم وعلى المتظاهرين "رغم أن المظاهرة مرخصة"؟

كأن مقاومة المستعمر تقتضي إذنه، بينما لم نسمع أيّا منهم يعلن، انسحابه من الكنيست، أو على الأقل، تعليق عضويته منها احتجاجا على جرائم دولة المستعمر التي يضفي عليها شرعية بمجرد مشاركته/ا في برلمانها.

ترى كيف يمكن أن نفهم قولهم نحن ممنوعون من القيام بكذا وكذا وكذا... ويريدوننا في نفس الوقت أن نصدق ادعائهم بـ"مواصلة النضال"؟

ترى، ألا يرون أن سقف ما يحظون به من مساحات تحددها ديمقراطية المستعمر، أضيق من أن يتسع لأقل خطوة جدية ذات معنى؟

هل علينا أن نواصل متابعة مسرحيات البطولة في تقديم الخطابات من على منبر الكنيست؟ أليس فيهم شجاعًا، يضحي بحصانة برلمانية وهمية وبراتب يتقاضاه من مستعمري شعبه؟

رجال السلطة الفلسطينية، والناطقون باسمها كثر، من جهتهم، اعتادوا سوق الديباجات الفارغة، والجمل المبتورة، وتلك الشَّرطية والمستقبلية، وكأن المطلوب منهم اتخاذ موقف اللا-موقف.

تكمن المشكلة في أنهم يفترضون فينا غباء غير موجود، وذاكرة معدومة. وإلّا، فلماذا ما زلنا نسمع أن الولايات المتحدة لم تعد "وسيطا" في عملية السلام، وكأن مشكلة السلام غير المتحقق تتمثل في الوسيط غير النزيه؟

يتجلى الخلل هنا ليس فقط في افتراض وجود عملية سلام تتوهمها القيادات الفلسطينية وحدها، بل التزام هذه القيادات بشروط هذه العملية وبالعمل ضمن ذلك في لحظة تاريخية فارقة في مصير الشعب الفلسطيني.

ترى، هل أصبح الإخلاص لبنود (قيود) اتفاقية أوسلو أجدى من الوفاء للشهداء، أم تراه شرط المحافظة على بعض الامتيازات الشخصية التي أصبحت تسوّق علينا كمشروع وطني فلسطيني أو باعتبارها المصلحة الوطنية العليا، أو باعتبارها وسيلة النضال الأنسب في ظل الظروف والمعطيات "الراهنة"؟

لماذا لم نسمع قائدا يقول أن الولايات المتحدة شريك لإسرائيل في جرائمها؟ ترى هل المطلوب أن يظل الباب مواربا ليس قليلا بانتظار عظمة؟ ترى هل علينا أن نصفق لهم لأنهم اكتشفوا بعد سبعة وعشرين عاما من مهزلة أوسلو أن أميركا ليست طرفا محايدا، أم تراهم كانوا يعتقدون أننا كنا نأمل خيرا فيها؟

نحن نطمئن القيادات، بأن شعبنا لم يزحف على أعتاب أميركا، فلا تخافوا أن يُصدم من قراراتكم، فإنه يعلم منذ زمن بعيد أن الولايات المتحدة "رأس الحية".

لماذا لم نسمع قيادات دعاة المقاومة الشعبية السلمية في الضفة الغربية يدعون الى المسيرات للتوجه، والتمترس سلميا، على طول الخط الأخضر – وهو أطول بكثير من السياج الفاصل ما بين غزة وفلسطين الـ48، وغير محصن كما هو الحال حول القطاع؟

ترى هل المطلوب أيضا مقاومة شعبية سلمية بلا تضحيات، حتى لا يصبح لدينا "عاهات"؟

ترى، لماذا تنحصر الدعوات داخل المدن ولا ترقى الى تقابل المسيرات على جانبي الخط الأخضر؟

ترى لماذا لم ينجح رواد الشعبية السلمية في تحريك مسيرة واحدة على مستوى الحدث/ المجزرة؟

ترى لماذا الدعوات تذكر خجلا حق العودة إلى الديار الأصلية، بينما تركز على نقل سفارة أميركا الى القدس الشرقية؟ ترى هل إعادة السفارة إلى تل أبيب من شأنه أن يحل مشكلتنا، لتعود أميركا "وسيطا" نزيها مقبولا؟

ربما يحسبون أن "إحالة" الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية، وطلب عقد جلسة طارئة لمجلس حقوق الإنسان، وطلب اجتماع للجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، واجتماع منظمة المؤتمر الإسلامي وجميعها خطوات يتعلق فيها الفعل (إن وجد) على الغير، تعفيهم من قيامهم هم أنفسهم بخطوات عملية.

فالاعتراف بإسرائيل ما زال فعالا، وأوسلو ومخرجاتها ما زالت التزاما، والتنسيق الأمني لا يزال "مقدسا"، والقدس شرقية وغربية، وحيفا ليست فلسطينية...إلخ.

يا شعبنا في غزّة لا تعوّلوا علينا، ولا تنتظرونا؛ فما زال أمامنا طريق طويل لنؤسس لحاضنة ترعى فينا كرامتنا وتوقظ فينا عزّتنا. لم نتعرض لحصار جائر مثلكم، وقد أدمنّا الإذلال، ولا نزال نبرر نقص الحقوق وهدر الكرامة بفتات المنح والتسهيلات، وببعض الامتيازات. امضوا فإنّ فيكم من الشهداء ما يكفي لإسقاط الأقنعة، وإعادة توجيه البوصلة. ولعلّنا نكون معكم في المعركة القادمة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018