ما العطب في الفعل الثوري بـ"الداخل الفلسطيني"؟

ما العطب في الفعل الثوري بـ"الداخل الفلسطيني"؟

محمد قعدان

”لا يمكن أن يكون وعي جماهير العمال وعيا طبقيا حقا إذا لم يتعلم العمال الاستفادة من الوقائع والحوادث السياسية الملموسة والعاجلة“– لينين


سأحاول في هذهِ المقالة أن أبرز وأنقد الفعل الثوري في الداخل الفلسطيني، وأن نتناول الفعل الثوري في سياق فلسطينيي الدّاخل الراهن ونرى مدى فعاليّته في الصراع الدائر على أرض فلسطين ضد الحالةِ الاستعمارية (الكولنياليّة) الصهيونيّة، وأن نستفيد من كلّ الوقائع والحوادث السياسيّة التي تجري من حولنا، كي نبني وعيًا جماهيريا، ضمن مسعى إعادة إنتاج فعل ثوري من موقعنا الطبقي، ومن موقعنا الوطني، كذلك، كي نُنجز تغييرًا في البنية السياسيّة التي هي تُمثل، أيضًا، البُنيةَ الطبقيّةَ كما بيّن ذلك الفيلسوف اللبناني، مهدي عامل. البُنية (الإسرائيليّة) التي تُباشر في قمعِ الفلسطيني وطنيّا وطبقيا في الضفةِ الغربية وغزة كما في قمعِ الداخل.

الأحداث الأخيرة المُتتالية، مسيرة (مليونيّة) العودة الكُبرى في غزة، نقل السفارة الأميركيّة إلى القُدس، هذه الأحداث، مضافةً إلى تفاعل ومُشاركة الداخل الفلسطيني في ثلاث مُظاهرات أساسيّة مباشرة (يافا، حيفا والقُدس)، والمُظاهرات الأخرى المُعلن عنها في الأيام القادمة؛ ليست كافيةً لإنجاز أي تغيير، كما أنّا لا نجد فعلًا شعبيًا في الداخل مُستمرًا.

ضرورة وجود فعل شعبي مستمرّ في الداخل واستمراريته تنبع من ضرورة القضاء على المشروع الصهيوني. فعل شعبي قائم على مُطالبة ونزع حقوقٍ مادّية، تُعبر بالضرورة عن نزع الهيمنة المادّية الصهيونيّة علينا كفلسطينيين غفي الداخل وكلّ الفلسطينيين. المقولة الرئيسية، هي فهم المُحفز الذاتي والموضوعي للفعل الثوري الشعبي، ومن هُنا ستكون تمهيدًا لفهم عدم وجود الفعل الثوري في الداخل الفلسطيني بالشكلِ الشعبي.

المُحفز الموضوعي للفعل الثوري مُرتبطٌ بالصراع الطبقي الوطني في فلسطين. الطبقة الحاكمة الإشكنازيّة اليهوديّة تعيش برفاهيّة وحياةٍ رغيدة على أساس استغلال الملايين من العُمال الفلسطينيين وأملاك الفلسطينيين المنهوبة والتي ما يزال نهبها مستمرًا، الطبقة المُسيطرة الإشكنازيّة اليهوديّة تبني نفسها من خلال ثلاثةِ وسائل (استطعت تحديدها) لضمان هذهِ الهيمنة والسيطرة:

أولًا: دخلُها المالي عالٍ جدا (مقارنةً مع دخل الفرد في العالم)، ويتفوق على الدخل للفرد الفلسطيني في الداخل بأكثر من 250%، مجال الفقراء الفلسطينيين في الداخل زاد عن الـ60% وما يزال يزداد ولكن ببطء (إحصائيات مركز أدفا). ماركس، كما ورد في الفصل الثالث في كتابهِ «رأس المال»، يجد أن قوّة العمل في تحوّلها إلى سلعة وإعادة إنتاجها في كلّ يوم في نفسِ الظروف تحتاج قدر أدنى من الأجر لكي يضمن إعادة إنتاج قوّة العمل. قوّة عمل الفلسطيني في الداخل (مجال الفقراء) تساوي فقط الحدّ الأدنى للأجر ما يضمن إعادة إنتاج قوّة العمل. من هُنا يبدأ استغلال الفلسطيني بشراهة، وما يزيد الأمر سوءًا، عدم توفير الحدّ الأدنى للأجر لكلّ مجال الفقراء في الداخل الفلسطيني.

ثانيًا: تقسيم العمل، لكي تضمن هذه الطبقة الإشكنازيّة هيمنتها وسيطرتها أعادت إنتاج ذاتها عبر السياسيات النيوليبراليّة منذُ الثمانينيّات (بعد أن ظهرت كاشتراكيّة في بداية الدولة الصهيونية)، لكي تُتيح لنفسها العمل بحريّة من الدولة، والحفاظ على امتيازات الأعمال (الأكاديمية والتقنية العالية وإلخ)، عمل يُكسبها الدخل العالي. وضّح الدكتور في التربية، سامي مرعي، كيف تستطيع المؤسسة الإسرائيلية تقسيم العمل بخفةٍ وسلاسة عالية، النظام التربوي والتعليمي الخاص في الفلسطينيين وظيفتهُ "تحويل العرب إلى أناس ذوي مهارات تعليمية ومهنية أولية بحيث يمكن استغلالهم في الاقتصاد الإسرائيلي"، وبهذا تتمّ السيطرة على العامل الفلسطيني.

ثالثًا: السيطرة وسرقة الأراضي، فـ"دائرة أراضي إسرائيل" تملك من الأراضي ما يزيد عن 93% في البلاد. وحازت عليها بعد مُصادرة أراضي الفلسطينيين من عام 1949-1953، هذهِ الأراضي مُخصصة لليهود فقط، بمعنى بناء مُجمعات سكنيّة، توسيعات سكنيّة، وأيضًا، شراء أراضي من هذهِ الدائرة غير مُمكن للفلسطيني. احتكار الأراضي وسيلة من أجل ضمان سيطرة الطبقةِ الأشكنازيّة اليهوديّة. هكذا الفلسطيني في الداخل لن يستطيع أن يعيش، مع دخل مُنخفض جدا ولا يستطيع بنيويّا من النفوذ إلى أماكن عمل تُتيح زيادة دخلهِ ولا يملك أراضي ولا توجد خدمات في السكن والتوسيع والبناء.

بعد عرض المُحفز الموضوعي بشكلٍ مُقتضب للحالةِ الفلسطينيّة في الداخل، ما يُبرز بعض من سياسات القمع تجاه فلسطينيي الداخل. يبقى السؤال لماذا الفلسطيني في الداخل لا يستطيع أن يتحرك، لا يستطيع أن يُطالب بشكلٍ مُمنهج بحقوقهِ، لا يستطيع أن يكون جزءا من نضالٍ فلسطيني في الضفةِ الغربية وغزة والشتات موجه لذاتِ الطبقةِ الإشكنازيّة اليهوديّة التي تُباشر في قمعنا؟

المُحفز الذاتي يُعبر عن إدراك حالةِ البؤس والشقاء ونعرف من أين تتأتى هذهِ الحالة، في رسالةِ لينين إلى الفقراء في عام 1903 طرح أسئلةٍ تمسّ الوضع الرّاهن بشكل كبير: "ولكن الفلاح يجهل لماذا يُعاني البؤس والجوع والخراب، وكيف العمل للخلاص من هذا الفقر، ولكي نعرف ذلك، ينبغي لنا أن ندرك من أين تتأتى جميع الحرمانات وكل البؤس في المدن والأرياف".

المُحفز الذاتي يتمثل في كيفيّة الوصول إلى المعرفة، إلى التيّقن، حول مسؤولية الطبقةِ الإشكنازيّة اليهوديّة في صياغة المشهد الراهن، في صياغة الواقع الموضوعي القاهر والقامع للفلسطيني.

الفلسطيني في الداخل فصل بين صراعهِ الطبقي وصراعهِ الوطني. ويتّضح ذلك الفصل عبر سياسات الأحزاب (في الداخل الفلسطيني)، التي تنفي وجود صراع طبقي من خلال انخراطها في الكنيست الإسرائيلي، الهويّة الوطنيّة المثاليّة. بذلك يتمّ نفي الصراع الطبقي والتقوقع في نضالٍ مثالي غير مُتعلق بمُعاناة الناس اليوميّة. تبعات هذهِ السياسات جعل مُمارسة السياسة ومُمارسة الوطنيّة هي عائق في وجهِ تحصيل "لقمةِ العيش" عند الفلسطيني في الداخل ومن هنا تتبلور عدميّة وطنيّة مُنبثقة عن الفصل بين الوطني السياسي والطبقي والحياة المادية، هذا الفصل لهُ جذور في الأيديولوجيا المُسيطرة في الداخل (المقالة لن تسع لمُناقشة هذهِ الأيديولوجيا). الوطنيّة الفلسطينيّة تُعبر عن الطبقة المسحوقة في الصراع الدائر مع الصهيونيّة (التي تُعبر عنها وتقودها الإشكنازيّة اليهوديّة) في فلسطين التاريخيّة. والفلسطيني في الداخل هو جزء من الوطنيّة الفلسطينيّة ليس بطابع هويّة مثاليّة ثقافيّة بل بحُكمِ الموقع المادّي الطبقي في الصراع.

الفلسطيني في الداخل وفق شروط موضوعيّة هو جزء من هذا النضال السياسي والطبقي ضد الطبقة الإشكنازيّة اليهوديّة، لكن الشروط الذاتيّة لم تتوفر. أحد أهم الاقتصاديين في الولايات المُتحدة، وهو ألن غرينسبان، وهو، كذلك، من المُساهمين في بلورة الاقتصاد الأميركيّ (العالمي) الجديد الذي يرتكز على ما سماه "عدم الأمان المتزايد للعامل"، مُهمة هذا الاقتصاد ضبط معايير الاستقرار عند العامل وفرض وجود اقتصادي غير مُستقر، مُهتز، وبذلك لن يطرح العامل مطالب وُمحاولة تحسين وضعهِ وزيادةِ أجرهِ ولن يحصلوا على منافع، وبذلك يُمكن طرد العُمال إذا لم نعد نحتاج إليهم، وهكذا ينقسم المُجتمع بين "عدم اليقين" و"اقتصاد الأثرياء".

هكذا يتمّ إخضاع العُمال وتشتيت المُحفز الذاتي الذي يُركب الوعي ويُمكنهِ من فهمِ الصراع الطبقي. بعد مُحاضرةٍ ألقاها نعوم تشومسكي عام 2011 في ساحة ديوي، ببوسطن، نظّمتها حركة "احتلوا"، سألهُ أحدهم "كيف نستطيع تعبئة الجمهور الأميركيّ؟" أجاب: "تعبئة الجمهور الأميركيّ، هي الخروج والانضمام إليه. الخروج إلى حيثُ يوجد الناس: الكنائس، النوادي، المدارس، الإتحادات، أينما كانوا. يجب الانخراط معهم ومحاولة التعلّم منهم وإحداث تغيير في الإدراك بينهم".

عمليّة إنتاج الفعل الثوري تتعلق بانصهار المُحفز الموضوعي والذاتي. المُمارسة وحدها كما عبّر عنها نعوم تشومسكي أن نخرج إلى الشارع، أن نختلط أكثر مع الشعب، ونحاول فهم مشاكلهم وربطها في سياقها البنيوي، الطبقي الشائك، تُمكن من تغيير واقع الفعل الضحل شعبيّا في الداخل الفلسطيني كما نرى في كلّ مُظاهرات "تضامنيّة" في الداخل سواء مع ما يجري من احتلال عسكري واعتقالات إدارية في الضفة الغربية وحصارٍ عسكري في غزة ومسيرات العودة، في ظروفنا تكمن شروط ستولد الفعل الثوري، ولكن تحتاج الظروف إلى توجيه وإطلاق الوعي.


الهوامش:

- ما العمل؟ المسائل الملحة لحركتنا، لينين، 1903
- إلى الفلاحين الفُقراء، لينين، 1904
- احتلوا - تأملات في الحرب الطبقيّة والتمرد والتضامن، نعوم تشومسكي، 2014
- تقرير من مركز أدفا ومؤسسة روزا لوكسمبورغ، الطبقة الوسطى في "إسرائيل" 1992-2010
- التربية والهوية والثقافة، سامي مرعي، ١٩٨٤

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018