تعايش عنصري..

تعايش عنصري..

بلال ضاهر

تباكى الكثير من الإسرائيليين، وبينهم صحافيون ومحللون يمينيون أو مما يسمى الوسطية السياسية، وكذلك بعض العرب، على "التعايش" بين اليهود والعرب في حيفا، في أعقاب تظاهرة "اغضب مع غزة"، التي جرت مساء يوم الجمعة الماضي. وجاء هذا التباكي إثر عدوان الشرطة على المشاركين في التظاهرة الاحتجاجية على المجازر التي يرتكبها الاحتلال بحق قطاع غزة، التي كانت آخرها المجزرة التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 100 فلسطيني وإصابة الآلاف في فعاليات مسيرة العودة.

ويتحدث الإسرائيليون دائما عن "التعايش" في حيفا، بادعاء أنها مدينة "مختلطة". ويبلغ عدد سكان المدينة قرابة 270 ألفا، بينهم 35 ألفا من العرب. وللعرب حضور بارز في حيفا، رغم أن قسما ضئيلا جدا منهم هم من السكان الأصليين في المدينة، التي كانت قبل النكبة واحدة من أكثر المدن الفلسطينية العامرة والتي كانت تعج بالحياة التجارية والسياسية والثقافية. أما الغالبية الساحقة من سكانها العرب فهم مهجرون نزحوا إليها بعد النكبة أو عمال وموظفون وطلاب عملوا في المنطقة واستقرت حياتهم في المدينة.

لكن معظم أحياء حيفا يسكنها يهود أو أغلبية ساحقة منهم وأقلية صغيرة جدا من العرب. والعلاقة بين اليهود والعرب في المدينة تقتصر على "نزول" اليهود إلى البلدة التحتا من أجل تصليح سيارة في ورشات ميكانيكيين عرب، أو تناول طبق من الحمص أو رغيف فلافل أو شوارما في المطاعم العربية. بهذا ينحسر "التعايش" غالبا. ولا يوجد اختلاط بين اليهود والعرب بصورة عامة، سوى في بعض الحالات الاستثنائية جدا، وتكاد لا تُذكر. وبالمناسبة، هذا الوضع ينطبق على المدن الفلسطينية، التي أصبحت ذات أغلبية يهودية بعد النكبة، مثل عكا ويافا واللد والرملة...

الحقيقة هي أنه لا يوجد "تعايش" يهودي – عربي في البلاد. والحديث عن "التعايش" هو حديث ينطوي على مزاعم ونفاق، ولا أساس له على أرض الواقع. ربما هذه الحقيقة ليست نابعة من أن اليهود معادون للعرب، وإنما هي نابعة من ماكينة غسيل الدماغ الإسرائيلية وعدوانيتها، التي تتعامل مع العرب من منظار الشرطة وأجهزة الأمن، وهو بالأساس نابع من النظرة الصهيونية – العنصرية منذ ولادة هذه الحركة. وتشهد على ذلك العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية. وبهذا المفهوم، فإن "التعايش" الذي يتحدثون عنه هو في الواقع تعايش عنصري. وأي توتر أمني على حدود إسرائيل، ينظر المواطنون اليهود، بمعظمهم، إلى المواطنين العرب على أنهم عدو. والنظرة نفسها تكون عندما ينظم العرب تظاهرة أو احتجاج، رغم أنها احتجاجات سلمية بغالبيتها الساحقة.

ويدلّ على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، تفوهات المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، روني ألشيخ، بأن تظاهرة حيفا، مساء الجمعة الأخيرة، كانت "عنيفة" وأشبه بـ"حرب" وأن المشاركين فيها رشقوا الشرطة بالحجارة وألحقوا أضرارا بالأملاك العامة في مكان التظاهرة. وأن مدير عام جمعية "مساواة"، جعفر فرح، كسر قدمه خلال "المظاهرة العنيفة". لكن هذا الوصف من جانب ألشيخ ليس موجودا إلا في خياله. لم يحدث شيء من هذا الشغب المتخيل، وقرار محكمة الصلح في حيفا، لدى النظر في طلب الشرطة تمديد احتجاز المعتقلين في المظاهرة، يثبت ذلك، بعدما رفض كافة مزاعم الشرطة وأفرادها. لكن المسألة الأساسية، في هذه الحالات وحالات أخرى لا حصر لها، هي عدم وجود أي جهة تحاسب المسؤولين الإسرائيليين على تفوهاتهم العنصرية.

وبمناسبة ذكر قرار المحكمة، فقد قرر القاضي إطلاق سراح جميع المعتقلين دون استثناء. وكتب القاضي في قراره، أنه "لم أجد في مواد الأدلة أساسا حقيقيا، ولو بمستوى شك معقول، يربط أيا من هؤلاء المشتبهين (المعتقلين) بمخالفة التسبب بضرر متعمد بأملاك". كذلك فنّد القاضي بنفسه ادعاء الشرطة بأن المتظاهرين المعتقلين اعتدوا على أفرادها أو حاولوا عرقلة عملهم، وكتب أنه عندما يدعي الشرطيون بأن المتظاهرين استخدموا العنف، إنما يقصدون محاولاتهم لمنع الشرطيين من اعتقالهم، وأن "والحديث هنا حول الخطورة المنسوبة لمحاولة إيقاف مظاهرة، والتي حتى لو كان يدور الحديث عن مظاهرة غير قانونية، فإنه لا يوجد خطر محدد من جانب أي من المشتبهين تجاه أي شرطي"، وأن هذه حالة لا تستدعي اعتقالهم.

لكن القاضي أشار في قراره إلى ما هو أهم من ذلك، وهو قانونية المظاهرة، وعدوانية الشرطة. وكتب أنه "لم تَغِب عن عينيّ الادعاءات الآسرة للقلب من جانب المحامي (مدير عام "عدالة" حسن) جبارين، الذي طرح ادعاءين أساسيين. الأول، أن تفريق التجمهر (التظاهرة) كان غير قانوني لأن التجمهر نفسه كان قانونيا، والثاني أن الاعتقال نفسه لم يكن قانونيا بالالتفات إلى حق الحاضرين في المكان أن يتواجدوا هناك".

لا شك في أن قرار القاضي دفع الشرطة إلى اتخاذ قرارها بعدم الاستئناف. لكن هذا القرار لم يمنع قائد الشرطة ووزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، من التفوه بأكاذيب، ولم تمنع وزراء آخرين، مثل وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، من التفوه بعبارات عنصرية. غير أن هذا أداء تقليدي متواصل من جانب المسؤولين الإسرائيليين ضد العرب، وليس مهما سواء كان في الداخل أو في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وهذا هو الواقع الذي يستحيل تغييره.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018