مسيرات العودة والعودة إلى المربع الأول

مسيرات العودة والعودة إلى المربع الأول

د. إمطانس شحادة

قد تكون إسرائيل من الدول القليلة التي ما زالت تتعامل مع القضية الفلسطينية كونها قضية تحرّر وطني من استعمار استيطاني، وقضية سرقة وطن، بعد أن تراجعت هذه الاصطلاحات من معاجم غالبية دول العالم في تعاملها مع القضية الفلسطينية، بل وحتى غالبية الدول العربية، وأحيانًا، وللأسف، نجد أن هذا الخلل طال تعامل السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وباتت القضية الفلسطينية مسألة إقامة دولة ونزاع على الحدود.

إن تعامل إسرائيل مع القضية الفلسطينية كقضية تحرّر وطني ضد مشروع استعماري، والهاجس من تصدّر خطاب العودة واجهة النضال الفلسطيني من جديد، يفسّر، باعتقادي، وحشية إسرائيل في تعاملها مع مسيرات العودة السلمية في غزة ومظاهرات الاحتجاج داخل أراضي ال 48. علمًا أن استعمال هذا المنسوب المروع من القوة العسكرية ليس غريبًا عن العقيدة الأمنية-السياسية الإسرائيلية وغير مفاجئ في سياقه التاريخي، وليس طارئًا دخل على المنظومة القيمية والمفاهيم الإسرائيلية. أما استعمال مصطلحات على سبيل المثال حماية الحدود، و"محاربة الإرهاب"، والدفاع عن النفس، فهي تستعمل للتبرير والشرعنة الذاتية والدولية لسياسات القتل والبطش.

تسلّح المشروع الصهيوني منذ خطواته الأولى بتبريرات جاهزة لهذه الوحشية. وفي هذا السياق، فإن من شأن رثاء موشي ديان للمستوطن روعي روتبرغ، الذي قتل في عملية فدائية في مستوطنة "ناحل عوز" على حدود غزة عام 1956، وعقيدة "الجدار الحديدي" التي طرحها جابوتنسكي، ربع قرن قبل إقامة دولة إسرائيل، توضيح قسم كبير من تلك التبريرات.

يحمل رثاء ديان لروتبرغ بعض مفاتيح فهم سياسات إسرائيل الوحشية، تحديدًا تجاه اللاجئين الفلسطينيّين، إذ جاء فيه: "دعونا اليوم لا نلقي التّهم على القتّلة. إذ ماذا يمكننا قوله عن كراهيتهم الشديدة لنا؟ فمنذ ثماني سنوات وهم يقبعون في مخيّمات اللاجئين في غزة، وأمام أعينهم نحن آخذون في تملّك الأرض والقرى التي عاشوا فيها هم وآباؤهم". وعليه، يعترف ديان صراحة، ودون أي تردّد أو مساحيق تجميل، بأن إسرائيل سرقت الوطن وترابه وهجّرت أهله، وأن هذا هو جوهر الصراع. يناضل الفلسطينيون من أجل أراضيهم وحقوقهم، ويجب على إسرائيل استعمال العنف الدائم لمنعهم من تحقيق ذلك، من دون تبرير ذلك لا "بإرهاب" ولا "كراهية الإسلام" ولا بالدفاع عن النفس، بل بسبب الصراع على الأرض والوطن. لذلك، على إسرائيل أن تكون قوية ومقنعة في قوتها دون إبداء أية إشارات ضعف أو تراجع، كما يوضح ديان حين يقول: "هل نسينا أن ثلة الشبيبة هذه، التي تجلس في ناحل عوز، تحمل على أكتافها بوابات غزة الثقيلة؟ بوابات تصطف خلفها مئات آلاف الأعيُن والأيدي تصلي ليوم نضعف فيه، لكي تستطيع تمزيقنا إربًا- أَنسينا ذلك؟.... وراء شريط الحدود يموج بحر من الكراهية والرغبة في الانتقام، يرنو إلى يوم تُضعف فيه الطمأنينة انتباهنا، إلى يوم نصغي فيه إلى سفراء النفاق المحتال، الذين يناشدوننا إلقاء سلاحنا.... لن نرتدع عن النظر إلى العدائية التي ترافق وتملأ حياة مئات آلاف العرب، الذين يعيشون حولنا ويرنون إلى لحظة تتمكن أيديهم من ذبحنا... إنه قدر جيلنا. إنه خيارنا في الحياة، أن نكون مستعدين مسلحين، أقوياء وقُساة وإلاّ فسوف يسقط السيف من يدنا، وتُجدع حياتنا".

يتوافق رثاء ديان إلى حد بعيد مع مقاربة "الجدار الحديدي" الذي قدمها مؤسّس حزب التيار التصحيحي، زئيف جابوتنسكي، لفرض قبول إسرائيل على المنطقة العربية بل على الفلسطينيين أنفسهم، والوصول إلى سلام. وفقًا لنبيه بشير، فإن عقيدة الجدار الحديدي، التي ما زال معمولاً بها لغاية الآن (وفقًا لخطابات صنّاع قرار وقيادات إسرائيل في الوقت الراهن)، ليست "مجرد أداة لتحقيق أهداف معينة"، بل هي "الأداة والأهداف معًا"، وهنا تكمن أهميتها وسر استمراريتها حتى يومنا.

تتشكّل عقيدة "الجدار الحديدي" من أربعة عناصر أساسية وفقًا لبشير. أولا، السعي نحو فرض أكثرية يهودية على ضفتي الأردن؛ ثانيًا، التحالف مع القوى الإمبريالية العظمى لتعزيز وهن المحيط العربي عمومًا والاستعانة بها لإنشاء دولة يهودية على كامل التراب على ضفتي الأردن؛ ثالثًا، الإحجام عن أي محاولة للتفاوض مع المحيط العربي عمومًا، والفلسطيني خصوصًا، إلى حين ينعدم فيه "أي بصيص للأمل" لديهما للتخلّص من الكيان الاستيطاني الصهيوني؛ ورابعًا، بناء قوة عسكرية جبارة لا يمكن للمحيط العربي وسكان البلاد العرب التغلّب عليها".

اذًا، ترمي إسرائيل حاليًا، بناءً على عقيدة "الجدار الحديدي" وإرث ديان، إلى قمع الأبعاد والأهداف السياسية لمسيرات العودة أو أي نضال فلسطيني آخر، ومنع أية إمكانية لعودة النضال الفلسطيني إلى المربع الأول المتمثّل في حق العودة والنضال من أجل الوطن، أي العودة إلى مشروع تحرّر وطني. لا تستخدم إسرائيل القوة للدفاع عن نفسها فعلا، ولا بسبب وجود تهديد أمنى حقيقي، بل لأن من شأن النضال الفلسطيني أن يتطوّر ليصبح خطرًا على "الوضع القائم" ويفضي إلى تحريك الشارع الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، كون هذا النضال يحاكي أصل القضية ومسبباتها: التهجير واللجوء وفقدان الوطن لصالح مشروع استعماري. تسعى إسرائيل إلى محو هذا الحلم من الذهنية الفلسطينية، وكيّ وعي جماعي يفيد أن هذا الحلم غير قابل للتنفيذ وغير واقعي، لذلك يجب أن يرضى الطرف الفلسطيني والعربي بالواقع وقبول ما يعرض عليهم من بدائل متواضعة ومهينة ومذلة، أما البديل عن هذا فتكلفته باهظة جدًا: القتل والتجويع والحصار والموت البطيء، تمامًا كما نشهد في التعامل مع غزّة.

هنا تبرز أهمية التغيير في تعامل الفلسطينيّين مع سياسات إسرائيل. علينا قبل كل شيء أن لا نقع في فخ المصطلحات الإسرائيلية، وحسابات الربح والخسارة الجافة البعيدة عن الحسابات القومية ومعايير تغيير الوعي الفلسطيني. يجب أن نساهم جميعًا في إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني والتحرّر من وهم عقيدة أوسلو، أو أخونة القضية الفلسطينية، وطرح مشروع سياسي يرمي إلى تفكيك منظومة الاستعمار الإسرائيلية، وإعادة الصراع إلى مساره التحرّري. لا نجازف كثيرًا حين نقول إن الداخل الفلسطيني في أراضي الـ 48 سيكون جزءًا من هذا المشروع، وحتى من باب أن إسرائيل مستمرة في التعامل مع هذا الجزء كجزء لا يتجزأ من المسألة الفلسطينية ومن حلّها، وكافة السياسات المعتمدة تجاهه مشتقّة من هذه العقيدة. إن تفاعل الداخل مع مسيرات العودة ومواقف التيار الوطني، يشيان بهذا التحوّل العميق.

إن إعادة بلورة المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرّر وطني من مشروع استعماري، وإفشال أهداف السياسات الإسرائيلية، هو واجب الحركات الفلسطينية جميعًا في هذه الفترة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018