الحراك وآفاق تحوّله إلى حراك شعبي دائم ومؤثّر

الحراك وآفاق تحوّله إلى حراك شعبي دائم ومؤثّر

عوض عبد الفتاح

بعد تأخّر استجابة فلسطينيي 48 لنداء الثائرين المشتبكين عند سياج الأبارتهايد في قطاع غزة منذ الثلاثين من آذار - لعدّة أسابيع - نجح طلائعيو الشباب والجامعيون والخرّيجون بمشاركة العديد من النشطاء الحزبيين، في تنفيذ ثلاث فعّاليات غير تقليدية، دفعةً واحدة في أسبوع واحد، في القلب النابض لمدينة حيفا. وقد أُقيمت هذه الفعّاليات التي أُغلقت في أعقابها شوارع شريانيّة في المدينة، وسط حصار قوّات القمع الإسرائيلية. ورغم الاعتقالات والاعتداءات الوحشية التي نفذتها هذه القوّات بحق عشرات المشاركين والنشطاء، فقد جاءت الاستجابة ثوريّةً وجامحة، استمرارًا للمدرسة التي رسخها الحراك الشبابي الفلسطيني في السنوات الأخيرة داخل الخط الأخضر، خاصةً في تجربة مقاومة مُخطّط برافر الاقتلاعي، وفي التفاعل مع أسرى الحريّة الفلسطينيين. وقد تمرّس بهذه المدرسة النضالية، مئات الشباب والصبايا، ميدانيًّا وسياسيًّا، مُكتسبين ثقافة التمرّد والمقاومة من خلال التجربة العمليّة والقراءة الذاتيّة.

وعلى نسق النشاطات السابقة، قام هذا الحراك ناهضًا بالقضيّة، في ظلّ عجز الهيئات العربية العُليا عن القيام بأيّ نشاطٍ جماهيري ذي معنى ونتيجة. وأخصّ بالذكر لجنة المتابعة العليا، واللجنة القطرية للسلطات العربيّة المحليّة، والقائمة المشتركة، وغالبية الأحزاب.

على خلفية هذا العجز والترهّل وفقدان القدرة على التجديد ومواكبة الأحداث بأسلوبٍ عصري، يأتي الشباب بفئتهم العمريّة المتميّزة بالحيويّة والنزعة النقدية للوضع السائد، وبالارتباط الوثيق بالمشروع الوطني الفلسطيني، ليرمي حجرًا في البحيرة الراكدة، ويكسر الروتين الذي بات عبئًا على حركة التقدّم ومعيقًا لنموّ التفاعل الوطني وانبثاق قيادات جديدة وخلاّقة مستعدة للتصدّي والتحدّي وتحمّل المسؤولية والعواقب.

ردّ الفعل الداعي للاعتزاز لا يعني أنّ النشاط الذي اقتصر على حيفا كافٍ، لا من حيث نسبة المشاركة، ولا من حيث عدد الأماكن (مُدنًا وقرى) التي يُفترض أن تجري في نطاقها نشاطات ذات تأثيرٍ مماثل. إنّ اتساع نطاق المجازر ضد أبناء شعبنا وأهلنا في غزة، وطبيعة الهدف المرسوم من قبل المشتبكين الفلسطينيين مع قتلة نظام الحصار الاستعماري، يُحتّمان اتساع رقعة الاحتجاجات، ويستوجبان نهضةً شعبيةً عارمةً في مختلف المدن والقرى الفلسطينية في الداخل، ناهيك عن مدن وقرى ومخيّمات الضفة الغربية، الأمر الذي يشكّل تحديًا أمام جميع الأُطر التمثيلية والسياسية والاجتماعية والأكاديمية. ولكن، أحد الانتقادات الاستباقية التي أوجّهها إلى هذا الحراك (على أمل أن يتفاداها)، هو غياب الاستمرارية، أي صفته الموسمية وصبغته اللحظية، وتبدّد الجهد الكافي لوضع آليات تضمن ديمومته.

من يتفحّص مئات الوجوه التي نظّمت نشاطات حيفا، وشاركت بحيوية وحماس كبيرين، متحدّية التخويف والترهيب، يدرك أنّه يقف أمام قامات، من الرجال والنساء، ممّن باتوا أكثر تجربةً ونضوجًا سياسيًّا وفكريًّا، وأشدّ صلابةً وشجاعةً مسنودة بالحكمة هذه المرّة، وبعيدةً عن نزق الشباب الأوّل. إنّ جزءًا كبيرًا من هذه القامات، كان له باعٌ طويل في الحراكات الشعبيّة الكثيفة التي طوّرت تكتيكات المقاومة الشعبية ضد مشروع برافر التهجيري، فكان له الفضل في إسقاطه، كما يُعزى له الفضل في إشعال جذوة النشاطات العديدة التي جرت تضامنًا مع إضرابات الأسرى الفلسطينيين عن الطعام، على مدار السنوات الخمس الماضية، ونضالات أخرى كثيرة لا مجال لحصرها في مقام مقالنا. وهذه الفئة أو الشريحة الاجتماعية، في تقديري، بمقدورها أن تضطلع وتنهض بدورٍ قيادي حقيقي في كل مجريات أمورنا، داخل الخط الأخضر، وفي إطار العلاقة بالنضال الفلسطيني العام، وتجديد المشروع الوطني الفلسطيني. فقد اشتدّ عود أفرادها وازدادوا بأسًا وثقافةً وخبرةً، بحمل أغلبيتهم الساحقة للشهادات الجامعية والتضلّع في النشاط الوطني. فهل تستطيع هذه الطليعة الشابة أن تحمل على كاهلها مهمّة توحيد الناس وتوحيد الأجيال في معركة التحرّر والتطوّر، وأن تأخذ على عاتقها مواصلة التصدّي لعنف الشرطة الذي يتفاقم ويزداد توحّشًا كل يوم، منتصرةً بذلك على الخوف بالحق ومدفوعةً بالالتزام تجاه القضيّة؟

إن كانت الإجابة بالإيجاب، فما هي الشروط التي يجب أن تتوفّر لدى هذه الشريحة العمريّة الثوريّة للقيام بهذا الدور الضروري والشرطي لإحداث تغيير تاريخي؟

الخروج من الإطار الضيّق: مراجعة نقديّة، برنامج، ورؤية تحرّرية

لا تُنبئنا النجوم بمصير المعركة الشعبية المشتعلة في قطاع غزة، والتي ابتكر فكرتها وأطلقها الشباب من أبناء وبنات المخيّمات، تحت عنوان "مسيرة العودة الكبرى"، والتي دفقت الدم في عروق المجتمع الغزّي بكليّته من خلال مَرْكَزَة القضية بعد تهميشها قصديًّا بالهموم الحياتيّة اليوميّة، كما أيقظت الحراك الشبابي، مُلهبةً المشاعر، عندنا، داخل الخط الأخضر. ومع أننا نرى أهمية بالغة في تصاعد هذا الحراك الفلسطيني في غزة، ووصول تفاعلاته إلى البقاع الفلسطينية، إلا أنّه مهما كان مصيره، فقد آن الأوان لنشطاء وقادة الحراك، شبابًا ومخضرمين، من ذوي التوجّه النقدي، وذوي القدرة على التنظيم، وذوي الشعور المتين بالانتماء، أن يُبادروا فورًا إلى تأطير هذا الحراك في الداخل، وتحويله إلى قوّة شعبية مُنظّمة، من خلال استثمار الزخم النسبيّ واضطرام التوهّج، قبل أن يتلاشى كما حصل في السابق، وتخبو حُمرَة جمرته. والحديث هنا عن حاجة مُلحّة، للأسباب التالية:

أولاً نحن كفلسطينيين، نعيش تحت مُسمّى المواطنة الإسرائيلية، التي ُتغلّف استعمارًا داخليًّا يُمارس علينا منذ عام 48، نحتاج إلى تنظيم أنفسنا وتحصين وجودنا، وانتزاع حقّنا في التطوّر والبناء. وذلك لأنّ واقعنا هو نتاج نكبة كارثيّة، تتفاعل وتتوالد عنها نكبات مستمرة في كافة مجالات الحياة ومساربها؛ في الأرض والاقتصاد والتعليم والعمل والأمن الاجتماعي. كما أنّ نظام الأبارتهايد الحاكم يزداد عدوانيةً وشراسةً وكراهيّةً للوجود الفلسطيني.

ثانيًا: إنّ كوننا جزءًا من شعب فلسطين وقضيّته الكبرى، وكون الظلم الواقع علينا هو من تداعيات النكبة الكبرى، فإننا مُطالبون بترجمة العلاقة الوطنية إلى فعلٍ شعبي مؤثّر يُجسّد علاقتنا التاريخية والمصيرية مع شعبنا. أقول ذلك، لأنّ إسرائيل ليست في وارد التخلّي عن سيطرتها عن كل فلسطين دون مقاومة متجدّدة. وليست، في الوقت ذاته، مستعدّة لمنح حقوق متساوية لأي فلسطيني مع نظيره الإسرائيلي، بما في ذلك الفلسطينيون الذين يحملون الجنسيّة الإسرائيلية الشكلية والقسريّة. وبالتالي، فإنّ وحدة الشعب الفلسطيني الوطنيّة والكفاحيّة، في كافة مَواطن وجوده، مطلوبةٌ لدحر نظام الأبارتهايد الاستعماري، وتحقيق حقّ تقرير المصير والعدالة لشعبنا. وعلى قلب رجلٍ واحد يتبنّى الأبارتهاديّون مقولة: لا للانسحاب وإزالة الاستيطان من الضفة والقدس وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة، ولا لعودة أي لاجئ إلى دياره، ولا مساواة لمليون ونصف فلسطيني داخل الخط الأخضر.

كيف نبدأ؟ وكيف نحوّل الحراك الشبابي من حالة متقطّعة ومحدودة التأثير في تحريك الجماهير، إلى قوّة دائمة وواسعة التأثير؟

أولاً، علينا أن نبدأ بالمراجعة الذاتية، وبالاطّلاع على مراجعات الحراكات الشعبيّة الحديثة سواءً على صعيد التجربة الثوريّة العربيّة أو العالميّة، لا الاعتماد حصرًا وقسرًا على الموروث الثوري الكلاسيكي في التحرّر الوطني والتحرّر الاجتماعي، على شاكلة التجارب التي شهدها القرن العشرون، والوقوف عندها. فهناك تحوّلات جذريّة طرأت على بنية المجتمعات الغربيّة وغيرها، بفعل سيادة النظام النيولبرالي واتساع الفجوات الطبقية والاجتماعية وانتشار النزعة الفردية والاستهلاكية، والتي انتقلت - بدورها-  بصورةٍ مشوّهة إلى دول الجنوب، وكان لها اليد الطولى في إحلال تغيير في سلوكيّات الأجيال الشابة، مُنتجةً الفردانية والنزعة الاستهلاكية لدى فئة قليلة تحتكر المال، في حين أنّ الأغلبية التي لا تتحصّل عليه، هي من تشكّل مخزون الغضب وحطب الثورة. في هذا السياق، تتعيّن دراسة مآلات الثورات العربية والنتائج المتمخّضة عنها.

إنّ أهميّة الإحاطة بمآل ومصير الانتفاضات الجماهيرية السلميّة التي فجّرها الشباب العربي، ابتداءً من تونس ومرورًا بمصر، وببقية الدول العربية، لا تقلّ أهمية عن إدراك دوافعها ومنطلقاتها. كما أنّ الاطّلاع على مراجعات وكتابات الثوّار أنفسهم، ودراسات الباحثين والمثقفين، له أن يُثري وعينا الذي يرتكز عليه - تِباعًا- حراكنا. علينا أن ندرك الأسباب التي نحّت الثوّار الشباب، ممن فجّروا الثورات وأوقدوا شعلتها، من المركز إلى الهامش، ليجدوا أنفسهم بعد انتخابات منشودة، خارج المشهد السياسي، بل وملاحقون ومهدّدون بالاعتقال ومحفوفون بالموت، ليتراجعوا عن استئناف نشاطهم الثوري ويتقهقروا لصالح الثورات المضادّة. كما يجدر بنا الانكشاف على التحليلات التي تُفسر اندثار الحراكات الشعبية الفلسطينية التي انطلقت من رام الله والقدس وغزة ومخيمات الشتات، إثرَ انتفاضة تونس ومصر، عام 2011. فلسطينيًّا، يعزو عالِم الاجتماع الفلسطيني، د. جميل هلال، هذا الاندثار، إلى أسباب كثيرة، منها: غياب البرامج والأهداف الواضحة، وغياب التنظيم، وموسميّة هذه الحركات، وانعزال هذه الشريحة عن هموم المجتمع بشكلٍ عام، وعجز هذه المجموعات عن إدارة العلاقات السليمة فيما بينها، وكذلك عن إدارة الاختلافات في التوجّهات السياسيّة والفكريّة. وهناك أسبابٌ موضوعيّة منها إقدام السلطة الفلسطينية على قمع واحتواء هذه المجموعات الشبابيّة الثائرة (انظر: جميل هلال، "رؤية نقدية استشرافية، الحراكات الشبابية الفلسطينية"، مؤسسة مسارات، 2013).

كما يمكننا أن نتعلّم من مراجعة تجربة حركة"Occupy Wall Street" التي انطلقت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بتأثيرٍ من الثورات العربيّة، مُتّخذةً من محاربة تزاوج الرأسمال مع السياسة ومناهضة الحروب الإمبريالية سعيًا للمساواة، شعارًا لها. ولعلّ كتاب"The End Of The Protest, A new play book for Revolution" لصاحبه الدكتور الشاب مايكا وايت (Micah White)، وهو من مؤسّسي الحركة وروّادها، من أفضل ما يُفسّر ويشرح بأسلوبٍ نقديّ وتحليلي، أسباب فشل هذه الحركة، التي اجتاحت عشرات المدن الأمريكية في أواخر عام  2011، قبل أن تقمعها السلطات الأميركية. لا يكتفي وايت برصد الأخطاء، وإنما يعرج على كيفيّات التعلّم منها، واعتماد أساليب ونظريات في إحداث احتجاجات وإحلال تغييرات أكثر تأثيرًا وفاعلية. من أسباب إخفاق الحركة، كما يرتئي وايت، هو اعتمادُها أساليب قديمة استُهلكت على مدار عقود في بيئة اجتماعية وسياسية واقتصادية مُستجدّة، وكذلك اعتمادها الديمقراطية التشاركيّة في الميادين، دون أن يترافق ذلك مع تشكيل قيادة مركزيّة. فكلّ ناشطٍ في الحركة تصرّف كقائدٍ منفرد، وهذا كفيلٌ بإفراغ الحراك الشعبي من معناه المرهون بالجمع لا الفرد. ولا يقف وايت عند النقد وإنّما يطرح حلولاً بديلة، ففي كتابه الذي يحمل عنوان "نهاية الاحتجاج"، نراه يدعو إلى هجر الأساليب القديمة المكرّرة، لصالح طرق تنظيمية وأساليب نضالية شعبية خلاّقة وأكثر تأثيرًا، لا التخلّي عن فكرة الاحتجاج كوسيلة للتغيير الاجتماعي كما يُستشفّ للوهلة الأولى من العنوان. إن هذه المراجعات مطلوبة وضروريّة لمساعدة الشباب المبادرين على الاجتهاد وابتكار ما يلائم واقعنا من تكتيكات واستراتيجيات ومفاهيم.           

ما العمل؟!

منذ سنوات يجري اختزال الفعل السياسي إلى فعلٍ نخبوي، أُلقي على كاهل ممثّلي الجمهور الفلسطيني، من أعضاء كنيست ورؤساء بلديات وقيادات أحزاب، إمّا من خلال إحياء مناسبات وطنيّة على شكل مسيرات فولكلورية يتناقص عدد المشاركين فيها من عام إلى آخر، أو من خلال اتصالات لتحصيل ميزانيات أو قضاء مصالح عامّة، أو لتسجيل عرائض احتجاج على ما يواجهه المجتمع الفلسطيني في الداخل من ممارسات عنصرية، وقصور متعمّد للشرطة في محاربة الجريمة المتوطّنة والعنف المستشري. وكلّ ذلك بمعزل ومنأى عن دور الجمهور!

لم يجر حتى الآن فحصٌ جديٌ وجذري وجريء للأسباب الكامنة وراء ضعف تجاوب الناس وانحسار فاعليّتهم، وخاصةً عموم الجيل الشاب الذي نتوسّم إقدامه واتّقاده واقتياده، مع كلّ نشاطات لجنة المتابعة وغيرها من الأُطر التمثيليّة أو الحزبيّة. لم تحاول قيادات هذه الهيئات والأُطر معرفة سرّ انحصار المشاركة في بعض العناصر الطلائعيّة، ونأي الجموع عن المشاركة الواسعة والفاعلة في نشاطات لجنة المتابعة أو في المظاهرات الساخنة.

بسبب هذا الترهّل المؤسّساتي والقيادي، والعمل الفوقي، دون الاستعداد إلى النزول من البرج العاجي إلى الشارع بهدف تنظيم الناس، اقتصر التنظيم وخلق البديل على طلائعيي الجيل الجديد. ولكي يستطيع هؤلاء الطلائعيون القيام بالدور المأمول منهم والتكفّل بالمهمة التاريخية التي حتّمتها مجريات القضيّة، فلا بدّ لهم من إدراك تبعيّتهم لركيزةٍ أوسع، ففي نهاية المطاف لا يمكن اعتبارهم فئةً خارج المجتمع، وإنما جزءٌ حيوي منه. ولذلك، عليهم أن ينتقلوا من العمل النخبوي والاحتجاجي إلى العمل الشعبي والبنائي الاستراتيجي، وإن كان فعلهم النخبوي والصدامي يختلف في طبيعته عن نخبويّة القيادات التقليدية، التي تفضّل الفعل السياسي الناعم غير المؤثّر، وتخشى من فعل الجماهير الثوري. في واقع الأمر، لا يتطلّب هذا المنحى الاصطدام مع الأحزاب والحركات، فهذا الحراك يضمّ نشطاء من بعض هذه الأحزاب، بتفاوتٍ نسبي. كما أنّ أحد أهداف هذا الحراك المفترضة هو تحفيز تلك الأحزاب على تطوير بُناها وبرامجها وكوادرها وأدائها، لا العمل ضدّها. على غرار أيّ مجتمع، بل وبالذات في هذا المجتمع الذي يعيش حالة استثنائيّةً من القهر الاستعماري، لا بديل لنا عن الأحزاب والحركات الوطنيّة، وفي الوقت ذاته لا مفرّ من السعي إلى إصلاح العطب الذي دبّ في الأحزاب، وإعادة إحيائها لتحقيق الأهداف المرجوّة منها.

أمام الحراك داخل الخط الأخضر فرصةٌ سانحة، لا بدّ من اقتناصها ثمّ استثمارها، للمساهمة في تكوين بديل ديمقراطي يحشد أجيال الأمس وأجيال اليوم معًا في حركة شعبية جديدة غير برلمانية، وواضحة الهدف الاستراتيجي بعيد المدى، والآخر قريب المدى المتمثّل ببرامج ومخطّط عملي ومرحلي وكفاحي يومي. إنّ من شأن هذه الحركة الوليدة تكوين وعي تحرّري جديد، واقتياد طليعة مشروع تحرّري ديمقراطي شامل في أرضنا بذرته وفي أيدينا رايته، فانطلاقته مرهونة بفلسطينيي الداخل، أمّا انتشاره فسيتكفّل به كل الفاعلين في هذه الاتجاه في كلّ بقعة تهجّر إليها شعبنا الفلسطيني.

إنّ جزءًا من نُشطاء هذا الحراك، هم أصلاً، في صلب هذه المبادرة التنظيمية التحرّرية الحديثة وقلبها. فهي لم تخرج إلى النور إلا لكونها راية الأجيال الجديدة والطلائع الوطنية والديمقراطية، تدفعهم ويدفعون بها نحو طريق مضمون، وغير مسدود هذه المرّة، نحو التحرّر والحريّة.

تأطير الحراك

إنّ استمرارية أيّ جسمٍ سياسي لا يمتلك رؤيةً وتصوّرًا وبرنامجًا، كناظمٍ يضبطه ويوجّهه، أمرٌ محدود الضمان. ولذلك، تقتضي حتميّة الاستمرارية تأطير الحراك تحت مجموعة من التصوّرات والأهداف والبرامج، نوردها بإيجاز كما يلي:

على الصعيد الاستراتيجي أو الرؤية/التصوّر: علينا إعادة التأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني أينما وُجد، وضرورة التفافه حول هدفٍ واحد، إمّا تحت شعار "تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية لكافة تجمّعات الشعب دون تحديد طبيعة الحل" (وتبنّي شعارات الـ BDS الثلاثة على سبيل المثال لا الحصر)، وإما تحت شعار "الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية". وأن تتجسّد هذه الشعارات عبر إيجاد الرابطة الفعلية مع جميع تجمّعات الشعب الفلسطيني.

أمّا بخصوص خيار الدولة الديمقراطية الواحدة، فعلى من يؤمنون بهذا الخيار، إيجاد الآليات المناسبة للتواصل مع التجمّعات الفلسطينية المختلفة ومع النظراء اليهود المناهضين للصهيونية، قولاً وعملاً، لخلق إطارٍ مشترك يقوم على المقاومة المشتركة، من أجل نظام ديمقراطي بديل في فلسطين التاريخية على أنقاض نظام الأبرتهايد الكولونيالي.      

أما على الصعيد المرحلي واليومي: أولاً، علينا إعادة بناء لجنة المتابعة العليا، من خلال مأسَسَتها وإيجاد مصادر تمويل ذاتية تُمكّنها من تحقيق الحكم الذاتي وإدارة حياة الفلسطينيين وفق حاجاتهم ومتطلّباتهم، كجماعة قومية ذات أحقيّة في الأرض والوطن، ثمّ العمل على تنظيم مؤتمر شبابي لهذا الغرض. ثانيًا، بناء هيئة شعبية كفاحية، مهمّتها تنظيم المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر لمقاومة سياسة مصادرة الأراضي، والنضال من أجل استعادة الأراضي المُصادرة، ومقاومة هدم البيوت الفلسطينية، والتصدّي للمشكلات الاجتماعية وظواهر العنف الناجم عن سياسة الاستعمار الإسرائيلي. كما يتوجّب – تحت مظلّة هذه الهيئة - عقد مؤتمر خاص يتناول آليات المقاومة الشعبية، يُدعى فيه مختصّون في نظريات الاحتجاج والتغيير الاجتماعي لوضع خطة واستراتيجية نضال شعبي. يشتمل هدف هذه الهيئة على تدريب كوادر من مختلف القرى المدن، يذوّتون من خلاله الفكر النظريّ اللازم لقيادة العمل الشعبي الحيّ. وهذه مهمة مُلحّة ومُمكنة في إطار الواقع الراهن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018