غزة كابوس إسرائيل

غزة كابوس إسرائيل

أنطوان شلحت

لا نكشف جديدًا حين نقول إن غزة ما فتئت تشكل كابوسًا لإسرائيل، وكانت في مرمى عدة مخططات جهنمية، استهدفت تفريغها من سكانها، سبق أن أشرنا وغيرنا إليها. 

وفي أغسطس/ آب 2005، نشرت صحيفتا "معاريف" و"هآرتس" الإسرائيليتان، يومي 13 و19 منه، تقريرين مطوّلين وموثّقين، سلطتا فيه أضواء كاشفة على مخططات وحملات إسرائيلية سرية، استهدفت في الأعوام التالية لحرب 1967 تفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، على الأقل اللاجئين منهم، ومحاولة توطينهم في سيناء ودول الجوار العربي، خصوصا الأردن، لكن انتهت كلها، حسبما أكد في سياق التقريرين غير مسؤول إسرائيلي كبير سابق، ممن كان لهم ضلع مباشر فيها، إلى الفشل الذريع، وإلى "انكسار أحلام" زعماء دولة الاحتلال في تلك الفترة، ومنهم ليفي أشكول وموشيه دايان ويغئال ألون، بتحويل قطاع غزة "بعد تطهيره من العرب وتعبئته بالمستوطنين اليهود" إلى "ريفييرا إسرائيلية" على شاطئ المتوسط. 

وكتب معدا التقرير في "هآرتس"، الصحافيان يوسي ميلمان وأفيفا لوري، في مقدمة تقريرهما الذي ظهر بعنوان "غزة.. عملية الإخلاء الأولى": حدث ذلك فور انتهاء حرب 1967 مباشرةً، حيث أُرسلت وحدة سرية جديدة، مؤلفة من يهود 'يلمّون بالعقلية واللغة العربية' إلى غزة، بأمر من رئيس الحكومة، أشكول، لـ'تشجيع الفلسطينيين على الهجرة طوعًا'. ما معنى تشجيعهم بالضبط؟ هذا الأمر لم يتحدثوا عنه، بل إن أحد العارفين بسرّ نشاط تلك الوحدة، الجنرال المتقاعد شلومو غازيت، قال: 'يجب شنق كل من يتحدث عن ذلك'. 

ويورد التقرير شهادات بعض الضالعين، ومنهم العميد المتقاعد إسحاق بونداك، الذي كان في 1967 ممثلًا لوزارة العمل الإسرائيلية في قطاع غزة، وأصبح لاحقًا الحاكم العسكري للقطاع وشمال سيناء. قال للصحيفة "هناك من قرّر أنه يجب تفريغ قطاع غزة من سكانه...". وأضاف، من دون أن يشير إلى هوية المسؤول أو الجهة الرسمية التي اتخذت هذا القرار: "اعتقَد من اتخذ القرار بأنه إذا ما كانت حياة السكان صعبة وقاسية، ولم تتوفر لهم لقمة العيش، فلن يتأخروا في الهرب والمغادرة، لكنهم لم يهربوا". 

ولفت التقرير إلى أن أشكول، وفي جلسة عقدت في ديوانه بعد وقت قصير من الحرب، كما اقتبس ذلك المؤرخ توم سيغف في كتابه "1967"، صرّح: "أنا أؤيد مغادرة الجميع، حتى ولو ذهبوا إلى المريخ". 

وعمليًا توقفت عملية "تشجيع" هجرة الفلسطينيين من القطاع، في إثر دخول شابين فلسطينيين، في أشيار/ مايو 1970، إلى سفارة إسرائيل في عاصمة باراغواي، وطلبا التحدث مع السفير الإسرائيلي، لكن موظفة السفارة، عِدنا بئير، شكت في نواياهما، ورفضت طلبهما، ورفعت سماعة الهاتف، فسارعا إلى إطلاق النار عليها، ما أدى إلى مصرعها، فيما أصيبت موظفة أخرى بجروح.

وخلال التحقيق معهما ومحاكمتهما، أفادا بأنهما أرادا اغتيال السفير، انتقامًا من إسرائيل التي قدمت لهما إغراءات ووعود تبيّن أنها كاذبة، عندما وافقا على الهجرة من قطاع غزة إلى باراغواي. ونفت الحكومة الإسرائيلية، في حينه، وجود عملية تهجير رسمية لسكان القطاع، مدعية أن المهاجمين كانا "إرهابيين"، عملا بتكليف من حركة فتح. 

أما تقرير "معاريف" فأكدت كاتبته، الصحافية سارة ليبوفيتش - دار، أنه وفقًا لما توصلت إليه، يدور الحديث حول "إحدى محاولات الترانسفير الأكثر مأسسة ونموذجية في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي (بعد إقامة دولة الاحتلال)، وقد استثمر فيها الكثير من التفكير والتنظيم والأموال، تحت إشراف مباشر لديوان رئيس الحكومة (أشكول)".

وحاول عسكريون ورجال شرطة، في مقر الحاكم العسكري في قطاع غزة، العثور على مرشحين مناسبين، وإقناعهم بالتوجه إلى الطائرات. واستقبل عملاء جهاز الموساد الفلسطينيين في باراغواي. وساهمت الجالية اليهودية في هذه الدولة بالأموال، وبإجراء الاتصالات مع المؤسسات والسلطات المحلية. ونقلت عن مئير عميت، الذي كان رئيسًا لجهاز الموساد في 1967، قوله إن هدف العملية تقليل العرب أكثر ما يمكن، فقد شكلوا على الدوام خطرًا على إسرائيل! وللعملية تفاصيل كثيرة أخرى.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018