مصيَدةُ الانتخابات المحلية وآفاق النهوض

مصيَدةُ الانتخابات المحلية وآفاق النهوض

عوض عبد الفتاح

حين كنّا في بواكير الشباب، منذ بدايات الدراسة الجامعية، أو بعد التخرج والعودة إلى القرية، حمل الكثيرون منا، ممن امتلك وعيا مبكرا، وإحساسا بالظلم؛ حلم التغيير والوصول إلى مجتمعٍ متحرر من الثقافة التقليدية، يفتح المجال لأفراده، رجالا ونساءً، للتطور الفكري والثقافي والحياتي ومجتمع حرّ، متحررٍ من الخوف في مواجهة نظام القمع الإسرائيلي.

وأذكر أنني كُنتُ أُجيبُ حينما كان يسألني أحدهم؛ "من أي عائلة أنت؟"، بعد سؤاله عن اسم القرية التي ولدتُ فيها، فكنت أجيبه باستهجان يُربكه: "أنا من عائلة الشعب الفلسطيني".

وكانت تلك الإجابة تتضمن رفضا للبنية التقليدية لمجتمعنا، وتأكيدا على أولوية الوحدة الوطنية لشعبنا الفلسطيني على أنقاض التجزئة العشائرية والطائفية.

كان المصدر الأول لهذه الرؤية النهضوية التحررية، الثقافةالعربية الإسلامية، أي تجربة النبي العربي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي ترجم القرآن ميدانيا، إلى وحدة دينية (الإيمان بإلهٍ واحد) ، وسياسية (إقامة دولة عربية موحدة)، من خلال تحطيم الأصنام وتوحيد القبائل العربية، حيث تم وضع بذور الأمة العربية الموحدة، من خلال الدين الإسلامي، المتواصل تاريخيا مع المسيحية واليهودية.

بعدها، غَرَفَ العديد منا، من كتاباتٍ لنهضويين عرب، ومن الكتابات اليسارية، بالتوازي مع التفاعل مع التجربة الفلسطينية الثورية، التي كانت تعد بتحرير فلسطين والأمة العربية، وتوحيد الوطن العربي. كانت مشاعرنا متماهية حتى النخاع مع مشاعر كل الشعب الفلسطيني والأمة العربية، بل شعوب العالم، التي تسعى للتحرر، وقد شحذت وعمقت هذه المشاعر مطالعاتنا لكتاباتٍ ونضالات المناضلين والمفكرين، ليس فقط الفلسطينيين العرب، بل من مختلف أنحاء العالم.

كنّا نعتقد، في مراحل الوعي الأولى؛ أن التغيير السريع يمكن تحقيقه في بيئتنا الاجتماعيه من خلال دورنا المباشر، وأن النصر العربي على إسرائيل قاب قوسين أو أدنى على يد الأنظمة الوطنية والثورة الفلسطينية. كان كل كتاب نقرؤه، أو سيرة قائد ثوري نطلع عليها، أو الغوص في كتابات امرأة مفكرة وثورية، يلهب مشاعرنا، ويشعل النار فينا، فتولد الأحلام الرومانسية، و يتفجر الخيال في سماء تبدو مفتوحة ولا حدود لها، وكأنها على موعد مع تحقق أحلامنا وأمانينا.

كان هذا التحليق أو الاعتقاد بالتغيير القريب والحتمي؛ تعبيرا عفويا صادقا، مدفوعا بالشعور بالمهانة الناجم عن تأخر مجتمعنا، و من الهزائم العربية أمام الغزوة الصهيونية، لكنه كان متأثرا بالدعاية التي كانت تبثها وسائل إعلامِ الأنظمة الوطنية أيضا، ومن ناحية أخرى، كان ذلك، أي الاعتقاد بقرب تحقيق النصر؛ نابعًا من عدم اكتمال النضوج الفكري والسياسي، وإن كان بَعضُنَا، قد قرأ كتابات سلامة موسى أو قاسم أمين أو هشام شرابي، وآخرين من روّاد النهضة العربية، أو كتابات نوال السعداوي، أو ملخص النظرية الماركسية، باعتبارها نظرية ثورية تحررية من القوى الرجعية، وضد الإمبريالية.

كنّا نعيش هذه الأحلام، الشرعية والطبيعية، مثل عشرات الآلاف بل أكثر، من النشطاء العرب والفلسطينيين، وعشرات الملايين من الناس البسطاء، الذين ظلوا ينتظرون لحظة التغيير والانتصار، ولذلك يمكن بسهولة تخيُّل حجم مشاعر الإحباط والصدمة، من تعثر جميع محاولات النهضة العربية، وتكسر أحلام الأجيال المتعاقبة، على مدار أكثر من قرن ونصف. وعلى هذا الأساس أيضا، يمكن فهم حالة السعادة والنشوة العارمة، عندما فجَّر شباب الأمة العربية، من المحيط إلى الخليج، غضبتهم الكبرى، و ثورتهم المجيدة، أواخر عام 2010، و2011، ولهذا شكَّل سحقُ وخطفُ واغتيالُ هذه الثورات العربية على يد أنظمةِ الاستبداد المتوحشة والتنظيمات التكفيرية الدموية، والقوى الخارجية الدولية والإقليمية والعربية؛ انكسارا آخر، شديد المرارة، لأحلام الكبار، وللشباب. وإذا أضفنا واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، وتحوُّل السلطة الفلسطينية إلى متعاونة مع الاستعمار، فإن الصورة تُصبح شديدة السواد.

ليست هذه المقدمة، الطويلة، دعوة للاستسلام لليأس، بل هي تحفيزٌ على التفكر والمراجعة، والسعي الدائم إلى امتلاك المعرفة العلمية، والتسلح مجددا بأدواتٍ لفهم تعقيدات الواقع، ومقوماتِ التغيير، من خلال إدراك معيقات النهضة الداخلية، في المجتمعات العربية، وكذلك العوامل الخارجية التي تفعل فعلها في إعاقة التحرر أيضا.

إن معركة التغيير لم ولن تنتهي بعد، وستظل المحاولات للثورة، أو للإصلاح، تتكرر، على يد الأجيال الراهنة والقادمة، كما أن الصهيونية لن تنجح في تركيع الشعب الفلسطيني، ولا فرض صفقات التصفية عليه، طالما أن أكثر من نصفه على أرضه، ويقول: لا.

نحن الفلسطينيون، داخل الخط الأخضر، جزءٌ من الأمة العربية وبنيتها الاجتماعية والثقافية. ويميزنا عن غيرنا أننا أُخضعنا، بعد النكبة، لواقع سياسي استعماري مركَّب، في بعديه الداخلي (التأخر الاجتماعي) والخارجي (نظام الاستعمار). ووجد آباؤنا وأمهاتنا أنفسهم، بعد النكبة مباشرة، في مواجهة مباشرة مع هذا الواقع، واضطروا إلى اعتماد آليات الدفاع الغريزي عن الوجود، والبقاء، وذلك عبر التكيف مع هذا الواقع وممالئته الدولة الجديدة بُغية النجاة فقط، ومن ثم، وبعد بدء تفتّح وعيٍ جديد، تم الانتقال لاحقا إلى النضالات المنظمة، ضد سياسات الدولة الجديدة الغازية، وضد البنى الاجتماعية التقليدية. لقد لجأت أجهزة التحكم في الدولة الجديدة إلى هذه البنى، ورموزها، كجزء من إستراتيجيةِ السيطرة على الناجين من النكبة، و يتضح أن الدوائر الصهيونية، وعبر مراسلات داخلية كشفت الأرشيفات أنها أتاحت للمواطنين العرب ممارسة الانتخاب للمجالس المحلية العربية، بهدف إشغالهم عن النضال ضد الدولة، من خلال إشعال الفتنة بين الحمائل، غير أن النقلة النوعية، السياسية الوطنية، التي اجترحها الفلسطينيون في يوم الأرض عام 1967، أطلقت تفاعلات ثقافية واجتماعية وسياسية واسعة وعميقة في أوساطهم، لأكثر من عقد. في هذه الفترة، وصل إلى رئاسة السلطات المحلية وطنيون، ومتعلمون، في عدد كبير من هذه السلطات، وظهرت قوى سياسة وطنية، دينية وعلمانية (أبرزها الحركة الإسلامية والحركة التقدمية) في المشهد السياسي هذه الفترة، وكما ذكرنا، لم تدم هذه القوى طويلا، إذ بدأت الساحة ومنذ أواخر الثمانينيات، تشهد حالات ارتداد إلى البنى الاجتماعية القديمة، يقودها أكاديميون، حزبيون وغير حزبيين، وتم تشخيص هذه الحالة كأزمة العمل السياسي، وأزمة قيادة، وغياب رؤية، التي تعمقت بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، غير أنه، وفِي تطور سياسي لم يتوقعه الكثيرون، في ظل كارثة أوسلو، ظهر على الساحة حزب وطني بدا واعدا، هو التجمع الوطني الديمقراطي، يتحدى ويرفض أُوسلو الذي اعترف بإسرائيل كدولة طبيعية مكرِّسا دونية المواطنين العرب، وذلك عبر تحدي البنية اليهودية الصهيونية للدولة العبرية، والدعوة إلى إلغائها كشرط لإنهاء الظلم وتحقيق العدالة والمساواة. وأدى ظهور هذا الحزب، وانتشار خطابه الوطني والديمقراطي المتصادم مع الصهيونية، إلى استنفار الأحزاب الأخرى، ودفعها إلى التنافس معه، مما ساهم في إعادة العافية إلى الحركة السياسية الوطنية، التي كان أوسلو قد أوشك على الإجهاز عليها،

وكان من طبيعة الأمور أن يدخل التجمع، كحزب مركزي يسعى إلى التأثير الفعلي والتغيير المجتمعي، إلى ساحة التنافس على قيادات السلطات المحلية، وكان هذا التحدي كبيرا بالنسبة لحزبٍ حديث، كان يُتوقّع منه أن يقدم أداءً جديدا، كما فعل ببراعة، في مجال الخطاب السياسي.

من التشدُّد والحذر إلى التكيُّف

عندما بدأنا، في الحركة الوطنية المتجددة، ندخل معترك الانتخابات المحلية في أواخر التسعينيات، وضعنا أنفسنا وجها لوجه أمام الحمولة، وحرَّضنا ضد الحمائلية، باعتبارها عنصر تفرقة وتجزئة، ووظف بَعضُنَا على المستوى المحلي، تجربة الرسول الوحدوية، باعتبارها أقرب إلى وجدان الناس، هكذا اعتقدنا، ولكن تبين لنا أن التقاليد المتوارثة، والثقافة السائدة، راسخةٌ في نفوس الناس أكثر من رسوخ القيم الدينية الوحدوية والروحية، في المجال الاجتماعي والجماعي، التي جاءت بها التجربة المحمدية الأولى.

وبعد أن تبين لنا، مع تقدم التجربة الحزبية، وحاجة الأحزاب، لأن تكون مؤثرة في المجتمع، بدأنا نتعامل مع الواقع، وقد بتنا أكثر فهمًا لوضعية المجتمع وواقعه المركب، المتأثر بنتائج وإفرازات النكبة أيضا، والتي انعكست في مظاهر وسلوكيات هجينة.

ففي حزب التجمع مثلا؛ تميزت المرحلة الأولى بنقاش شديد، وتشدُّدٍ ضد الخضوع لهيمنة الحمولة. وكانت تجربة الحزب الشيوعي الإسرائيلي حاضرة في نقاشاتنا إذ اعتبرناها فاشلة، لأنها كرست العائلية، وأردنا تفاديها، إنّ مناهضة نشطاء الحزب الشيوعي المبدئية للعائلية (في الستينيات والسبعينيات)، بدأت تتراجع منذ أواخر السبعينيات، ومع تشكيل الجبهة، بدأ الانحراف نحو إستراتيجية الائتلاف مع إحدى العائلات الكبيرة، وترشيح شخصية تقليدية منها لرئاسة المجلس المحلي. وصنفت الجبهة الحمولة الحليفة كتقدمية أو وطنية، في حين نعتت العائلة المنافسة بالرجعية واللاوطنية مما دفع الأخيرة، في كثير من الأحيان إلى اللجوء إلى تحالفات مشبوهة، وبذلك كرست الانقسام المجتمعي داخل القرية الواحدة، وساهمت في إيجاد خصومات مريرة، دون أن تقصد. طبعا، نستثني من هذه التجربة، تجربةَ انتصار الجبهة في مدينة الناصرة عام 1975(وربما في حالة أخرى أو حالتين) حيث شكَّل فوزها برئاسة توفيق زياد، تطورا سياسيا وطنيا هاما، في تاريخ مسيرة الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، إذ كان الفوز هناك، فوزا لإطارٍ سياسي مناهض للسلطة الإسرائيلية، وليس فوزا من خلال الحمولة، وانعكس هذا الفوز على مجمل الحركة السياسية والاجتماعية القطرية لسنوات طويلة، أي قبل أن تتحول قيادة البلدية الجبهِوية إلى قوةٍ محافظةٍ متكلسة، أما حركة أبناء البلد، الحركة الوطنية اليسارية، الجريئة، فكانت أعلنت عن تشكلها في إطار محلي، كقائمة محلية في الانتخابات المحلية عام 1972، ببرنامج وطني واجتماعي تقدمي، وبرز تشديدها في الأساس على الهوية الوطنية الفلسطينية و مناهضة العائلية.

وفِي الثمانينيات، خاضت بعض أطر الحركة، الانتخابات للعضوية في الأساس، ببرامج وطنية، غير أن تأثيرها الجماهيري كان محدودا، إذ أن قوتها الأساسية تركزت في الجامعات، حيث استقطبت مئات الشباب، وزرعت فيهم قيمة التحدي والانتماء، استمدت الحركة رؤيتها، وأفكارها، من أيدلوجية الثورة الفلسطينية، والقومية العربية، ومن أيدلوجيا اليسار الماركسي.

وبسبب الإخفاق في صوغ معادلة تجمعُ بين المحلي والقومي، بين هموم الناس اليومية والمشروع الوطني، ولأسباب ذاتية وموضوعية أخرى، أخفقت الحركة في التحول إلى حركة جماهيرية واسعة ومؤثرة، رغم ما قدّمته من تثقيف وطني لمئات الشباب، لا سيّما في الجامعات، وكانت مساهمتها النوعية في إطلاق حزب التجمع، نقطةَ تحوُّلٍ في مستوى قدرتها على التطور والتأثير.

وفِي أواخر الثمانينيات، فوجئت القوى السياسية العلمانية، بدخول الحركة الإسلامية ساحة العمل البلدي، وتحقيق انتصارات نوعية في السلطات المحلية، كان منها الفوز برئاسة بلدية أم الفحم. لقد سبق هذا الفوز، نشاط دعوي وخيري، مكثف، وتغلغل في أوساط اجتماعية واسعة نسبيا.

لم يكن طريقة خوضها الانتخابات تختلف كثيرا عن طريقة الحزب الشيوعي، من حيث الاعتماد على عائلة كبيرة، كما لم تكن مسألة تمثيل المرأة في السلطة المحلية على جدول أعمالها غير أن الحركة، قررت لاحقا، عدم خوض هذه الانتخابات، بعد مراجعتها للتجربة التي أضرَّت بها، كما استنتجت.

أما التجمع ، فقد أبدى، في البداية، حذرا شديدا إزاء الانخراط في الانتخابات المحلية، فخاضها للعضوية في عدد محدودة جدا من البلدات، وعندما بدأ يتعرض لضغط من أنصاره في البلدات العربيه، والقول إن حزبا وطنيا هاما، الذي كان قد بدأ نجمه يلمع ويأسر خيال الكثير من الناس، لا يجوز أن يبقى متعففا عن خوض الانتخابات للسلطات العربية المحلية، وبالتالي عن هموم الناس اليومية، فقرر إعادة النظر بتشدده، وبدأ بتطوير معاييره لخوض هذه الانتخابات، وجعلها أكثر مرونة، بحيث تأخذ بعين الاعتبار التركيبة الاجتماعية التقليدية، (الحمائل والطوائف)، ببرنامج وطني واجتماعي تقدمي، و لكن بشرط منع المشاركة في الانتخابات الداخلية للعائلات. وقد حقق التجمع انتصارات مهمة في العديد من هذه المواقع بناء على هذا التوجه، ولكن ما لبث أن عاد وظهر مجددا النقاش الذي مفاده أن التجمع ما يزال متشددا في معاييره. وتحت ضغط المنافسة، وضغط الأنصار، والرغبة في الوصول إلى تمثيل، بدأت المعايير تصبح أكثر فضفاضة، مما قاد إلى الابتعاد خطوات أخرى عن المعايير الأولى، ورأينا أن الواقع الاجتماعي التقليدي راح يترسخ أكثر، وتُصبح مقاومته أصعب، ما دفع الأحزاب إلى المزيد من التكيف معه، والتنافس الشديد فيما بينها، للحصول على تمثيل بأي ثمن، دون الانتباه إلى الضرر الاجتماعي والثقافي والأخلاقي الذي ينشأ عن ذلك، وكذلك إلى الضرر الذي يلحق بالأحزاب نفسها، وجراء ذلك، تغوَّلت العائلات، وبدأت تنتصر على الأحزاب، إذ أن المصوِّتين ما عادوا يميزون بين حزب متحالف مع عائلة، وعائلة متحالفة مع عائلات أصغر، وبدل شتم العائلية، بات مطلوبا من الأحزاب والأكاديميين، مراجعة نقدية جريئة، واشتقاق صيغة جديدة عصرية، لخوض الانتخابات المحلية، وإدارة السلطات المحلية.

كانت هناك نقاط ضوء في الانتخابات الأخيره وقبلها، تجلت في تحالف الاحزاب لإسقاط رؤساء مرتبطين بالمؤسسة الإسرائيلية، كما أن هناك تجربة ما يسمى المدن المختلطة، مثل نتسيرت عيليت، غير أن هذه التجارب التحالفية القليلة، لم تتطور إلى نموذج عام، مع ذلك، لا بد من القول، إن التجربة لم تكن خالية من النجاحات والإنجازات الحقيقية، في العديد من المجالس المحلية، والبلديات، ويمكن القول إن بعض الرؤساء، أجادوا إدارة مجالس بلداتهم تَرَكُوا بصمات واضحة، كما أن أعضاء بلديات تألقوا، من التجمع وغيره، كقادة محليين يجيدون العمل الجماهيري، ويطوِّرن علاقتهم مع المجتمع.

غياب الثقافة وسيادة الفردية والجهل

ولكن المشكلة الكبرى، التي لم يتم حلها فحسب، بل تفاقمت، هي ترسِّخ الثقافة الاجتماعية التقليدية بقيادة أكاديميين مستقلين، وحزبيين إذ أنتج ترسخها نزعة فردية انتهازية، وسلوكا مدمرا، وخواءً ثقافيا وسياسيا.

حين يُصبح النهج السائد في الانتخابات المحلية، معتمدا على الحمولة، التي لم تعد كما كانت في زمنٍ مضى، وحين تجري انتخابات داخلية فيها لانتخاب مرشح العائلة، وبإقصاء مطلق للمرأة، وعن سبق إصرار، فإننا نكون قد أعدنا إنتاج البنية التقليدية وقِيَمها عبر اعتماد وسائل عصرية، ومن هنا تنبع حاجة كل الأحزاب، إلى مراجعة تجربتها، التي اختلفت في مقاربتها في المرحلة الأولى، ثم تشابهت إلى حدٍ كبير لاحقا. إن الأحزاب، وإن -تفاوتت في ذلك-، تُعاني من جمود في التطور الفكري، والثقافي، وانحسار البعد الأيدلوجي والقيمي، وإن هذا الانحسار، وهذا الخواء، الذي يعززه إخفاق تجربة القائمة المشتركة، التي بات غالبية ممثلوها يتابعون مصالح الناس من خلال التواصل والتوسط مع الوزراء، وما يعنيه ذلك من تجفيف السياسة، يستلزم فضحه، بلا هوادة والتصدي له، قبل فوات الأوان.

ليس قصدي في هذه العجالة تقديم تقييم شامل، ومنصف، لتجربة الانتخابات المحلية للسلطات المحلية العربية، وتأثيرها على التطور المادي والخدماتي، ولكن بخصوص الجانب التربوي الأخلاقي والاجتماعي، فإن الأمر واضحٌ وجلي. هناك إخفاق كبير، يتجلى في حالة التشوه الاجتماعي والقيمي ، من ناحية، وتجريد العمل البلدي والمعارك الانتخابية من السياسة والموقف الوطني ، وتخلل فترة الحملة الانتخابية، وبعدها، مظاهر عنف فردي وجماعي، وهذا ما يجعل أوساط النخب، بمن فيهم النساء، تبتعد عن هذه الساحة.

هناك رؤساء يفتخرون بأنهم لا يتدخلون في السياسة، ويحصلون على ميزانيات كبيرة نسبيا مستجيبين لإملاءات المؤسسة الإسرائيلية، ما يعكس فقدان أو تآكل الوعي الوطني، والسياسي، و الذي يقود إلى التفريط بأدوات الفهم لبنية وآليات السيطرة التي يعتمدها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي ضدنا كمواطنين (مواطنة شكلية)، وكجزء من الشعب الفلسطيني. إننا أمام بداية تشكُّل حالة رثة، تتسم بالخواء السياسي، والفكري، والأخلاقي، تسمح بظهور رؤساء بلديات، دون أدنى التزام وفهم بالسياسة، وكل ذلك يُكرِّس واقع الأبارتهايد والاستعمار الداخلي، الممارَس علينا، في الناصرة وأم الفحم، وسخنين، والطيبة ورهط، وغيرها من البلدات العربية، أسوة بالممارسة الاستعمارية في بقية الوطن الفلسطيني، وفِي هذا السياق، يبرز غياب الدور الحقيقي لدوائر المعارف والثقافة، داخل السلطات المحلية، في صقل القدرات الثقافية للأجيال الشابة. ما نشهده، في هذا المجال، هو نشاطات ثقافية و فنية عشوائية، دون رؤية ودون هدف نهائي، وغالب هذه النشاطات تُدار على يد أناس فقراء في الثقافة. ويجري الاحتفاء بتراثنا الشعبي، كفولكلور جامد، مجردٌ من معانيه الوطنية والسياسية، ولا يساهم في تربية الأجيال على حمل رسالة سياسية لمقاومة النهب والمصادرة، وطمس الهوية الوطنية.

ليس لنا خيار حتى الآن، كجزء من شعبٍ، يعيش تحت المواطنة الإسرائيلية، غير خوض هذه الانتخابات، خاصة وأن التأثير على السياسة العامة من خلال البرلمان الصهيوني، ليس ممكنا، ولكن هل هناك فرصة، وهل هناك استعداد لخوض الانتخابات المحلية بطريقة مختلفة، تأخذ القيم المذكورة بعين الاعتبار، نظريا، هذا ممكن ومطلوب، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى بدء ثورة في العقل، وفي بنية المجتمع، وثورة في التنظيم (تنظيم الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر)، لتبديد ما ترسَّخَ على مدار أكثر من ثلاثة عقود، وهذا لا يمكن إزالته خلال الأربعة أشهر التي تفصلنا عن الانتخابات القادمة، ولا في السنوات الخمسة القادمة، لكن مواصلة النهج القديم، سيعمق أزمتنا الاجتماعية والوجودية، ويكرِّس ظاهرة العنف الداخلي، على حساب المقاومة المدنية الشعبية ضد نظام النهب والقمع الإسرائيلي، ولذلك هناك حاجة لأن يتصدى من بقي ممسكًا بناصية العقل، وناصية الموقف الوطني والاجتماعي التقدمي، وأن ينتظم في منابر أو أُطُر، وطنية وتنويرية، تُشهر مواقفها مقابل هذه الحالة الرثة المتفاقمة، وتستعد للمقاومة: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والشعبية.

نقاط ضوء بقيادة المرأة

في هذا السياق، وضمن هذه الرؤية التحررية الشاملة هناك نقاط ضوء بدأت تلمع مؤخرا، إنها المحاولة المنهجية التي تعمل عليها أُطُر نسوية ونسائية، ومنها جمعية كيان، في السنوات الأخيرة، لإدماج المرأة في معركة السلطات المحلية، والجديد في هذه المحاولة، هو الانتقال من تقديم الإرشاد والمعرفة، إلى تدريب وتحضير نساء لخوض الانتخابات والفوز بتمثيلٍ في السلطات المحلية، مع برامج اجتماعية تحررية، وذات مضامين سياسة وطنية شاملة، وبدأت مؤخرا تظهر في وسائل الإعلام لقاءات مع العديد من هؤلاء النسوة الجريئات، واللواتي يحملن وعيا سياسيا واجتماعيا يشمل كل مناحي الحياة.

وهنا، واجبُ كل متنور، سواء من داخل الأحزاب أو من خارجها، دعم النساء المبادرات، وتشجيعهن، في وجه التشكيك، أو الاستخفاف، الصادر من الأوساط المحافظة في المجتمع. ما يميز هذا التوجه الجديد، النظري والعملي، هو البعد النهضوي الشامل، الذي تُعدُّ به، وهو ما يفتح أفقا جديدا أمام دعاة النهضة، والموقف الوطني، والاجتماعي التقدمي. يمكن أن يتحول هذا التوجه إلى تيار صاعد، يفرض مفاهيمه على المجتمع ويُحصّنه، في السنوات القادمة، مكونا من طلائع الجيل الشاب الواعي، ومن ذوي التجربة السياسية والاجتماعية التجديدية، وفِي القلب منها المرأة الفلسطينية، إنها وحدة الأجيال في هذه المعركة ووحدة النوع الاجتماعي، في معركة التحرر والبناء.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018