الاستيطان والصهيونية بحلة دينية

الاستيطان والصهيونية بحلة دينية

سليمان أبو ارشيد

مُستوطنون في القلب تشغل "الصهيونية الدينية" التي تتسع رقعة تأثيرها السياسي والاجتماعي إسرائيليا باضطراد في السنوات الأخيرة، كذلك تشغل الكثير من المحللين والباحثين خاصة وأن هذه الظاهرة قد غابت أو غيّبت تاريخيا عن الألوان السياسية التي تشكلت منها الحركة الصهيونية، علما أن تلك الحركة استغلت شعارات ونوازع دينية يهودية، مثل "أرض الميعاد" و"إنقاذ الأرض" وغيرها في الترويج لاستعمارها الكولونيالي في فلسطين.

في هذا السياق لا تنفكّ محاولات مُنظّري ومؤرخي هذا التيار بإجراء عمليات زرعِ أحداث أو تضخيم أحداث تاريخية لها علاقة بالصهيونية الدينية؛ لتُشكِّل محطات انطلاق تربط الحاضر بالماضي وتخلق تواصلا منطقيا يمكنها من الاستنادإالى تراث "مجيد" في سباق المنافسة على التاريخ والمستقبل.

بالمقابل باتت "الصهيونية العلمانية" لا سيّما "حركة العمل" التي تمتلك "تابو" على التاريخ، تُعاني من حالة انكفاءٍ وتراجعٍ في المنافسة الجارية مع التيار الديني المذكور في ظل تنامي أوساط محافظة أو شبه محافظة مثل "الحريديم" و"الشرقيين" وتخوفها من التحالف مع العرب.

ويندرج كتاب الباحثة نعيمة برزيل، "مستوطنون في القلب" الذي يمتدح المستوطنين الجدد ويخلع عليهم وليس على أتباع معسكر السلام؛ عباءة مكملي درب المستوطنين الأوائل من "حركة العمل" التي تنتمي إليها، يندرج في إطار "الاعتراف بالذنب" ومحاولات التكفير عنه التي تنتاب العديد من ناشطي وأتباع "حزب العمل" في الآونة الأخيرة وتترجم بالإذدناب لليمين الديني الاستيطاني عوضا عن مواجهته.

وفي ردِّها على أبراهام بورغ الذي نشرته صحيفة "هآرتس" مؤخرا، تؤكد مؤلفة كتاب "المستوطنون في القلب"، نعيمة برزيل، مجددا أنه بالبحث في مضامين وجهة النظر "الإيمانية" ( الاستيطانية)، وترجماتها والجواب "اليهودي للتساؤلات المعتملة داخل أوساط واسعة، حيال تواصل لحالات التهديد وعدم الاستقرار تشكل حرب 1967 وليس 1948 نقطة تاريخية فاصلة.

برزيل وهي باحثة في العلوم السياسية ومحاضرة في كلية "أورانيم" وجامعة تل أبيب، تسعى من خلال كتابها، للوصول إلى سر نجاح المجموعة التي اختارت أن تفرض على المجموع الإسرائيلي "عظمة وصدقيتة القوة المستمدة من الاختيار الإلهي للشعب اليهودي"، وهي عظمة ترى بالسيطرة على كافة أجزاء أرض إسرائيل ترجمة لتطبيق الانتماء الكامل للفرد المؤمن بالشعب اليهودي ودولته، على حد تعبيرها.

وباختصار فإنها تُحاول إيجاد تبريرات منطقية لقضية نجاح وغلبة المستوطنين، مقابل انكسار وفشل المعسكر الآخر المتمثل بـ "حزب العمل وسلام الآن"، وتصل نهايةً إلى "تنصيب" حركة الاستيطان الديني في الأراضي المحتلة عام 67 ، كمُكمِّلٍ لمشروع الاستيطان الذي بدأته "حركة العمل" قبل عام 1948 أو بكلمات أخرى "الصهيونية بحلة دينية".

ويرى بورغ أن التفاضُل الذي تقوم به برزيل والكثير غيرها، بين المستوطنين وبين "سلام الآن" هو مصطنع لأن المستوطنين (الجدد) ربطوا أنفسهم عنوة وبشكل ميكانيكي بشعارات "إنقاذ الأرض" والنظريات الدينية المسيحانية للحركة الصهيونية، والتي ابتكرتها "حركة العمل" بتنظيماتها المختلفة.

ومن المفروغ منه أن المستوطنين القدماء ( سكان الكيبوتسات) والمستوطنين الجدد في الأراضي المحتلة عام 67، أقرب إلى بعضهم البعض في المجال الروحي والقومي، كما يقول بورغ، وبهذا المعنى فإن المستوطنين هم مكملو طريق أصحاب المشروع الاستيطاني القديم ليس باللباس والمظهر فقط، بل بالخطاب والروحية ناهيك عن إضافة البعد الديني.

بورغ يتفق إذن مع الكاتبة التي ترى أن المستوطنين الجُدُد هم الورثة الشرعيّون للمستوطنين الأوائل، الذين أقاموا "الكيبوتسات" ولكن يختلف معها في اعتبار الحالتين جزءا من مشروعٍ واحد، لا يغير كونه كان شريكا في مرحلته الأولى من واقعه الكولونيالي.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018